تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل السادس- نوادر هذا الباب

- كان بعض الأعراب يأكل ومعه بنوه، فجعلوا يأخذون اللّحم من بين يديه فيقول لهم: يا بنيّ، إنّ الله ﷿ يقول: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما

(الاسراء:). ولأن تقولوا لي ألف مرّة «أفّ» في كلّ مرة سبعون انتهارا، أهون عليّ ممّا تفعلون.

- لزم أعرابيّ سفيان بن عيينة حتى سمع منه ثلاثة آلاف حديث، ثم جاءه يودّعه، فقال له سفيان: يا أعرابيّ، ما أعجبك من حديثنا؟ قال: ثلاثة أحاديث: حديث عائشة عن النبيّ ﷺ وآله وصحبه أنّه كان يحبّ الحلواء ويحبّ العسل، وحديثه ﵊: «إذا حضر العشاء وحضرت الصلاة، فابدأوا بالعشاء»، وحديث عائشة عنه ﷺ: «ليس من البرّ الصيام في السّفر».

- قدّم إلى أعرابيّ كامخ، فقال: ممّ يعمل هذا؟ قالوا: من اللبن والحنطة، قال: أصلان كريمان، ولكن ما أنجبا.

- وقدّم إلى أعرابيّ كامخ، فقال: ما هذا؟ قيل: كامخ، فقال: من كمخ به؟ من قولهم: كمخت البقرة إذا ثلطت.

- واجتمع اثنان من الأعراب على كامخ، فقال أحدهما: خرا، وربّ الكعبة، وذاقه الآخر فاستطابه فقال: أحسبه خرا الأمير.

قال الأصمعيّ: سمع أعرابيّ واحدا يقرا: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً

(الكهف:). فقال: وأبيك إني لأعرف هؤلاء القوم بعينهم، فقيل له: ومن هم؟ قال: الذين يثردون عزّهم.

أولم رجل وليمة، فحضرها أعرابيّ وجعل يأكل ولا يرفع رأسه حتى أحضر الفالوذ، فرفع رأسه فنظر إلى شيخ معتزل عن القوم، فقال: ما بال الشيخ لا يأكل؟ قيل: إنّه صائم، فقال: ما أحوجه إلى الصوم؟ قالوا: طلب المغفرة والفوز بالجنّة، قال الأعرابيّ: فإذا فاز بالجنّة، أفتراه يطعم فيها أطيب من الفالوذ؟.

- قدّم إلى أعرابيّ موز، فجعل يقلّبه ويقول: لا أدري، العجب ممّن خالطه، أو ممّن حشاه؟! سقط أعرابيّ عن بعيره فانكسر بعض أضلاعه، فأتى الجابر يستوصفه، فقال: خذ تمر شهريز، فانزع أقماعه ونواه، [ولتّه] بسمن واضمد به، فقال الأعرابيّ: بأبي أنت، من داخل أضمد أم من خارج؟

- امتنع أعرابيّ من غسل يده بعد الأكل وقال: فقد ريحه كفقده.

ثم أخذ كفّا من تراب، فرماه في وجوهنا وقال: أحسبكم تآمرتم على هذا، لا يقربني منكم أحد، فمكثنا أيّاما لا نغشاه، ثم سألنا ابن أبي حفص العطّار، فترضّاه لنا.

قال محمد بن عبد الله بن حكيم: كنّا عند الشافعيّ ﵁، فدخل رجل من أعوان الشّرط، وبين يديه طبق فيه تمر، فجرّ الطّبق وأكل حتى أتى عليه، ثم قال: يا أبا عبد الله، ما عندك في طعام الفجاءة؟ قال: كان ينبغي أن يكون سؤالك هذا والتّمر في موضعه.

اجتاز أعرابيّ بقوم يأكلون، فلم يدعوه، فعمد إلى الصلاة، فقالوا:

ما تصنع؟ قال: أستخير الله في محادثتكم، فضحكوا منه ودعوه إلى الطعام.

ترحّم بعض الطّفيليين على النمروذ بن كنعان، فقيل له: تترحّم على كافر؟! فقال: نعم، لأنّه أوّل من اتّخذ الكرماذخ.

- ذكر أنّ الرشيد وأمّ جعفر اختلفا في اللوزينج والفالوذج، أو الخبيص، وحضر أبو يوسف القاضي، فسأله الرشيد، فقال: إذا حضر الخصمان حكمت. فقدّما إليه، فأكل منهما حتى انتهى، فقال له الرشيد:

احكم، قال: اصطلح الخصمان وأعفياني من الحكم. فضحك الرشيد، وأمر له بألف دينار، وبلغ زبيدة الخبر، فأمرت له بألف دينار إلا دينارا.

- دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك وهو يأكل، فقال: اجلس وكل- وكان سليمان قاذورة نهما، وكان يوضع بين يديه قصعتان، فيأكل من واحدة، والناس من واحدة- فجعل الأعرابيّ يأكل من القصعة التي بين يدي سليمان ويتعدّى [إلى] الأخرى، فقال سليمان: كل ممّا بين يديك، قال: أو ههنا حمى؟! قال: لا، كل من حيث شئت، فلما أتي بالفالوذج، قال له سليمان: يا أعرابيّ، أتعرف هذا؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، إلا أني أرى رونقا حسنا، ومزدردا ليّنا، وطعما طيّبا، وإني لأظنّه ممّا يخرج من [بطون] التذكرة الحمدونية

النحل، فقال سليمان: إنّه مع هذا يزيد في الدّماغ؛ فقال كذبوك يا أمير المومنين، ولو صدقوك لأصبح رأسك مثل رأس البغل الأطحل.

موسى الثقفي:

فما شيء بأحسن من خوانأتاك يزفّه خلق الثّياب
وقد ناجاك سر الجوع حتىتعلّق خمص بطنك بالحجاب
فتغمس خمس كفّك في ثريدبلقم مثل منكمش الذّهاب
كأنّ دويّه في الحلق لمّاهوى، رعد يهمهم في سحاب

- قيل لأعرابيّ: ما اسم المرق عندكم؟ قال: السّخين، قال: فإذا برد؟ قال: [لا] ندعه يبرد.

قعد صبيّ مع قوم، فقدّم شيء حارّ، فأخذ الصبيّ يبكي، قالوا:

ما يبكيك؟ قال: هو حارّ، قالوا: فاصبر حتى يبرد، قال: أنتم لا تصبرون.

قال بعضهم: رأيت ثلاثة من الهرّاسين على بقعة واحدة، وهم يتكايدون في مدح هرايسهم. فأخرج أحدهم من هريسته قطعة على المغرفة وأسالها وهو يقول: إنزلي ولك الأمان، فقال الثاني: يا قوم، أدركوني، الحقوني،! أنا أجذبها وهي تجذبني، والغلبة لها، فقال الثالث: لا أدري ما تقول، من أكل من هريستي، أسرج ببوله شهرا.

- كان بعض الأكلة يباكر الأكل، فقيل له: اصبر حتى تطلع الشمس، فقال: أنا لا أنتظر بغدائي من يقدم من أقصى خراسان.

- قيل لبعضهم: التّمر يسبّح في البطن، قال: إذا كان التمر يسبّح،

فاللوزينج يصلّي في البطن تراويح.

- قال عثمان الدقيق الصوفيّ: رأيت أبا العباس بن مسروق، وهو أحد شيوخ الصوفية، في يوم مطير على الجسر مشدود الوسط، فقلت له: يا عمّ، إلى أين في هذا اليوم المطير؟ فقال: إليك عنّي، فقد بلغني أنّ بالمأمونية رجلا يقول: ليس الباذنجان طيّبا؛ أريد أن أمضي إليه وأقول له: كذبت، وأرجع.

- خرج طفيليّ من منزل قوم مشجوجا، فقيل له: من شجّك؟ قال:

ضرسي.

- قيل لأعرابيّ: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك لي حبّ الغداء حزنا على أحد.

- سمع بنان رجلا يقول: يخرج الدجال في سنة قحط مجدبة، ومعه جرادق أصفهانية، وملح ذرآني، وأنجذاني سرخسي، فقال: هذا- عافاك الله- رجل يستحقّ أن يسمع له ويطاع.

قال أبو بكر بن عيّاش: كنّا نسمّي الأعمش سيّد المحدّثين، وكنّا نجيئه آخر من يقصده، لأنّا نطيل عنده، وكان لا يزال يطعمنا الشيء ممّا يحضره، ويسألنا فيقول: بمن مررتم اليوم، [ ...]، وعمّن أخذتم؟ فنسمّي له الواحد، فيشير بيده، أي جيّد، ونسمّي آخر فيومىء بأصبعه، أي صالح، ونسمّي آخر، فيقول: طير طيّار، ونسمّي آخر، فيقول: طبل مخرّق. فقال

بعضنا لبعض ذات يوم: لا يخرج الأعمش إلينا شيئا إلا أكلناه كلّه. فأخرج إلينا خوانا عليه خبز وتمر، فأكلناه، ثم عاد فأخرج قتائت ممّا يسرب انسيابا فأكلناه، ثم عاد فأخرج كسيرات، فأكلناها، ثم عاد فأخرج إجانة فيها كسب ونوى فقال: أما طعام العيال فأكلتموه، وهذا علف العنز فدونكم.

[كان] رجل يطعم رجلا يلازمه، ولم يكن عنده في بعض الأيام ما جرت به عادته، فقال لغلامه: خذ المفتاح معك، وكن قريبا من الدار، فإذا جاء ورأى الباب مقفلا انصرف. فلما جاء الرجل ورأى الباب مقفلا، جلس ينتظر أن يجيء ويفتح الباب، فأدركته الشّمس، فلم يزل ينتقل من موضع إلى موضع حتى لم يبق ظلّ، فقال:

البيت لا أبرح من بابهحتى يموت الرجس من جلسي
أقتله في البيت جوعا كمايقتلني بالجوع في الشّمس
أليس في منزل فرقانناأنّ [قتل] النّفس بالنّفس

- أسماء هزلية وضعها الطفيليون والصوفيه للأطعمة وآلتها وما يتبعها:

الطّست والإبريق: بشر وبشير الخوان: أبو جامع السّفرة: أبو رجاء الخبز: أبو جابر اللحم: أبو عاصم الملح: أبو عون القدر: ميمون الزّنجي

الغضارة: أمّ الفرج الحوّارى: نجوم الفكه، ويقال: أبو نعيم الطيفورية: أمّ روح منديل الغمر: أبو بشر الخشكار: أبو جابر الكزمازك: [ ...]

الفرنية: قبّة الإسلام البقل: زحام بلا منفعة، ويقال: أبو جميل الجوز والجبن: معاوية وعمرو بن العاص الرواصيل: يأجوج ومأجوج البيض: بنات نعش الثريد: جبير بن مطعم الجبن: راشد الخناق الجوز: أبو القعقاع الزيتون: خنافس الخوان الصحناء: أمّ البلايا الباقلاء: أبو مروان العدسية: المؤيسة الباذنجان: قباب ياسر، ويقال: الزّط الكامخ: عرق الشيطان

البوارد: بريد الخير البزماورد: أبو كامل الطيالسي، ويقال: أبو طريف السنبوسك: جامع سفيان الماء: أبو غياث الخردل: أبو كلثوم الجلّاد الدجاجة: سمّانة القوادة، ويقال: أمّ الخير [البطة]: بهادة السوسية الحمل: شهيد بن الشهيد، ويقال: أبو حميد الهند الجدي: أبو العريان، ويقال: أبو خبيب الرّقاق: أبو الطيالس الرغيف السميذ: أبو البدر السكباج: أمّ عاصم، ويقال: أمّ نابت المضيرة: أمّ الفضل الكشكية: أم الخير، وأمّ برّ الرأس: قيم الحمام، وأبو سويد الأكارع: [أبو الخرق] وشيبان ماء البالقلاء: أبو حاضر السمك: أبو سابح الخلّ: أبو العباس، ويقال: أبو ثقيف

الفتيت: أبو نافج القنّبيطية: دويرة الرومية المغمومة: المقنّع الكندي المري: أبو مهارش [الزبيبة]: أبو الأسود الدّؤلي القشمشية: أمّ الجمال الملبّقة: أمّ سهل الطباهجة: زلزل المغنّي البقيلة: المشؤومة القليّة: الناعية المصلّيّة: أمّ بشير الأرز: أبو الأشهب النرجسية: أبو الثّريّا الجوذاب: أمّ الحسن الفالوذج: أبو مضاء، وأبو العلاء السكّر: أبو الطيّب الطّبرزد: أبو شيبة الخوزي اللحم الشّواء: الروح الأمين العسل: أمّ المؤمنين

الخبيص: أبو نعيم، وأبو الوزير، وأبو الوليد الحلواء: خاتم النبيين العصيدة: أم المؤمنين اللبن: أبو اليمان الرّمّان: أبو حفص السّفرجل: أم العجوز التين: أبو عجينة اللوزينج: بكير الطرائفي، ويقال: قبور الأطفال القطايف: قبور [الشهداء] الفراريج: بنات المؤذّن السّويق: أبو خفيف الخلال: أبو الياس، وكتاب الغزل الأشنان والمخلب: منكر ونكير النبيذ: أبو غالب القرابة: أم رزين النّقل: أبو تمام النرجس: أبو العيناء السايكسي: أبو فرعون القدح: أبو قريب

النبيكة: أم الفتيان الصراحية: أم القاسم القاطرميز: أبو مزاحم المغنّي: أبو الأنس الزامر: حميد الكوسج المؤاجر: أبو صابر القحبة: أبو ياسر المخنّث: أبو عطيّة الثقيل: أبو ثهلان القوّاد: أبو مغيث المسخرة: الضحاك بن قيس المعربد: ضرار بن مخرّق [الطفيلي]: أبو الصقر الليثي الذي يتبع الطفيلي: زائدة بن مزيد القفل: أبو منيع المفتاح: أبو الفرج الدينار: أصفر سليم الدرهم: أبو واضح

- كنية الجوع: أبو عمرة، أنشد أبو عمرو:

إنّ أبا عمرة شرّ جاريجرّني في ظلم الصحاري

جرّ الذئاب جيفة الحمار

- قدّم أعرابيّ إلى ضيفه ثريدة وقال له: لا تقصعها، ولا تقعرها، ولا تشرمها، قال: فمن أين آكل؟ قال: لا أدري، فانصرف جائعا. أراد أن لا يأكل من أعلاها، ولا من أسفلها، ولا من حروفها.

- شكا مدنيّ إلى أبي العيناء سوء الحال، فقال له: أبشر، فإنّ الله قد رزقك [الاسلام] والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.

وضعت بين يدي أعرابيّ عصيدة تنش حرارة، فضرب بيده إليها فامتنعت عليه، فقال: أما والله إني لأعلم أنّك هيّنة المزدرد، ليّنة المسترط، وإنّك لتعلمين أني ابن بجدة بلادك في أكلك، وإني لأخاف أنّ العود إلى مثلك ستطول مدّته، فما يمنعني أن أتلقّى حرارتك ببلعوم سرطم، وحلقوم لهجم، وبطن أكبر، وجوف أرحب، فقضى الله في ذلك قضاءه بما أحببت وكرهت.

شاعر:

[يحسن] اللّقم ولا يخشى الغصصبلعما يقطع أزرار القمص

-[قيل] لأبي مرّة: أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمّص، بلقاء من الشّحم، ذات حفافين من اللّحم، لها جناحان من العراق. قيل: وكيف أكلك لها؟ قال: أصدع بهاتين: يعني

السّبّابة والوسطى، وأسند بهذه، يعني الإبهام، وأجمع ما شذّ منها بهاتين، يعني الخنصر والبنصر، وأضرب فيها ضرب الولي السوء في مال اليتيم.

مضغت أعرابية علكا، فقيل لها: كيف ترينه؟ قالت: تعب الأضراس، وخيبة الحنجرة.

دعي مزبّد إلى طعام فقال: أنا صائم، فلما قدّم الفالوذ زحف إليه، فقيل له في ذلك، فقال: أنا على [رد يوم] أقدر مني على ترك هذا.

يتلوه باب السّير والعجائب وفنون الأشعار والغرائب والحمد لله، وصلى الله على نبيّه محمد وآله وصحبه وسلّم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.