تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الأول آداب الأكل والمؤاكلة

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

(البقرة:). المعنى: كلوا من الطيّب دون الخبيث، كما لو قال: كلوا من الحلال لكان على معنى: دون الحرام، وهذا بيّن في كلّ ما له ضدّ.

- روي أنّ داود ﵇ أمر مناديه فنادى: أيّها الناس، اجتمعوا لأعلّمكم التّقوى، فاجتمع الناس، فقام في محرابه فبكى، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، لا تدخلوا ههنا إلا طيّبا ولا تخرجوا منه إلا طيّبا، وأشار إلى فيه.

قال تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

(البقرة:). فالميتة ما فارقته الروح بغير تذكية ممّا أبيح أكله بالتّذكية.

ويخرج من هذا دوابّ البحر والجراد بالسّنّة. والدم هو الدم المسفوح دون دم الكبد والطّحال بدلالة قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ

(الأنعام:).

والإهلال بالذبيحة: رفع الصوت بالتسمية، وكان المشركون يسمّون الأوثان، والمسلمون يسمّون الله ﷿. وأصل الإهلال: الصوت، ومنه يقال: استهلّ الصبيّ إذا صاح حين تضعه أمّه، ومنه إهلال المحرم بالحجّ إذا لبّى.

فأوّل آداب الأكل معرفة الحلال من الحرام، والخبيث من الطيّب. وهذا نوع يطول إن أريد استقصاؤه، وهو بغير هذا الكلام أليق.

فأما الأدب في هيئة المؤاكلة وأفعالها، فأنا ذاكر منها ما يحضرني.

- قال أبو هريرة: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ، إن اشتهاه [أكله] وإلا تركه.

- وقال ﷺ: لا تشمّوا الطعام كما تشمّه البهائم، من اشتهى شيئا فليأكل، ومن كره فليدع.

- قال أنس: قدم النبيّ ﷺ المدينة وأنا ابن عشرة، ودخل [علينا دارنا] فحلبنا له شاة فشرب وأبو بكر عن يساره وأعرابيّ عن يمينه، فقال عمر: أعط أبا بكر، فقال ﵊: لا، الأيمن فالأيمن.

وفي معنى هذا الخبر قال الشاعر:

وكان الكاس مجراها اليمينا

- وفي حديث عكراش بن ذؤيب قال: أتيت النبيّ ﷺ بصدقات مرّة بن عبيد، فقدمت عليه إلى المدينة بإبل كأنّها عروق الأرطى، فأمر بها فوسمت بميسم الصدقة، ثم أخذ بيدي في نواحيها، فأكل رسول الله ﷺ ما بين يديه، وقبض على يدي بيده اليسرى ثم قال: يا عكراش، كل من موضع واحد، فإنّه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه ألوان من رطب، فجعلت آكل من بين

يديّ فقال: كل من حيث شئت، فإنّه غير لون واحد، ثم أتي بماء فغسل يديه ووجهه وذراعيه ببلل كفّيه وقال: هذا الوضوء ممّا غيّرت النار.

- وعن أنس أنّه رأى النبيّ ﷺ شرب جرعة ثم قطع، ثم سمّى ثمّ شرب جرعة ثم قطع، ثم سمّى ثم شرب جرعة ثم قطع ثم سمّى ثم قطع الثالثة ثم جرع مصّا حتى فرغ، فلما فرغ حمد الله.

- وقد ندب إلى غسل اليد قبل الأكل فإنّه ينفي الفقر، وبعده ينفي اللّمم. ومن السّنّة البداية باسم الله وحمده سبحانه عند الانتهاء.

- وقال عمر بن أبي سلمة: [مررت] بالنبيّ ﷺ وهو يأكل فقال:

اجلس يا بنيّ وسمّ الله، وكل بيمينك ممّا يليك.

أ- قال بعض السلف: إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل كلّ شيء من شأنه: إذا كان حلالا، وذكر اسم الله عليه، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله حين يفرغ منه.

- وفي حديث النبيّ ﷺ: من قال عند مطعمه ومشربه باسم الله خير الأسماء، ربّ الأرض والسماء، لم يضرّه ما أكل وما شرب.

- وفي حديث عائشة عنه ﷺ قال: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي في أوّله فليقل: بسم الله في أوّله وآخره.

- قال ﷺ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب

بيمينه فإنّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». وحملوا هذا الكلام على وجهين: أحدهما التشبّه بالشياطين، والآخر أن تكون الهاء ضميرا للآكل الشارب، يريد أنّ الشيطان يشركه في طعامه وشرابه إذا تناولهما بشماله.

- قال الجارود بن أبي سبرة: قال لي بلال بن أبي بردة: أتحضر طعام هذا الشّيخ؟ يعني عبد الأعلى بن عامر بن كريز، قلت: إيها، قال: فحدّثني عنه، قلت: نأتيه فإن سكتنا أحسن [الحديث]، وإن حدّثنا أحسن الاستماع، فإذا حضر الغداء جاء قهرمانه فتمثّل بين يديه فقال: عندي بطّة كذا، ودجاجة كذا، ولون كذا، لكي [يحبس] كلّ امرىء نفسه لما تشتهي، فإذا وضع الخوان خوّى تخوية الظليم فما له إلا موضع متّكئه، فيجدّ القوم ويهزلوا، حتى إذا رآهم قد فتروا أكل أكل الجائع لينشّطهم بأكله.

وروي أن الحسن بن عليّ ﵉ مرّ على مساكين وهم يأكلون كسرا لهم على كساء، فسلّم فقالوا: يا أبا عبد الله، الغداء، فنزل وأكل معهم وقرأ: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ

(النحل:). ثم قال لهم: [قد أجبتكم] فأجيبوني. فانطلقوا، فلما أتى المنزل قال: يا رباب، أخرجي ما كنت تدّخرين.

قال العتبيّ: كان زياد يغدي ويعشّي إلا يوم الجمعة، فإنه كان يعشي ولا يغدّي، وكان لا يطعم طعاما إلا مع العامة، فأتاه يوما مولاه بشهدة فوضعها على المائدة، فأمسك لتؤتى العامة بمثلها، فلما أبطأ قال: ما هذه؟ قال: لم يكن عندنا ما يشبع العامة، فأمر بها فرفعت ثم لم تعد حتى

وضعوا للعامة مثلها.

- وروي أنّ المسيح ﵇ كان إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثم قال: هكذا فاصنعوا بالفقراء.

- ووصف شاعر قوما فقال:

جلوس في مجالسهم رزانوإن ضيف ألمّ فهم وقوف

- قال سهل بن حصين: شهدت الحسن في وليمة، فطعم ثم قام فقال: مدّ الله لكم في العافية، وأوسع عليكم في الرزق، واستعملكم بالشّكر.

- وقال رسول الله ﷺ: تخلّلوا فإنه نظافة، والنظافة من الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة.

- وفي حديث عمر ﵁: عليكم بالخشبتين، يعني السّواك والخلال.

وقال أبو هريرة: السواك بعد الطعام [يزيل] وضر الطعام.

- كان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه على الطعام: يا بنيّ، عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين. إن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة.

- وقال بعض الكتّاب: تغدّيت مع المأمون فالتفت إليّ وقال:

خلال قبيحة عند الجلوس على المائدة: كثرة مسح اليد، والانكباب على

الطعام، وكثرة أكل البقل. ومعنى ذمّه هذه الخلال الثلاث: أما كره مسح اليد فإنّما هو من تغمّرها بالطعام وكثرة التباسها به، وأمّا الانكباب فيدلّ على شدّة الحرص والشّره والنّهم، ومنه قول الشاعر يهجو طفيليّا:

لقد سترت منك الخوان عمامةدجوجية ظلماؤها ليس تقلع

وأما البقل فإنّ الحاجة إلى البلغة منه، وفي الإكثار منه تشبّه بالبهائم لأنّه مرعى لها.

قال النبي ﷺ: إذا أتي أحدكم بطعام فليدع من حوله.

قال حكيم: ثلاث في مباكرة الغداء: تطيّب النكهة، وتطفىء المرّة، وتعين على المروءة.

ويروى أن رجلا دخل على الشعبيّ بكرة وبين يديه [ ...] فقال:

ما هذا يا أبا عمرو؟ قال: آخذ حلمي قبل أن أخرج.

- وفي حديث أبي حجيفة قال: أكلت ثريدا ولحما ثم جئت فجلست حيال رسول الله ﷺ وآله وصحبه، فجعلت أتجشّأ، فقال ﵇: أقصر من جشائك! فإنّ أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا في الآخرة. قيل: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى قبضه الله.

- وقيل لسمرة بن جندب: كاد ابنك يموت الليلة! قال: ولم؟

قال: بشم للطعام، قال: لو مات ما صلّيت عليه.

- وقال لقمان لابنه: يا بنيّ، لا تأكلنّ شبعا على شبع، فلأن تنبذه للكلب خير لك.

- وقال ﵊: البطنة مفسدة للقلب.

- وقال أيضا: البطنة تذهب الفطنة.

- وكانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهما شرها حريصا على المطعم أخرجوه من طبقة الجدّ إلى باب الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار والتصغير، وكانوا يقولون: من شره بين يدي الملوك إلى الطعام، كان إلى أموال السّوقة والرعيّة أشدّ شرها.

وحكي أن رجلا من بني هاشم دخل على المنصور فاستجلسه، ودعا بغدائه وقال للفتى: ادنه، فقال: قد تغدّيت، فلما خرج استخفّ به الربيع [ ...] لما قفاه وقال: هذا كان يسلّم وينصرف، فلما استدناه أمير المؤمنين ودعاه إلى طعامه وتبذّل بين يديه، بلغ من جهله بفضيلة المنزلة أن قال: قد تغدّيت، وإذا ليس عنده لمن تغدّى مع أمير المؤمنين إلا سدّ خلّة الجوع.

وذكر أنّ عمرو بن العاص دخل على معاوية وهو يتغدّى، فقال:

هلمّ يا عمرو، قال: هنيئا يا أمير المؤمنين، أكلت آنفا، فقال معاوية: أما علمت أنّ من شراهة المرء أن لا يدع في بطنه فضلا؟ قال: قد فعلت، قال: ويحك، فتركته لمن هو أوجب عليك حقّا من أمير المؤمنين! قال: لا ولكن لمن لا يعذر عذر أمير المؤمنين. قال: فلا أراك إلا قد ضيّعت حقّا لحقّ لعلّك لا تدركه، فقال عمرو: ما لقيت منك يا معاوية! ثم دنا فأكل.

- وفي حديث آخر أن عبد الملك بن مروان دعا رجلا إلى الغداء، فقال:

ليس بي هواء، فقال: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يكون فيه مستزاد! فقال:

عندي مستزاد، وإنّما أكره أن أصير إلى ما استقبحه أمير المؤمنين.

- وفي حديث أسماء بنت زيد قالت: دخلنا على النبيّ ﷺ، فأتي بطعام، فعرض علينا، فقلنا: ما نشتهي، قال: لا تجمعن [جوعا] وكذبا.

- قيل: الأكل ثلاثة: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالأدب.

حضر أبو الهذيل على مائدة المعتصم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله لا يستحي من الحقّ؛ غلامي وحماري بالباب. فقال المعتصم لإيتاخ الحاجب: مر لحمار أبي الهذيل بعلف ولغلامه بطعام. فقال أحمد بن أبي دواد: ألا ترى يا أمير المؤمنين إلى متانة دين هذا الشيخ وتفقّده لما يلزمه؟ لم يمنعه جلالة مجلسك عمّا يجب لله عليه في حماره وغلامه، فجعل أحمد ما قدّره الناس محوجا إلى الاعتذار منه شهادة له بالفضل.

قال المأمون: ثنتان لا [تحسنان] على موائد الملوك: نكت المخّ، وكثرة أكل البقل.

حثّ رجل رجلا على الأكل من طعامه قال: عليك [تقريب] الطعام، وعلينا تأديب الأجسام.

- قيل لحكيم: أيّ الأوقات أحمد للأكل؟ قال: أمّا من قدر فإذا اشتهى، وأمّا من لم يقدر فإذا وجد.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.