من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الخامس في أوصاف الأطعمة وفنونها
قد ذكرت في باب الأوصاف والنّعوت طرفا من الأشعار في نعت المآكل يليق بالمكان، ويتضمّن ما كان وصفا غريبا، ونعتا مستحسنا، ونذكر في هذا الموضع ما يقتضيه إذ كان أولى به.
خرج خالد بن صفوان إلى البستان، فلما قدم، قيل له: من أين أقبلت يا أبا صفوان؟ قال: من البستان. قيل: فما أكلت؟ قال: أتينا برغفان قانية الحمرة، صافية الرّقعة، فائقة الصّنعة، تهفو بها الريح رقّة، مع آنية ماء كأنها فرّت من زبدة، تبجّس شحما وتقطر سمنا، مع بقول اجتنيت لمّا أينعت فهي خضرة نضرة، غضّة بضّة، مع ساكن دنّ نسج عليه العنكبوت، وسكن أسافله فهو يروق، لو ألقيته على الشّمس لأظلمت، ولو سافته حيّة لأرعفت، ثم أتينا ببسر مفلق أنضجته ناره، وانتقاه أكّاره، فهو لطيف النوى، نبيل اللّحاء، قد احمرّ باطنه وانجرد ظاهره، وهشّ مكسره، ففيه العيش كلّه.
- كشاجم يصف دجاجة:
دجاجة في سمن السّمندعظيمة الزّور بصدر نهد
أجريت منها في العقدمرهفة ذات شبا وحد
ولم تزل بالماء كفّ العبدتفرق بين ريشها والجلد
وغليت بعد بماء الوردوصبّ فيها اللوز مثل الزّبد
ثم أتى يسعى بها المهديكأنما قد بخّرت بالنّدّ
- وقال أيضا في حمل مشويّ:
لم أنسه في حلّة حمراءعلى خوان واسع الفضاء
قد شقّ عن مكنونة بيضاءتسفر عن مكّيّة ملساء
مقرونة بأختها للرائي
قدم أعرابيّ الحضر، فقيل له: أين كنت؟ قال: كنت والله عند كريم خطير. أطعمني بنات التنانير، وأمّهات الأبازير، وحلو الطناجير، ثم سقاني [من دم] القوارير، من يد غزال غرير.
- حسان:
ثريد كأن الشمس في حجراتهنجوم الثريّا أو عيون الضّياون
كان ملوك غسّان يوصفون بالتّرفّه والنّعمة، فيقال: ثريدة غسّان كما يقال فالوذ ابن جدعان، ومضيرة ابن أبي سفيان.
- وكانت الأكاسرة تحظر السّكباجة على العامة وتقول: هي للملوك، حتى ملك أبرويز فأطلقها لهم.
- وكانت العرب لا تعرف الألوان. إنّما طعامهم اللحم يطبخ بماء وملح، حتى كان زمن معاوية فاتّخذ الألوان وفرّقها وتنوّق فيها.
قال بزرجمهر: في البطيخ عشر خصال: هو ريحان، [وتحية] وفاكهة، وإدام، وخبيص مهيّأ، ودواء للمثانة، وحرض للغمر والزّهومة، ومذهب لرائحة النّورة عند الاستحمام، وكوز لمن عسر عليه ماء يشرب فيه،
وهاضوم للثقيل من الطعام.
أبو نصر الكاتب يصف القطايف والخشكنانات:
قطائف عراقيّ النّشر بغداديه، عسكريّ الحشو طبرزيّه، ممّا عنيت الأذهان بتصويره، ونصبت اليدان لتقديره وتدويره، وأبرزته كالبدر في كماله، متنزّها في صورتي محاقه وهلاله، ثم طوته الأنامل طيّ السّجل للكتاب، وغادرته قد رصّت صفوفه، [ ...] به ظروفه، وأركبت بعضه بعضا، حتى شكّلته سماء وأرضا، ثم رقد رقدة النّصب المجهود، وهوّم تهويم اللّغب المكدود، ذابل الشمائل، مبتلّ الغلائل، يعوم في دهن، كأنّما كسر به في بحر، أو أحسن غوص وأطيبه، وأطرف بديل وأعجبه، خشكنانج كأساور الكواعب، كسرها فضل التجاذب والتداعب، أو كقرون الظّباء قدّا والتفافا، ولملمة واستحصافا، أو فخاخ صنعت للطير فأحكمت، ووضعت للصيد فقوّمت، هلالية الجنبات، ذهبيّة الشّيات، رقيقة القشر، غليظة الخصر، لذيذة الأرج والنّشر، يكاد ينمّ على باطنها ظاهرها، ويشهد على غائبها حاضرها، نزهة المحيّا، [ ...] ونقيّة المتجلّى.
كان أبو بكر بن قريعة يحبّ الفالوذج السّرطراط ويقول: أريدها مستغيثة من الغرق، في ماء الورد العرق. ويسمّي القطائف لفائف النعيم، وطعام الصابرين، ويسمّي اللوزينج مغرغر الحلقوم.
أ- ودخل يوما إلى عزّ الدولة وبين يديه طبق فيه موز، فأعرض عن استدعائه، فقال: ما بال مولانا [لا] يدعوني إلى الفوز بأكل الموز؟ فقال:
صفه حتى أطعمك منه، فقال: ما أصف من جرب ديباجية، فيها سبائك
ذهبية، كأنّما حشيت زبدا وعسلا، وخبيصا مرملا، أطيب الثمر، كأنّه مخ الشجر، سهل المقشر، ليّن المكسر، عذب المطعم بين الطعوم، يتسلسل في الحلقوم. ثم مدّ يده فأخذ وأكل.
زعم الطباخون أنّ الديكبريكة [؟] لا يكمل طيبها، ولا يذكو ريحها حتى تبرد وتسخّن، فيغرف منها ثلاث غرفات: حارّة، وباردة، ومسخّنة. والسّكباج أخت الديكبريكة وشبيهتها، فتؤكل ألوانا: أولّها ثردة تشرب سكرا، ثم ثردتها الساذجة المعروفة، ثم لحمها حارّا وباردا، ثم يصفّى مرقها ويعرّى من الدّسم ويثرد فيها فتؤكل باردة.
وكان بنو الفرات وغيرهم من أرباب النعمة بالعراق يتقدّمون بعمل هذا الطعام: يؤخذ لحم عجل رخص فيغسل وينشّف، ويوضع في قدر، ويصبّ عليه من خلّ الكرم الجيد الصافي فوق غمره، ومن الزيت الخالص قدر الراحة، ويجعل معه السّذاب والكرفس، ويضاف إلى ذلك قشور الأترجّ أو قداحه، وقشور السّفرجل وقشور التفاح الشامي، والكسفرة اليابسة والزعفران، ويترك على النار حتى يسكن، ويصفّى ويجعل في خماسيات ويحكم صمامها، فإذا احتيج إليه عند اتّخاذه، عمل بهذا الخلّ على الصفة المعروفة التي ينقع فيها اللوز والسّكر، وعلى هذا اخترع بعض الخلفاء أن يطبخ البطّ [ ...] الملقم بالخلّ الحاذق الذكي ويصفّى ويعمل به أنواع القلايا وما يجري مجراها من المحرّقات.
وكان يوصف ببغداد فالوذجة الحسن بن سهل، وخبيصة يحيى بن خالد، وأرزة عمرو بن مسعدة، ولوزينجة حميد الطّوسيّ، وقطايف صالح صاحب المصلّى.
حكي أنّ المأمون مضى إلى المدائن متنكّرا ومعه بعض الأصحاب، فأكل من جوذابها فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه من طعام العامة! فقال: إنّ العامة تشركنا في الماء البارد، فهل نترك شربه لأجلهم؟!
قيل لأبي الحارث جمّين: بأيّ شيء تشبّه البدر؟ قال: بالبهطّة إذا سقيت لبن حليب طريّ بزبد مرويّ، وسكر طبرزد [ ...].
وكان يقول: ما أشبّه البيض على الموائد إلا بالكواكب في الأفق.
- وسمع رجلا يذمّ الزّبد، فقال له: ترى ما الذي كرهت منه؟ سواد لونه، أو بشاعة طعمه، أم استصعاب مدخله، أم خشونة ملمسه؟
- وقيل له: ما تقول في الباذنجان؟ فقال: أنوف الزّنج، وأذناب المحاجم، وبطون العقارب، وبزر الزّقّوم، قيل له: إنّه يحشى باللحم فيكون طيّبا، فقال: لو حشي بالتقوى والمغفرة، ما أفلح.
- وقال شاعر في وصفه:
وسود تروّت بالدّهان فأبدلتبتوريدها لونا من النار أكلفا
[كأفواه] زنج تبصر الجلد أسوداوتبصر إن فرّت لجينا مؤلّفا
وقال الجهرميّ يصفه:
لونان من عاج ومن سبج إذا اجتمعا فصبح في خلال ظلام
وفيها يقول:
روّى على مهل فأنضج قلي ذايوما، وأنشف ذا على الأيّام
والمالح الممقور أقطاع الحلاكللن حبّات بغير نظام
أصبحن للجامات عمرانا ولوفتن الشّباك عمرن في الأجسام
وكأنّما الدّرّاج ذبح والقطامن حوله صرعى كؤوس مدام
وإذا الكواميخ اغتدت أقداحها[ ...] عتمت ذخائر الأغنام
من كلّ لون حدثت أنفاسهفي الطيب عن شيح به وثمام
والعيش صفراوان من عدسيةفي القدر أو سمدية في الجام
وقيل: حضر الجهرميّ مع جماعة من أصدقائه، فذكر أبو الفضل القطّان جديا أهدي إليه، وسوّفهم الاجتماع عليه، وأخذوا في تقرير الوعد، فأمسك وطلب خلسة [؟] وقام هادئا، فأنفذ الجماعة في طلبه، وتردّد الرسول فلم يعد، فقال الجهرميّ يعاتبه ويتوعّده بأخذ الجدي والاستئثار به:
[أبا] الفضل والفضل بين الأناملمعنى كنيت به لا لقب
تروغ إلى غيرنا هارباوقد كنت منه تريغ الهرب
فخلّيت مجلسنا من حلاككأقداحنا عاطلا مجتنب
إلى أن تهلهل ثوب النّهاروكاد إناء ذكاء يكب
فإن شئت كن رجلا غائبابجديك أو زحلا لم تغب
ففي بيت إخوانك الرأس منهوتحت خوانك منه الذّنب
[ ...] غدا عندهم للغداء[ ...] منه كما لا تحبّ
وقد قام ذا راجلا ناصباوذاك لتنورهم قد ذهب
إلى أن يفور وتصلاهمابذنبك لا ذنبه المكتسب
ويخرج في جلّناريّةمكلّلة برميّ الحبب
ونحن لتمزيق ذاك الإهابوما تحته قد أخذنا الأهب
رقاقا عططناه عطّ الشّروب فينا غلائلهم للطرب
ووصف الجوذابة فقال:
وجامدة بعده كاللّجين مشربة دائما كالذّهب
ربت باللّبان معا والدّهانكأن قد ربت بين أمّ وأب
[ ...] وما حلبت خلوةكأنّ الضّريب سقاها الضّرب
تكاد تصيح الغريق الغريق من زنبقيّ عليها انسكب
فظلنا من اللهبيّ الرتيب يسفر عن برديّ شنب
ويحنو عليه من العسكريّمهيل طبرزده المنتخب
ونرفعها لقما من كثبيرينك فحص القطا في الكثب
فحينئذ ما رأيت الحنيذ جديك في النّفل المنتهب
ثم قال مشيرا إلى عناق أخذت من القطعان في اللعب، فأجاد في الذمّ إجادته في المدح [وكشف] عن حسن التصرف في المعاني:
وتذكر بالجدي يوم العناقوذاك لغيظك أقوى سبب
وكيف قمرنا بها من يديك لاعبة بيدي من لعب
وحلّت مغالبة أخذهاوقد كان أخسرنا من غلب
من الجرب الحدب لا في الرفاهـ ترفع رأسا ولا في الحرب
بظهر به الجدب بادي الظهوروجنب به الخصب جار الجنب
يقوم بموجبه الخيزران من عوج أضلاعها والحدب
وتهتز من سوقها المرعشاتضعائف عن فلكات الرّكب
تعجب من أمرها أمس وهوإلى اليوم من أمرها في عجب
فما إن شفى قرما نيلهاولا سدّ فارغة من سغب
وكان عليك احتمال الثقيل من أكلها وعلينا التعب
مصابان يجني القديم الحديثفإن كنت محتسبا فاحتسب
قال أبو عبيدة: العرب تقول: كل طعام لا حلوى فيه فهو خداج.
- وقال الأصمعي: أول من صنع الفالوذج عبد الله بن جدعان، وفيه يقول الشاعر:
له ناد بمكة مشمعلّوآخر فوق كعبته ينادي
إلى ردح من الشيزى عليهالباب البرّ يلبك بالشّهاد
قال حماد بن سلمة: دخلت على إياس بن معاوية وهو يأكل فالوذجا، فقال: ادن فكل، فإن كان شيء يزيد في العقل فهذا.
- كشاجم يصنف القطائف:
عندي لأضيافي إذا اشتد السغبقطائف مثل أضابير الكتب
كأنها إذا تبدّت من كثبكوائر النحل بياضا وثقب
قد مجّ دهن اللوز مما قد شربوجاء ماء الورد فيه وذهب
وغاب في السكر عنا واحتجبفهو عليه حبب بعد حبب
مدرّج تدريج أنقاء الكثباذا رآه واله العقل طرب
أطيب منه أن أراه يستلبكل امرىء لذته فيما يحب
- وقال أيضا يصف الخشكنانج:
من لذاك الطبرزد المدقوقولذاك اللوز النقيّ الأنيق
ودقيق السميذ يعجن بالماورد علّي بمسكه المسحوق
ضمّ أجزاؤه وألّف أجساما حوت كل مطعم موموق
ثم صفوه كالأهلة لاحتلمواقيتها حيال الشروق
ما رأينا كخشكنانجك الموصوف [رعيا لحقه] في الحقوق
غبت عنه فغاب عني نصيبيأنت عندي بذاك غير خليق
- وقال ابن الرومي:
جاءت إليّ طرائف بطرائفلونان من لوزينج وقطائف
هذا دبيقي الثياب ملففبملابس صقلت وذا بمناشف
وقال أبو القاسم المطرز يصف الحنطقة وهي الكبولا:
بيضاء مشرقة كأن ضياءهادر يصافح مثله في الجام
إلا أنها حبشية الأخوال والأعماموضعت على مستوقد فاستعرضت
تاجا على شرف السرير الساميرقص المشايخ دستبندا حولها
طربا وما شربوا كؤوس مدامفرحوا بسرعة نضجها فتبادروا
فرح الكبيرة بشّرت بغلاملم يسق عاقدها بها حتى لقد
كادت تدور له بلا اسطاموجرى لها عسل الطبرزذ صافيا
بذوائب كذوائب الأعلامفكأن أحمره على مبيضّها
فص العقيق وفضة الخاتاموتسرح الفالوذ في أقطارها
بحر [كذلك] كل بحر طام
عاثت بها أيدي الكرام فجمشتوجناتها تجميش غير كرام
قال حسان الديلمي: ليست الكبولاء على الصفة التي تتخذها العامة، إنما تتخذ من الدقيق السميذ والأرز والكعك أجزاء متساوية، ويدق الأرز والكعك ناعما، ويخلطان بالدقيق ويحمص الجميع بالدهن العذب الغامر، ويرفع من النار، ويغلى الماء، ويذرّ عليه ويعقد عقدا جيّدا، ثم يحط عن النار ويطرح فيه ماء الورد والكافور. وقد عملت له فالوذجة سرطراطة على نار [ ...]، وأعدت أقداح على صور المكاييل، فيغرف منها طبقة ومن الفالوذج طبقة، ويفرش فرشا خفيفا حتى تمتلىء الأقداح ثم تكبّ على المائدة، وترفع عنها الأقداح، وتقدم كأنها قواليب جزع، وتقطع بالسكاكين، وتتناول بالنار جنات.
وليس يليق بهذا الكتاب ذكر أنواع الأطعمة، إنما ذكرت هذا القدر إشارة إلى الجنس وتنبيها على مأخذ المترفين فيه. والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع