تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الثالث في النهمة والجشع وأخبار الأكلة

قد نسب ذلك إلى جماعة من الأكابر وذوي الهمم والأخطار آفة اعترضت فضائلهم، واتّباع للشّهوات قد استولى على عقولهم.

روي أنّ معاوية بن أبي سفيان كان نهما جشعا بخيلا على الطعام.

- وروي أنّه قال لأعرابيّ يؤاكله: إرفع الشّعرة من لقمتك، فقال:

وإنّك لتلحظ الشّعرة في لقمتي!؟ والله لا أكلت معك طعاما.

- وروي أنّه أصلح له عجل مشوي، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فراني، وجديا حارّا، وجديا باردا سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلاء الرّطب، فأتى عليه.

- وقيل إنه كان يأكل كلّ يوم أربع أكلات، آخرهنّ أشدّهنّ وأفضلهنّ، ثم يقول: يا غلام، إرفع، فو الله ما شبعت، ولكن مللت.

وقد ذكرت عنه في ذلك أخبار مستهجنة، ألفيتها يخالفها المأثور من حلمه وهمّته. وإنّ امرءا سمت همّته إلى مناوأة علي بن أبي طالب ﵁ ومغالبته على الخلافة مع تباعد استحقاقه منها، لبعيد أن يبخل على طعام، ويحامي دون أكله، ويبذل البذول لرفع الأيدي عنه كما رووا أنه كان يفعل.

- وكان عبيد الله بن زياد من الأكلة. كان يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جبنة بعسل، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ من الطعام عناق أو جدي فيأتي عليه وحده.

- ومنهم الحجّاج: قال [سلم بن] قتيبة: كنت في دار الحجّاج مع ولده وأنا غلام، فقالوا: قد جاء الأمير، فدخل الحجّاج، فأمر بتنّور فنصب، وقعد في الدار، وأمر رجلا يخبز خبز الماء؛ ودعا بسمك فجعلوا يأتونه بالسّمك فيأكله حتى أكل ثمانين جاما من سمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.

- ومنهم سليمان بن عبد الملك، وهو أشهرهم بالجشع. روي أنّه شوي له أربعة وثمانون خروفا، فمدّ يده إلى كلّ واحد منها فأخذ شحم كليته، وأخذ معه نصف بطنه مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدّم الطعام، فأكل أكل من لم يذق شيئا.

- وقال بعضهم: دخلت مطبخ سليمان، فوجدت فيه اثنتين وثمانين فخّارة فيها نواهض، قالوا: فأكلها أمير المؤمنين كلّها.

- وروي أنّه أكل عند يزيد بن المهلّب أربعين دجاجة كردناك سوى ما أكل من الطعام.

- وقال الشّمردل وكيل [آل] عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز إليّ، فجاء حتى ألقى صدره على

غصن، ثم قال: يا شمردل، أما عندك شيء تطعمني؟ قلت: عندي جدي كانت تغدو عليه حافل وتروح أخرى، قال: عجّل به، فأتيته به كأنّه عكّة سمن، فجعل يأكل وهو لا [يدعو عمر] حتى إذا أبقى منه فخذا قال: يا أبا حفص، هلمّ، قال:

إني صائم، فأتى عليه، ثم قال: يا شمردل، ويلك أما عندك شيء؟ قلت:

دجاجات ستّ كأنّهن رئلان النّعام. فأتيته بهنّ، فأتى عليهنّ، ثم قال: ويلك يا شمردل، أما عندك شيء؟ قلت: سويق كأنّه قراضة الذهب، فأتيته بعسّ يغيب فيه الرأس فجعل يشربه، فلما فرغ تجشّأ كأنه صارخ في جبّ، ثم قال: يا غلام، أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: نيّف وثمانون قدرا، قال:

فائتني بقدر قدر وبقناع عليه رقاق، فأكل من كلّ قدر ثلاث لقم، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، وأذن للناس، فوضعت الخون وقعد يأكل مع الناس.

- قال الأصمعيّ: حدّثت الرشيد أنّ سليمان بن عبد الملك كان يؤتى بالسّفود عليه دجاج سمين مشوي، فلا ينتظر أن ينزع من السّفّود، ولا يلتمس منديلا يؤتى به، فيأخذه بكمّه، فيأكل واحدة واحدة حتى يأتي عليه، فقال الرشيد: ويحك يا أصمعيّ، ما أعلمك بأخبار الناس! فإني اعترضت جباب سليمان، فوجدت فيها آثار الدّهن، فظننته طيبا حتى حدّثتني. وأمر لي بجبّة منها.

- ويحكى أنّ سبب موته أنّه أتي بقصعتين عظيمتين من بيض مصلوق وتين فكان [يجمع] بين بيضة وتينة حتى أتى عليها.

- وروي أنّ بلال بن أبي بردة ذبح تيسا ضخما وسلخه، وجعل يضع اللّحم على النار قطعة قطعة ويأكلها حتى لم يبق إلا العظام، ثم جاءت

خبازته ببرمة عليها قصعة فيها ناهضان ودجاجتان وأرغفة، فأكل ذلك كلّه.

- وكان عمرو بن معدي كرب يأكل عنزا رباعية، وفرقا من ذرة.

والفرق: ثلاثة أصوع. وروي أنه أكل ذلك، ثم أكل بعده كبشا مطبوخا. وأنّ امرأته طبخت له كبشا وجعلت توقد، ويأخذ عضوا عضوا فيأكله، فاطّلعت واذا ليس في القدر غير المرق.

وقيل لسيفويه القاصّ: من أفضل الشّهداء؟ قال: من مات من التّخمة، ودفن على الهيضة.

- قيل لسمرقنديّ: ما حدّ الشّبع؟ فقال: إذا جحظت عيناك، وبكم لسانك، وثقلت حركتك، وارجحنّ بدنك، وزال عقلك، فأنت في أوّل الشّبع. قيل: فإذا كان هذا أوّله، فما آخره؟ قال: أن تنشقّ نصفين.

- وسئل طفيليّ عن حدّه، فقال: أن يؤكل على أنّه آخر الزاد، فيؤتى على الدّقّ والجلّ.

- وسئل مدنيّ عن حدّه، فقال: أن يأكل حتى يدنو من الموت.

- وسئل آخر عنه، فقال: لا أعلم، إلا أنّ الجوع عذاب، والأكل رحمة. وإنّ الرحمة كلّما كثرت كان العبد إلى الله أقرب، والله عن العبد أرضى.

- وقال آخر: من احتمى فهو على يقين من المكروه، وشكّ من العافية.

- وقال نهم: عصعص عنز خير من قدر باقلاء.

- وقيل لآخر: لم تأكل بخمس أصابع؟ فقال: ولي أكثر منها!؟

- وقال بعضهم: كنت أمرّ في أزقّة بغداد إذ صيح: الطريق، الطريق، فالتفتّ فإذا أنا برجل محمول، فقلت: ما أصابه؟ فقيل: أكل الهريسة، فأعجزته عن المشي والحركة، فنحن نحمله إلى منزله.

- وقال اليعفوريّ: [أشتهي] أن آكل من العنب الرازقيّ حتى ينشقّ بطني، فقيل له: أو تشبع، قال: هذا ما لا يكون.

- وقيل لآخر: كيف أكلك؟ قال: كما لا يحبّه البخيل.

- وقال بعضهم: أتاني رجل عشيّا، فطلب تمرا، فأمرت بإحضار شيء منه كثير جدّا، فابتدأ يأكل، ونمت، فلما أصبحت وخرجت فإذا هو يأكل، فقلت: باكرت التّمر؟ قال: لم أنم بعد، فديتك! أنا آكل منذ رأيتني.

- ومن المشهورين بالأكل هلال بن الأسعر المازني.

قال المعتمر بن سليمان: قلت له: ما أكلة بلغتني عنك؟ قال: جعت مرّة ومعي بعير لي، فنحرته، وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري، فلما كان الليل راودت أمة لي، فلم أصل إليها، فقالت: كيف تصل إليّ، وبيننا جمل!؟

فقلت له: كم بلّغتك تلك الأكلة؟ قال: أربعة أيام. وكان يضع على فيه، ويصب النّبيذ واللبن. وكان غليظا عبلا شديدا أيّدا.

وقال له رجل: ما هذه الكدنة؟ قال: عنوان الخصب.

- وقال بعضهم: أتانا هلال بن الأسعر، فأكل جميع ما كان في بيتنا،

وبعثنا إلى الجيران نستقرض الخبز، فلما رأى الخبز قد اختلف عليه، قال: كأنّكم قد أرسلتم إلى الجيران؟ أما عند كم سويق؟ قلنا: بلى، فجئته بجراب في طولي، وبرنية فيها نبيذ، فجعل يصبّ النّبيذ على السويق حتى أكل ما في الجراب.

- وروي أنه جلس على زورق فيه تمر، فاستأذن صاحبه في أن يأكل منه، فظنّه يأكل كالناس، فغطّى التمر بالبواري وأكل، وجعل يلقي النّوى فيه إلى أن أتى على التمر، وكشف الزورق فإذا هو ملآن من النوى، ولا تمر فيه.

- ومنهم محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس. ذكر الجاحظ أنّه أكل يوما جنبي بكر شواء بعد طعام كثير، ومائة تمرة من تمر الهيرون بما حملت من الزّبد ومائة نباجة.

روي أنّ الواثق كان أكولا، وأنّه أمر باتّخاذ بزماورد، وأن يفرش في صحن واسع على أنطاع، فلمّا قعد لأكله، أكل منه مساحة قفيزين.

- ومن المشهورين بالنّهم أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون.

وكان المأمون إذا وجّهه في حاجة أمره أن يتغدّى ويمضي.

- ورفع إلى المأمون في المظالم: إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبي خالد نزلا؛ فإنّ فيه كلبيّة، لأنّ الكلب يحرس المنزل بالكسرة، وابن أبي خالد يقتل المظلوم ويعين الظالم بأكلة. فأجرى عليه المأمون في كلّ يوم ألف

درهم لمائدته، وكان مع ذلك يشره إلى طعام الناس.

- ولمّا انصرف دينار بن عبد الله من الجبل، قال المأمون لأحمد بن أبي خالد: امض إلى هذا الرجل وحاسبه، وتقدّم إليه بحمل ما تحصّل لنا عليه.

وأنفذ معه خادما [ينهي إليه] ما يكون منه، قال: إن أكل أحمد عند دينار، عاد إلينا بما نكره. ولمّا اتّصل خبر أحمد بدينار، قال للطباخ: إنّ أحمد أشره من نفخ فيه الروح، فإذا رأيته فقل: ما الذي تأمر أن يتّخذ لك؟ ففعل الطبّاخ، فقال أحمد: فراريج كسكريّة بماء الرمّان، تقدّم مع خبز الماء السميد، ثم هات بعد ذلك ما شئت. فابتدأ الطبّاخ بما أمر. وأخذ أحمد يكلّم دينارا فقال: يقول لك أمير المؤمنين: إنّ لنا قبلك ما لا قد حبسته علينا: فقال: الذي لكم ثمانية آلاف ألف، قال: فاحملها، قال: نعم. وجاء الطبّاخ فاستأذن في نصب المائدة، فقال أحمد: عجّل بها، فإني أجوع من كلب. فقدّمت وعليها ما اقترح، وقدّم الدجاج وعشرون فرّوجا كسكرية، نصفها بماء الحصرم، ونصفها بماء الرمان. فأكل أكل جائع نهم ما ترك شيئا ممّا قدّم، ثم نقل الحار والبارد فما مرّ لون إلا أثر فيه، فلما فرغ وقدّر الطباخ أنّه قد شبع، لوّح بطيفورية فيها خمس سمكات شبابيط كأنّها سبائك الفضّة، فقال له أحمد: قطع الله يمينك! ألا قدّمت هذا؟ ولكن هاتها، فوضعها بين يديه، فأكل أكل من لم يأكل قبله شيئا، ثم رفعت المائدة وغسلوا أيديهم، وأعاد أحمد الخطاب، فقال دينار:

أليس قد عرّفتك أنّ الباقي لهم عندي سبعة آلاف ألف، فقال: أحسبك اعترفت بأكثر من هذا، قال: ما اعترفت إلا بها، قال: فأت خطّك بما اعترفت، فتناول القلم وكتب بستّة آلاف ألف. فقال أحمد: سبحان الله! أليس اعترفت بأكثر من هذا؟ قال: ما لكم قبلي إلا هذا المقدار. فأخذ خطّه بها، وتقدّم الخادم فأخبر المأمون بما جرى، فلما ورد أحمد ناوله الخطّ، فقال: قد عرفنا ما كان من

الألف ألف بتناول الغداء، فما بال الألف ألف الأخرى؟

وكان المأمون بعد ذلك يقول: ما أعلم غداء قام على أحد بألفي ألف إلا غداء دينار. واقتصر الخطّ ولم يتعقّبه كرما ونبلا.

- ومنهم أبو العالية. حملت امرأته فحلفت إن ولدت غلاما لتشبعن أبا العالية خبيصا، فولدت غلاما فأطعمته، فأكل سبع جفان، فقيل له: إنها حلفت أن تشبعك خبيصا، فقال: والله لو علمت ما شبعت إلى الليل.

- ومنهم أبو الحسن بن العلاف، وهو ابن أبي بكر بن العلاف الشاعر المعروف. دخل إلى المهلبيّ الوزير يوما، فأنفذ الوزير من أخذ حماره الذي كان يركبه من غلامه وأدخله إلى المطبخ، وذبح وطبخ لحمه بماء وملح، وقدّم إليه، فظنّ أنّه لحم بقر فأكله، فلمّا خرج وطلب الحمار قيل: قد أكلته، وعوّضه الوزير عنه ووصله.

- قدّم إلى بعضهم، وهو يأكل مع جماعة، بقيلة فمدّ يده إلى البيضة وقال: إنّه لا يأكلها إلا شره، ولا يتركها إلا عاجز. ولأن أكون شرها أحبّ إليّ من أن أكون عاجزا.

- وقال: كان بعضهم إذا قدّم الخوان أوّل من يتقدّم ثم يقول:

وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى

(طه:).

- وقيل لآخر: لم أنت حائل اللون؟ قال: للفترة بين القصعتين مخافة أن يكون قد فني الطعام.

- سئل الحارثيّ عن الأسواريّ فقال: ما ظنّكم برجل نهش بضعة

لحم، فاقتلع ضرسه وهو لا يعلم، وكان إذا أكل ذهب عقله ولم يسمع ولم يبصر، وكان يأكل التمر سفّا، ويزدرده زردا، وإذا وجده كثيرا تناول القطعة منه كجمجمة [الثور] ثم كدمها ونهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها، ثم لا تقع عضّته إلا على الأنصاف والأثلاث، ولا رمى بنواة قطّ، ولا نزع قمعا، ولا نفى عنه قشرا، ولا نفض منه السّوس ولا غيره.

- قال الأصمعيّ: دخلت يوما على الرشيد، فأتي بفالوذج مفرط الحرارة، فقلت: أحدّثك يا أمير المؤمنين بحديث إلى أن يفتر، فقال: هات، قلت: كان مزرّد أخو الشّمّاخ غلاما شرها جشعا، وكانت أمّه تؤثر عليه إحوته في الطعام، فغابت يوما في بعض الحقوق وخلّفت مزرّدا في الرّحل، فأخذ صاعا من عجوة، وصاعا من سمن، وصاعا من دقيق. فضرب بعضه ببعض وجعل يأكل ويقول:

ولمّا غدت أمّي تزور بناتهاأغرت على العكم الذي كان يمنع
لبكت بصاعي حنطة صاع عجوةإلى صاع سمن فوقه يتريّع
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
وقلت لبطني ابشر اليوم إنّهقرى أمّنا ممّا تحوز وتمنع
فإن كنت مصفورا فهذا دواؤهوإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع

فضحك الرشيد وقال: يا أصمعي، كل باسم الله، هذا يوم تشبع.

قال الناجم: دعا قوم أبا عثمان الجاحظ، فلما قرّبت المائدة قال:

[إني صائم]. فبينما هم يأكلون إذ قرّب على المائدة جدي شهيّ، فلمّا رآه، حسر عن ذراعيه وازدلف إليه، فقيل له: ألم تكن صائما؟ فقال: الأيام أكثر من الجداء.

- قال أحمد بن بشير: دخلت يوما المسجد وإذا فيه رقبة بن مصقلة

العبديّ يتقلّب، فقلت له: ما شأنك؟ فقال: أنا قتيل [البنّي] والفالوذج.

قال أحمد بن أبي خالد يوما: السميدة الحارّة تزيد في العمر، فقيل له:

وهل يزيد في العمر شيء؟ قال: نعم، طعام أمير المؤمنين يزيد في العمر بلا مرية ولا خلاف. فبلغ ذلك المأمون فأحضره وقال: يا أحمد، إنّ طعامي يزيد في العمر؟

قال: أي والله، ولقد قرأت في مولدي أني أموت وقت كذا، فلما بلغته تأهبّت للموت وتوقّعته، فاعتللت ولم أشكّ أنّ منيّتي قد أتتني. فكان سبب برئي سميدة حملت إليّ من مطبخ أمير المؤمنين، فأكلتها فكأنّما أنشطت من عقال. فضحك المأمون وقال: لقد استحوذ عليك شيطان مريد فأغراك بالأكل.

قال الحجّاج يوما لجلسائه: أيّ صوت سمعه أحدكم أحسن؟ فقال بعضهم: صوت قارىء حسن التلاوة لكتاب الله في جوف الليل. قال: إنّ ذلك لحسن. قال آخر، أصلح الله الأمير، ما سمعت صوتا أعجب إليّ من أني كنت تركت المرأة ماخضا، وخرجت إلى المجلس، فأتاني آت فقال: أبشر بغلام! فقال الحجّاج: يا حسناه! قال آخر: أصلح الله الأمير، ما سمعت صوتا أحسن في سمعي من أني كنت قائد جيش، فسرّحت الخيل في نحر العداة، فجاء جاء فقال: أبشر بالفتح. فقال شعبة بن علقمة التميميّ: لا والله ما سمعت قطّ أعجب إليّ من أن أكون جائعا مع قوم جياع، فأسمع قعقعة الخوان خلف ظهري. فضحك الحجّاج وقال: أبيتم يا بني تميم إلا حبّ الزاد.

- وبنو تميم يذمّون بالجشع، وسبب ذلك أنّ عمرو بن هند [قتل] أخوه وهو طفل في حجر زرارة بن عدس، فآلى ليقتلنّ من بني دارم مائة وليحرقنّهم بالنار، فأعوزه واحد من المائة، وإذا راكب من البراجم قد أقبل حين

شمّ القتار، فلمّا رآه قال له: ممّن أنت؟ قال: من البراجم، قال: ما جاء بك؟ قال:

شممت القتار فظننته طعاما، فقال: إنّ الشقيّ راكب البراجم، وألقاه في النار.

- ولمّا أمر كسرى بقتل بني تميم لأخذهم اللطيمة، خدعهم هوذة بن عليّ الحنفيّ بالطعام، وقال: إنّ الملك أمر أن يفرّق فيهم الزاد، فاجتمعوا، فكان يدخل الرجل منهم إلى المشقّر- وهو حصن باليمامة- بحجّة الزاد فيقتله، إلى أن قتل منهم عددا، وفطن أحد الباقين. وهو خبر مذكور مشهور يذكر في أخبار العرب. وهجوهم بذاك ورد في الهجاء.

وصف لسابور ذي الأكتاف رجل من إصطخر أمضى القضاة، فاستقدمه فدعاه إلى الطعام، فأخذ دجاجة فنصفها، ووضع نصفها بين يديه، وأتى عليه قبل فراغ الملك، فصرفه إلى بلده وقال: إنّ سلفنا كانوا يقولون: من شره إلى طعام الملوك، كان إلى مال الرعايا والسّوقة أشره.

شاعر يصف أكولا جشعا:

يلقم لقما ويفدّي زادهيرمي بأمثال القطا فؤاده

وصف بعض أهل الشام الأكل فقال: إذا أكلت فانزل على ركبتيك، وافتح فاك، واجحظ عينيك، وافرج أصابعك، وأعظم لقمتك، واحتسب نفسك.

- أكل أبو الأسود وأقعد معه أعرابيّا فرأى لقما منكرا، فقال: ما اسمك؟ فقال: لقمان، قال: صدق أهلك، أنت لقمان.

- أعرابي:

ألا ليت لي خبزا تسربل رائباوخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.