تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الثاني الاقتصاد في المطاعم والعفّة عنها

قال الله ﷿ وقوله الصّدق وإذنه الحقّ: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

(الأعراف:).

- وفي الحديث أن النبيّ ﷺ قال: «من زاره أخوه المسلم فقرّب إليه ما تيسّر غفر له وجعل في طعامه البركة، ومن قرّب إليه ما تيسّر فاستحقر ذلك كان في مقت الله حتى يخرج».

- وقالت عائشة: أولم النبيّ ﷺ على بعض نسائه بمدّين من شعير.

- وقال أنس: أولم النبيّ ﷺ على صفية بتمر وسويق.

- وقيل كان عيسى بن مريم ﵇ يقول: اعملوا ولا تعملوا لبطونكم. وإيّاكم وفضول الدنيا، فإنّ فضولها رجز. هذه طير السماء تغدو وتروح وليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرثوا والله يرزقها.

قال السائب بن زيد: ربّما تعشّيت عند عمر بن الخطاب، فيأكل الخبز واللّحم، ثم يمسح يده على قدميه ويقول: هذا منديل عمر بن الخطّاب.

- وروي أنّ علي بن أبي طالب ﵇ كان يفطر ليلة عند

الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على ليلتين أو ثلاث. قيل له: إنّما هي أيام قلائل، فقال: يأتي أمر الله وأنا خميص. فقتل من ليلته.

- قال رسول الله ﷺ: «إنّما أخشى عليكم شهوات بطونكم ومضلات الهوى». وفي خبر آخر: «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطون والفروج، والغفلة بعد المعرفة».

- وقال ﷺ: «ما ملأ آدميّ وعاء أنتن من البطن، بحسب المرء من طعمه ما أقام صلبه، أما إذا أبيت، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس».

- وقال ﷺ: «من قلّ طعمه، صحّ بدنه، وصفا قلبه، ومن كثر طعمه، سقم جسمه، وقسا قلبه».

- وقال ابن عباس: سمعت سلمان الفارسيّ- وأكره على طعام- قال: حسبي؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا، أكثرهم [جوعا] في الآخرة. يا سلمان، إنّما الدنيا جنّة الكافر، وسجن المؤمن».

وكان ﷺ يقول: «استعيذوا بالله من نفس لا تشبع».

[ أ- وقال ﷺ: «ما زيّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه».

- قال حاتم:

أبيت خميص البطن مضطمر الحشامن الجوع أخشى الذّمّ أن أتضلّعا
فإنّك إن أعطيت بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا

- وقال دريد بن الصّمّة في تأبين أخيه:

تراه خميص البطن والزاد حاضرعتيد، ويغدو في القميص المقدّد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

- قدم هشام بن عبد الملك المدينة، فأراد سالم بن عبد الله بن عمر الدّخول عليه، فاستعار عمامة فاعتمّ بها، ودخل فسلّم عليه، فقال له هشام: يا أبا عمر، أرى عمامتك لا تشاكل الثياب! قال: أجل، لأنا استعرناها، قال: ما طعامك؟ قال: الخبز والزّيت، قال: أما تأجمهما؟ قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما. فخرج سالم وهشام يقول: ما رأيت منذ سبعين سنة أجود من كدنته! فحمّ سالم فقال: أما ترون! لقعني بعينه، فما خرج هشام من المدينة حتى صلّي على سالم.

- وقال قتيبة بن مسلم: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد ابن زرارة، فقال قل له: قد كان في قومك دماء وجراح، وقد أحبّوا أن تحضر المسجد، فأتيته فقال: يا جارية، غدّيني، فجاءت بأرغفة خشن فثردتهن في مريس ثم برقتهن، فأكل، فجعل شأنه يصغر في عيني، ثم مسح يده وقال: الحمد لله، حنطة الأهواز، وتمر الفرات، وزيت الشام، ثم أخذ نعليه وارتدى، فانطلق معي إلى المسجد، فصلّى ركعتين ثم احتبى، فما رأته حلقة إلا تقوّضت إليه، فاجتمع الطالبون والمطلوبون فأكثروا الكلام، فقال: إلى ما صار أمرهم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من الإبل، قال: هي عليّ، ثم قام.

- قال أبو عبيدة: لمّا أمر قيس بن زهير قومه أن يرجعوا إلى قومهم قال: لا تنظر في وجهي قيسيّة أبدا، ولحق بعمان، فمكث ستّة أيام لا يطعم طعاما ولا يسأل أحدا. فلما كان في الليلة الثامنة شبّت له نار فأتاها، فلما قرب منها إذا قوم على خبزة لهم، فأنف وكرّ راجعا، ثم أدركه أمر، فأقبل إليهم.

ففعل ذلك مرارا يأبى له الأنف أن يسألهم، ثم هبط واديا قريبا من القوم، فأكل من نبت الأرض ثم أتى شجرة فأدم بأصلها حتى مات.

- قال أحمد بن عليّ الأنصاريّ: رأيت مجنونا ببغداد وهو على باب دار فيها صنيع، والناس يدخلون، وكنت ممّن دعي، فقلت: ألا تدخل فتأكل، فإنّ الطعام كثير؟ فقال: وإن كثر فإني ممنوع عنه. قلت: كيف والباب مفتوح ولا مانع من الدخول؟ قال: آكل طعاما لم أدع إليه؟! لقد اضطرني إلى ذلك غير الجوع، قلت: وما هو؟ قال: دناءة النّفس، وسوء الغريزة.

- قال الشاعر:

وإني لعفّ عن مطاعم جمّةإذا زيّن الفحشاء للنفس جوعها

- وقال آخر:

وأعرض عن مطاعم قد أراهافأتركها وفي بطني انطواء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وأعرض عن مطاعم قد أراها»

- كان أبو تراب النّخشبيّ يقول: الفقير قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومنزله حيث حلّ.

- وقال يحيى بن معاذ الرازيّ: الزهد ثلاثة أشياء: القلّة، والخلوة،

والجوع. وكان يقول: جوع التوابين تجربة، وجوع الزاهدين سياسة، وجوع الصدّيقين تكرمة.

- قال حاتم الأصمّ: ما من صباح إلا والشيطان يقول: ما تأكل؟

وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.

- قال عامر بن قيس يوما: أتاني الشيطان فقال لي: ما في يدك؟

فقلت: ما يكفيني اليوم، قال: فغدا؟ قلت: أموت، فخصمته.

- وقال الجنيد: مرّ بي الحارث بن أسد المحاسبيّ، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عمّ، تدخل الدار وتتناول شيئا؟ وقدّمت إليه طعاما حمل إليّ من عرس، فأخذ لقمة ونهض، فألقاها في الدهليز ومضى. فالتقيت به بعد أيّام فقلت له في ذلك، فقال: كنت جائعا، وأردت أن أسرّك بأكلي وأحفظ قلبك، ولكن بيني وبين الله علامة: أن لا يسوّغني طعاما فيه شبهة، فمن أين كان ذلك الطعام؟ فأخبرته، ثم قلت له: تدخل اليوم؟ قال: نعم. فقدّمت إليه كسرا كانت لنا، فأكل وقال: إذا قدّمت إلى فقير شيئا، فقدّم مثل هذا.

قال المنتجع بن نبهان: سألت بعض أهل اليمامة: كيف ضبطتم القرى؟ فقال: لا نتكلّف ما ليس عندنا.

وكان صفوان بن محرز يقول: إذا أتيت أهلي، فقرّبوا إليّ رغيفا فأكلته وشربت عليه من الماء، فعلى الدنيا العفاء.

ويقال: المروءة أن لا تدّخر ولا تعتذر.

- وروي أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية وأصحابه يوم الحكمين:

أكثروا لهم الطعام؛ فإنّه والله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا. فلما وجد معاوية ما قاله صحيحا، قال معاوية: إنّ البطنة تأفن الفطنة.

تأفن: أي تنقص، ومنه رجل مأفون وأفين: أي ناقص العقل.

قال الحسن: لقد صحبت أقواما ما كان يأكل أحدهم إلا في ناحية بطنه، ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا: كان يأكل، فإذا قارب شبعه، أمسك [ ...] الفضل والله للمعاد.

»

- قيل لأعرابيّ: ما طعامك؟ قال: الخلّ والزيت، فقيل له: أتصبر عليهما؟ قال: ليتهما يصبران عليّ.

- قال رسول الله ﷺ: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإنّ القلوب تموت كالزّرع إذا كثر عليه الماء».

وقال عيسى ﵇: يا بني إسرائيل، لا تكثروا الأكل، فإنّ من أكثر الأكل أكثر النّوم، ومن أكثر النوم أقلّ الصلاة، ومن أقلّ الصلاة كتب من الغافلين.

وقال الخليل: أثقل ساعاتي عليّ ساعة آكل فيها.

وقال الفضيل: أتخاف أن تجوع؟ لا تخف؛ أنت أهون على الله من ذاك، إنّما كان يجوّع محمّدا ﷺ وأصحابه.

وعنه: خصلتان تقسّيان القلب: كثرة الأكل، وكثرة الكلام.

دخل سفيان بن عيينة على الرشيد وهو يأكل بملعقة، فقال: حدّثت عن جدّك ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ

(الاسراء:)، قال: جعلنا لهم أيديا يأكلون بها. فكسر الملعقة.

- دخل عمر ﵁ على عاصم بن عمر وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، قال: ويحك، قرمت إلى شيء فأكلته! كفى بالمرء شرها أن يأكل كلّ ما يشتهي! أ-[قال ابن دريد: العرب] تعيّر بكثرة الأكل، وأنشد:

[لست] بأكّال كأكل العبدولا بنوّام كنوم الفهد

- بعض بني نهد:

إذا لم أزر إلا لآكل أكلةفلا رفعت كفّي إليّ طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمةولا جوعة إن جعتها بغرام

- في الحديث: من داوم على اللحم أربعين يوما، قسا قلبه، ومن تركه أربعين يوما، ساء خلقه.

قال أنس: ما رأى رسول الله ﷺ رغيفا محوّرا حتى لقي الله.

وقال أيضا: أكل رسول الله ﷺ بشعا، ولبس خشنا: لبس الصوف، واحتذى المخصوف.

قيل للحسن: [ ...] خبز الشعير ما كان رسول الله ﷺ [ ...] إلا بجرعة من ماء.

-[قال] عمر ﵁: ما اجتمع عند رسول الله ﷺ أدمان إلا أكل أحدهما، وتصدّق بالآخر.

- وقال أبو سليمان الداراني: خير ما أكون، إذا لزق بطني بظهري؛ أجوع الجوعة، فأخرج فتزحمني المرأة فما ألتفت إليها، وأشبع الشّبعة، فأخرج فأرى عينيّ تطمحان.

وقال أيضا: من صدق في ترك الشهوة، كفي مؤنتها؛ الله أكرم من أن يعذّب قلبا بها وقد تركها له.

قيل لابن عمر: أنجعل لك جوارشا؟ قال: وما الجوارش؟ قيل:

شيء تأكله يهضم طعامك، قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذلك أنّي لا أجد، وأنّي لا أجوع، ولكن شهدت أقواما كانوا يجوعون أكثر مما يشبعون.

سمرة بن جندب رفعه: من تعوّد كثرة الطعام والشراب، قسا قلبه.

- كان يقال: مدمن اللحم كمد من الخمر.

- وقال عمر ﵁: إيّاكم وهذه المجازر، فإنّ لها ضراوة الخمر.

والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.