من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الرابع في التطفّل وأخبار الطّفيليين
- العرب تقول للطفيليّ: الراشن، والراشن.
وقيل: إنّه منسوب إلى طفيل بن زلال الغطفانيّ وكان من أهل الكوفة، يحضر الولائم من غير أن يدعى إليها، فسمّي طفيل العرس.
وقيل: هو مأخوذ من الطّفل وهو الظّلمة، لأنّ الفقير من العرب كان يحضر الطعام الذي لم يدع إليه متستّرا بالظّلمة لئلا يعرف.
وقيل: سمّي بذلك لإظلام أمره على الناس؛ لا يدرى من دعاه.
وقيل: بل من الطّفل لهجومه على الناس كهجوم الليل على النهار، فيكون من الظّلمة. ولذلك قيل: أطفل من ليل على نهار.
- وأشهر من نسب إليه هذا الاسم، وكثرت الحكايات عنه في هذا الشأن بنان الطفيليّ، وهو عبد الله بن عثمان، ويكنى أبا الحسن، [ويكنى بنان] وأصله مروزيّ وأقام ببغداد.
- قال الجاحظ: قال بنان: حفظت القرآن ونسيته جميعه إلا حرفين: آتِنا غَداءَنا
(الكهف:).
- وقيل له: تروي من الشعر شيئا؟ فقال: بيتا واحدا:
نزوركم لا نؤاخذكم بجفوتكمإنّ الكريم إذا لم يستزر زارا
- وقيل لبنان: من دخل إلى طعام لم يدع إليه دخل لصّا وخرج مغيرا. والمعنى أنّه يأكل حراما. فقال: ما آكله إلا حلالا، قيل: كيف؟ قال:
أليس يقول صاحب الوليمة للطبّاخ: زد في كلّ شيء؟ فإذا أراد أن يطعم مائة، قال: قدّر لمائة وعشرين، فإنّه يجيئنا من نريد ومن لا نريد، فأنا ممّن لا يريد.
وكان [يقول] كثرة المضغ تشد العود، وتقوّي الأسنان، وتدبغ اللّثة.
وأوصى بعض أصحابه فقال له: إذا كنت على مائدة فلا تتكلّمنّ في حال أكلك، وإن كلّمك من لا بدّ من جوابه، فلا تجبه إلا بقولك: نعم، فإنّ الكلام يشغل عن الأكل، وقولك نعم مضغه.
واجتمع إلى بنان نفر من أصحابه وأرادوا وليمة، فقال: اللهمّ لا تجعل البوّاب لكّازا في الصدور، دفّاعا في الظّهور، طرّاحا للقلانس. هب لنا رأفته وبشره، وسهّل إذنه. فلما دخلوا، تلقّاهم الخبّاز فقالوا: طلعة مباركة موصول بها الخصب، ومعدوم معها الجدب. فإذا جلسوا على الخوان قال: جعل الله فيك من البركة كعصا موسى، وخوان إبراهيم، ومائدة عيسى. ثم قال لأصحابه: افتحوا أفواهكم، وأقيموا أعناقكم، وأجيدوا اللّقم، وأسرعوا اللفّ، ولا تمضغوا مضغ المتعلّلين الشّباع، واذكروا سوء المنقلب، وخيبة المضطر.
- وقال رجل لبنان: أدع لي، قال: اللهم ارزقه صحّة الجسم، وكثرة الأكل ودوام الشّهوة، ونقاء المعدة، وأمتعه بضرس طحون، ومعدة هضوم، مع السّعة والدّعة والأمن والعافية. وقال: هذه دعوات مغفول عنها.
- ومن المشهورين بالتطفيل عثمان بن درّاج مولى كندة، ويكنّى أبا سعيد، وكان في زمن المأمون، وفيه أدب.
- وقال له مرّة: [أتطفّل على] الرؤوس؟ قال: كيف لي بها؟
قالوا: إنّ فلانا وفلانا قد اشتروها ودخلوا بستان ابن بزيع، فخرج يحضر خوفا من فوتهم فوجدهم قد اشتروها، فاستعبر وتمثّل بقول الرّقاشيّ:
آثار ربع قدماأعيا جوابي صمما
كان لسعدى علمافصار وحشا رمما
- وكان ابن درّاج يغشى سعيد بن عبد الكبير الخطّابيّ، فقال له:
ويحك، إنّي أضنّ بأدبك وبك عمّا أنت عليه من التطفيل، ولي وظيفة راتبة في كلّ يوم، فالزمني وكن مدعوا أصلح لك ممّا تفعل، فقال: يرحمك الله! فأين لذّة الجديد وطيب التنقّل من مكان إلى مكان؟ وأين وظيفتك من احتفال العرس، وألوانك من ألوان الوليمة؟ فقال: أما إذا أبيت هذا، فإذا ضاقت عليك المذاهب فائتني، قال: أمّا هذا فنعم.
قال أبو عليّ بن الزمكدم في أبي إسحاق بن حجر الأنطاكيّ:
جار لنا أطفل من ذبابعلى طعام وعلى شراب
أدور في الموصل من دولابيدخل بالحيلة في الأنقاب
لا يفرق الردّ من البوّابيحمل حملات أبي تراب
- قال طفيليّ لصاحب له: إذا دخلت عرسا فلا تتلفّت تلفّت المريب، وتخيّر المجلس، وأجدّ ثيابك، ولا تأكل الكزمازك [؟] مطويا فإنّه يعديك، كله مشوّشا فإنّه أطوع للأضراس وأسهل في المضغ. وإذا [أكلت] فكل أبدا، فإن متّ متّ شهيدا.
ومن وصيّة أحدهم لصاحبه: إذا دخلت إلى عرس كثير الزّحام، فمر وانه، ويكون كلامك بين النصيحة والإدلال، فإني دخلت يوما إلى وليمة، وقد صنع الطبّاخ بزماورد ليضعه وسط المائدة عند الفراغ من الطعام ليطلب الراشن، فقلت له: استأذنت صاحبنا؟ فقال: وهذا ممّا يستأذن فيه! فقلت: أسكران أنت؟ تريد أن يغرم أحدهم أكثر ممّا أكل، وتنغّض عليه؟ وصاحب الوليمة لا يرضى بهذا. ولولا خوفي لائمته لم آسف عليك بشيء يصير إليك، فقال: هل لك في باب يكفيني [ ...] نصف ما أصبت؟ فقلت: أفعل، ولزمته، وجعلت آكل كلّ شيء أشتهيه، وآمر وأنهى، وهو يظنّ أنّ بيني وبين صاحب الدار حرمة أو قرابة، ثم قاسمته على ما أصاب وخرجت.
وقال شاعر يذكر طفيليّا:
ويعربيّ خالع العذارأطفل من ليل على نهار
أثبت في الدار من الجداريشرب بالكبار والصغار
كأنّه في الدار ربّ دار
- ضمّ عثمان بن درّاج السّفر ورفيقا له، فقال له الرفيق: انهض إلى
السوق فاشتر لنا لحما، فقال: والله ما أقدر، فمضى الرفيق واشترى اللحم، ثم قال لعثمان: قم الآن فاطبخ القدر، قال: والله ما أقدر، فطبخها الرفيق، ثم قال: قم الآن [فاثرد، قال]: والله إنّي لأعجز عن ذلك، فثرد الرفيق، ثم قال:
تعال الآن فكل، فقال: والله لقد استحييت من كثرة خلافي عليك، ولولا ذلك ما فعلت.
وقال طفيلي:
قابل إن جرى عليّ هوانفي سبيل الحلواء والجوذاب
- قال الأصمعيّ: كان بالبصرة أعرابيّ من بني تميم يطفّل على الناس، فعاتبته على ذلك، فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا وضع الطعام إلا ليؤكل، وما قدّمت هديّة فأتوقّع رسولا، وما أكره أن أكون ثقلا ثقيلا على من أراه شحيحا بخيلا، أهجم عليه مستأنسا، وأضحك إن رأيته عابسا، فآكل برغمه، [وأدعه بغمّه]، وما اخترق اللهوات طعام أطيب من طعام لم ينفق فيه درهم، ولم يعنّ إليه خادم.
- أولم طفيليّ على ابنته، فأتاه كلّ طفيليّ في البلد، فلما رآهم عرفهم، فرحّب بهم ثم أدخلهم فرقّاهم إلى غرفة بسلّم، وأخذ السلّم حتى فرغ من إطعام الناس، فلمّا لم يبق أحد أنزلهم وأخرجهم.
- وقال طفيليّ: من جلس على مائدة وأكثر كلامه غشّ بطنه.
- كان نقش خاتم بنان الطّفيليّ: ما لكم لا تأكلون.
- وكان يقول لأصحابه: إذا دخلتم فلا تلتفتوا يمينا ولا شمالا، وانظروا في وجوه أهل المرأة وأهل الرجل حتّى يقدّر هؤلاء أنكم من هؤلاء، وكلّموا البوّاب برفق، فإنّ الرّفق يمن، والخرق شؤم، وعليكم مع [البواب بكلام] بين كلامين، بين الإدلال والنّصيحة.
- نظر طفيليّ إلى قوم ذاهبين في وجه، فلم يشكّ أنّهم يذهبون إلى وليمة. فقام وتبعهم، فإذا هم شعراء قد قصدوا باب السلطان بمدائح لهم. فلما أنشد كلّ واحد منهم شعره وأخذ جائزته، ولم يبق إلا الطفيليّ وهو جالس ساكت، قيل: أنشد، قال: لست بشاعر. قالوا: فمن أنت؟ قال: من الغاوين الذين قال الله تعالى فيهم: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
(الشعراء:).
فضحك الممدوح وأمر له بمثل جائزة الشّعراء.
- دخل طفيليّ إلى قوم، فقالوا: ما دعوناك، فما الذي جاء بك؟
قال: إذا لم تدعوني ولم أجىء، وقعت [وحشة]، فضحكوا وقرّبوه.
ومثل ذلك ما حكي عن [طفيلي] كان يحضر على طبق عميد الدولة أبي منصور بن جهير في شهر رمضان ويضحكه، فأمر له بشيء وحجبه عن الطبق ترفّعا عن الهزل، فتأخّر أياما ثم حضر، فلما رآه قال: ما موجب الحضور بعد ما أمرناك به؟ قال: إذا لم يستحضرني مولانا، ولم أحضر أنا، صارت وحشة، فضحك منه واستمرّ حضوره.
- والطفيليّون يقولون: إنّ المصليّة تبشّر بما بعدها من كثرة الطعام، كما
أنّ البقيلة تخبّر بفنائه، فهم يحمدون تلك ويسمّونها المبشّرة، ويذمّون هذه ويسمّونها الناعية، حتى صار المخنّثون إذا شتموا إنسانا قالوا له: يا وجه البقيلة.
- قال بنان: اذا قعدت يوما على مائدة [وكان] موضعك ضيّقا، فقل للّذي يليك: لعلي قد [ضيقت] عليك، فإنّه يتأخّر إلى خلف ويقول:
سبحان الله! لا والله يا أخي! موضعي واسع، فيتّسع عليك موضع رجل.
- وقال له طفيليّ: أوصني، فقال: لا تصادفنّ من الطعام شيئا فترفع يدك عنه وتقول: لعلّي أصادف ما هو أطيب منه، فإنّ هذا عجز ووهن. قال:
زدني، قال: إذا وجدت خبزا فيه قلّة فكل الحروف، فإن كان كثيرا، فكل الأوساط. قال: زدني، قال: لا تكثر شرب الماء وأنت تأكل، فيصدّك عن الأكل ويمنعك من أن تستوفي. قال: زدني، قال: إذا وجدت الطعام فاجعله زادك إلى [الله].
- كان بالبصرة طفيليّ يقال له أبو سلمة، وكان إذا سمع بذكر وليمة بادر إليها، وتقدّمه ابنان له في زيّ العدول، وبين أيديهم غلام، فإذا أتوا الباب، تقدّم العبد فقال: إفتح، هذا أبو سلمة، ثم يتلوه الآخر ويقول: ما تنتظر؟
ثكلتك أمّك! قد جاء أبو سلمة، ثم يجيء هو فيقول: افتح يا بنيّ، فإن كان جاهلا فتح، وإن كان قد عرف أمره وحذّر منه، قال له: يا أبا سلمة، أنا مأمور. فيجلس وينتظر أن يجيء بعض من دعي، فإذا فتح له شقّ الباب، تقدّم ابناه والعبد وفي كمّ كلّ واحد منهما فهر مدوّر ململم يسمّونه كيسان، فيلقونه في دوّارة الباب فلا ينصفق، فيدخلون.
- قيل لابن درّاج: كيف تصنع بالعرس إذا لم يدخلوك؟ قال: أنوح
على الباب. فيتطيّرون فيدخلوني.
- قال نصر بن عليّ الجهضميّ: كان لي جار طفيلي، فكنت إذا حضرت إملاكا أو دعيت إلى مدعاة ركب معي، وجلس حيث أجلس، فيأكل وينصرف. وكان نظيفا عطرا حسن اللباس والمركب، وكنت لا أعرف من أمره إلا الظاهر. فاتّفق لجعفر بن القاسم الهاشميّ حقّ، فدعا له أشراف البصرة ووجوهها، وهو يومئذ أمير البصرة، فقلت في نفسي: إن تبعني هذا الرجل إلى دار الأمير لأخزينّه. فلما [كان] يوم الحضور، جاءني الرسول فركبت وإذا به قد تبعني حتى دخل بدخولي وارتفع معي حيث أجلست. فلما حضرنا الطعام، قلت: حدّثنا درست بن زياد [عن أبان] بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال:
قال رسول الله ﷺ: من دخل إلى دار قوم بغير إذنهم دخل سارقا وخرج مغيرا، ومن دعي فلم يجب، فقد عصى الله ورسوله. وظننت أني قد أسرفت على الرجل، وقصرت من لسانه. فأقبل عليّ وقال: أعيذك بالله يا أبا عمرو من هذا الكلام في دار الأمير! فإنّ الأشراف لا يحتملون التعريض باللؤم، وقد حظر الدين التعريض وعزّر عليه عمر؛ ووليمة الأمير [دعاء لأهل مصره] فإنّه سليل أهل السقاية والرّفادة والمطعمين الأفضلين الذين هشموا الثريد، وأبرزوا الجفان لمن غدا إليها وراح. ثم لا تتورّع- وأنت في بيت من العلم معروف- من أن تحدّث عن درست بن زياد وهو ضعيف عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث بحكم رفعه إلى النبيّ ﷺ والمسلمون على خلافه؛ لأنّ حكم السارق القطع، والمغير يعزّر على ما يراه الإمام، وهذان حكمان لا ينفذان على داخل دارا في مجمع، فيتناول لقما من فضل الله الذي آتى أهلها، ثم لا يحدث حدثا حتى يخرج عنها، وقد قال النبيّ ﷺ: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين
يكفي الأربعة، حدّثنا بذلك أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبيّ ﷺ، فأين أنت عن هذا الحديث الصحيح الإسناد والمتن؟ قال نصر: فأصابتني خجلة شديدة. ولمّا نظر الرجل إلى ما بي، أكل ونهض قبلي، فلما خرجت وجدته واقفا على دابّته بالباب، فلما رآني، تبعني ولم يكلّمني ولم أكلّمه، إلا أنني سمعته يتمثّل:
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروببأن لا يصاب لقد ظنّ عجزا
- ابن المعتز:
فأطفل حين يخفى من ذبابوألزم حين [تدعى] من قراد
الحمدوني:
أراك الدّهر تطرق كلّ داركأمر الله يطرق كلّ ليله
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع