تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (٤)

سيرين بالبصرة، وهما قد ذهبا مثلاً في التورع، وسلك سبيلهما في ذلك أحمد ابن حنبل وأهل الزهد والورع والتقشف، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.

والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل، ولا يحل لمن وفقه الله تعالى وزهد فيها أن يحرم ما أباح الله تعالى منها، والعجب من أهل زماننا يعيبون الشبهات وهم يستحلون المحرمات، ومثالهم عندي كالذين سألوا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن المحرم يقتل القراد والحلمة، فقال للسائلين له: من أنتم فقالوا: من أهل الكوفة، فقال: تسألونني عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أتاك من غير مسألة فكله وتموّله "، وروي هذا الحديث أيضاً عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما " ما أتاك من غير مسألة فكله وتموّله "، وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ معناه، وفي حديث أحدهما " إنما هو رزق رزقكه الله تعالى "، وفي لفظ بعض الرواة " ولا تردّ على الله رزقه "، وهذا كله مركب مبني على ما أجمعوا عليه، وهو الحق، فمن عرف الشيء المحرم بعينه فإنه لا يحل له، فهذه المسألة من كلام ابن عبد البر، انتهى.

وحضر ابن مجبر مع عدو له جاحد لمعروفه، وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر، فقال له الحسود: إن كنت شاعراً فقل في هذه، فقال ارتجالاً: " سأشكوا إلى الندمان "، إلى آخر الحكاية، وقد تقدمت في رسالة الشقندي رحمه الله تعالى.

[ترجمة ابن مجبر وشعره]

وابن مجبر هو أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحم بن مجبر الفهري،

كان في وقته شاعر المغرب ويشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالاً، وبعدت على قربها منالاً، وشعره كثير يشتمل على أكثر من تسعة آلاف وأربعمائة بيت، واتصل بالأمير أبي عبد الله ابن سعد ابن مردنيش، وله فيه أمداح، وأنشد يوسف بن عبد المؤمن يهنيه بفتح:

إنّ خير الفتوح ما جاء عفواً ... مثل ما يخطب الخطيب ارتجالا وكان أبو العباس الحراوي حاضراً، فقطع عليه لحسادةٍ وجدها، وقال: يا سيدنا اهتدم بيت وضاح:

خير شرابٍ ما كان عفواً ... كأنّه خطبة ارتجال فبدر المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه وسنه قريب العشرين، وقال: إن كان اهتدمه فقد استحقه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسر أبوه بجوابه، وعجب الحاضرون.

ومر المنصور أيام إمرته بأونبة من أرض شلب، فوقف على قبر الحافظ أبي محمد ابن حزم، وقال: عجباً لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم، ثم قال: كل العلماء عيال على ابن حزم، ثم رفع رأسه وقال: كما أن الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجبر.

ومن شعر ابن مجبر يصف خيل المنصور من قصيدة في مدحه:

له حلبة الخيل العتاق كأنّهانشاوى تهاوت تطلب العزف والقصفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
عرائس أغنتها الحجول عن الحلىفلم تبغ خلخالاً ولا التمست وقفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
فمن يققٍ كالطّرس تحسب أنّهوإن جرّدوه في ملاءته التفّا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
وأبلق أعطى الليل نصف إهابهوغار عليه الصّبح فاحتبس النّصفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
ووردٍ تغشّى جلده شفق الدجىفإذ حازه دلّى له الذيل والعرفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
وأشقر مجّ الراح صرفاً أديمهوأصفر لم يمسح بها جلده صرفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
وأشهب فضّيّ الأديم مدنّرٍعليه خطوطٌ غير مفهمةٍ حرفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
كما خطّط الزاهي بمهرق كاتبٍفجرّ عليه ذيله وهو ما جفّا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
تهبّ على الأعداء منها عواصفٌستنسف أرض المشركين بها نسفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
ترى كلّ طرفٍ كالغزال فتمتريأظبياً ترى تحت العجاجة أم طرفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»
وقد كان في البيداء يألف سربهفربّته مهراً وهي تحسبه خشفا
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «له حلبة الخيل العتاق كأنها»

تناوله لفظ الجواد لأنّه ... إذا ما أردت الجري أعطاكه ضعفا ولما اتخذ المنصور مقصورة الجامع بمراكش بدار ملكها، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقر المنصور ووزراؤه بمصلاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء فقال ابن مجبر من قصيدة أولها:

أعلمتني ألقي عصا التسيارفي بلدةٍ ليست بدار قرار إلى أن قال:
طوراً تكون بمن حوته محيطةًفكأنّها سورٌ من الأسوار
وتكون حيناً عنهم مخبوءةًفكأنّها سرٌّ من الأسرار
كأنّها علمت مقادير الورىفتصرفت لهم على مقدار
فإذا أحسّت بالإمام يزورهافي قومه قامت إلى الزوّار
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «أعلمتني ألقي عصا التسيار»
يبدو فتبدو ثمّ تخفى بعدهكتكوّن الهالات للأقمار
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «أعلمتني ألقي عصا التسيار»

وممن روى عنه أبو علي الشلوبين وطبقته، وتوفي بمراكش سنة، وعمره سنة، رحمه الله تعالى.

وقد حكى الشريف الغرناطي شارح المقصورة هذه الحكاية بأتمّ مما ذكرناه، فقال عن الكاتب ابن عياش كاتب يعقوب المنصور الموحدي، قال: كانت لأبي بكر ابن مجبر وفادة على المنصور في كل سنة، فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثها بجامعه المتصل بقصره المتصل بقصره في حضرة مراكش، وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله، وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعاراً أنشدوه إياها في ذلك، فلم يزيدوا على شكره، وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره، ولم يكن فيهم من تصدى لوصف الحال حتى قام أبو بكر ابن مجبر فأنشد قصيدته التي أولها " أعلمتني ألقي عصا التسيار " واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها " طوراً تكون - الخ " فطرب المنصور لسماعها، وارتاح لاختراعها، انتهى.

وقد بطلت حركات هذه المقصورة الآن، وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر والف، والله تعالى وارث الأرض ومن عليها.

ومن نظم ابن مجبر أيضاً ما كتب به إلى السلطان ملك المغرب، رحمه الله تعالى، وقد ولد له ابن، أعني لابن مجبر:

ولد العبد الذي إنعامكمطينةٌ أنشئ منها جسده
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «ولد العبد الذي إنعامكم»
وهو دون اسمٍ لعلمي أنّهلا يسمّي العبد إلا سيّده وقوله:
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «ولد العبد الذي إنعامكم»
ملك ترويك منه شيمةٌأنست الظلماء زرق النّطف
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «ملك ترويك منه شيمة»
جمعت من كلّ مجدٍ فحكتلفظةً قد جمّعت من أحرف
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «ملك ترويك منه شيمة»
يعجب السامع من وصفي لهاووراء العجز ما لم أصف
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «ملك ترويك منه شيمة»
لو أعار السهم ما في رأيهمن سداد وهدىً لم يصف
للشاعر أبو بكر بن مجبر، من قصيدة «ملك ترويك منه شيمة»
حلمه الرّاجح ميزان الهدىيزن الأشياء وزن المنصف وقال ابن خفاجة:
صحّ الهوى منك ولكنّنيأعجب من بينٍ لنا يقدر
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «صح الهوى منك ولكنني»

كأنّنا في فلكٍ دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر وهما الغاية في معناهما، كما قاله ابن ظافر، رحمه الله تعالى.

وقال الأعمى التطيلي:

أما اشتفت منّي الأيام في وطنيحتى تضايق فيما عزّ من وطري
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة

فلا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما طلّ في الشّعر وقال القاضي أبو حفص ابن عمر القرطبي:

هم نظروا لواحظها فهامواوتشرب لبّ شاربها المدام
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «هم نظروا لواحظها فهاموا»
يخاف الناس مقلتها سواهاأيذعر قلب حامله الحسام
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «هم نظروا لواحظها فهاموا»
سما طرفي إليها وهو باكٍوتحت الشمس ينسكب الغمام
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «هم نظروا لواحظها فهاموا»
وأذكر قدّها فأنوح وجداًعلى الأغصان تنتدب الحمام
للشاعر أبو حفص السلمي، اقرأ القصيدة
فأعقب بينها في الصدر غمّاًإذا غربت ذكاء أتى الظلام وقال الحاجب عبد الكريم ابن مغيث:
طارت بنا الخيل ومن فوقهاشهب بزاةٍ لحمام الحمام
كأنّما الأيدي قسيٌّ لهاوالطير أهدافٌ وهنّ السهام وقال أخوه أحمد:
اشرب على البستان من كفّ منيسقيه من فيه وأحداقه
وانظر إلى الأيكة في بردهولاحظ البدر بأطواقه

وقد بدا السّرو على نهره ... كخائضٍ شمّر عن ساقه وقال أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن أمية البلنسي:

إذا كان ودّي وهو أنفس قربةٍيجازى ببغضٍ فالقطيعة أحزم
ومن أضيع الأشياء ودٌّ صرفتهإلى غير من تحظى لديه وتكرم [حكايات في البديهة والارتجال]

ومن حكايات أهل الأندلس في خلع العذار والطرب والظرف وغير ذلك كسرعة الارتجال ما حكاه صاحب " بدائع البدائه " قال: أخبرني من أثق به بما هذا معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد ابن زيدون ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرة لبني عباد لموضع يقال له الفنت تحف بها مروجٌ مشرقة الأنوار، متنسمة الأنجاد والأغوار، متبسمة عن ثغور النوّار في زمان ربيع سقت الأرض السحب فيه

بوسميها ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليتها، وأرداف الربى قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النوار قلائده حول لباتها، ومجامر الزهر تعطر أردية النسائم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري على مداهن النضار، ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد للهو والطرب، والتنزه في روضي النبات والأدب، وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم، ليأتيهم بنبيذ يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا لانتظاره، وترقب عوده على آثاره، فلما بصروا به مقبلاً من أول الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه، واتفق أن فارساً من الجند ركض فرسه فصدمه ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل النبيذ الذي كان معه، وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضاً حتى خفي عن العين، خائفاً من متعلقٍ به يحين بتعلقه الحين، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأفاضوا في ذكر الزمان وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات، على تمام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون:

أنلهو والحتوف بنا مطيفهونأمن والمنون لنا مخيفه فقال ابن خلدون:
وفي يومٍ وما أدراك يومٌمضى قمعالنا ومضى خليفه

فقال ابن عمار:

هما فخّارتا راحٍ وروحٍتكسرتا فأشقافٌ وجيفه انتهى

وذكر ابن بسام ما معناه أن أبا عامر ابن شهيد حضر ليلة عند الحاجب أبي عامر المظفر ابن المنصور ابن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة عجيبة صغيرة الخلق، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أ، هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلتها على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالاً:

أفدي أسيماء من نديمٍملازمٍ للكؤوس راتب
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
قد عجبوا في السّهاد منهاوهي لعمري من العجائب
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

قالوا: تجافى الرقاد عنها ... فقلت: لا ترقد الكواكب وحكى ابن بسام ما معناه أن ابن شهيد المذكور كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجيء بباكورة باقلاّ، فقال ابن ذكوران: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لها، وارتجل:

إنّ لآليك أحدثت صلفافاتّخذت من زمرّدٍ صدفا
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
تسكن ضرّاتها البحور وذيتسكن للحسن روضةً أنفا
للشاعر ابن شُهَيد، من قصيدة «عن لأليك أحدثت صلفا»
هامت بلحف الجبال فاتخذتمن سندسٍ في جنانها لحفا
شبهتها بالثغور من لطفحسبك هذا من بر من لطفا
جاز ابن ذكوان في مكارمهحدود كعبٍ وما به وصفا
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
قدّم درّ الرّياض منتخباًمنه لأفراس مدحه علفا
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
أكلٌ ظريفٌ وطعم ذي أدبٍوالفول يهواه كلّ من ظرفا
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

رخّص فيه شيخٌ له قدرٌ ... فكان حسبي من المنى وكفى وقال ابن بسام: إن جماعة من أصحاب ابن شهيد المذكور قالوا له: يا أبا عامر، إنك لآتٍ بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك، هازٌّ لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا، وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كلت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس بابٌ مخلوع معترض على الأرض ولبد أحمر مبسوط قد صففت خفافهم عند حاشيته، فقال مسرعاً:

وفتيةٍ كالنجوم حسناًكلّهم شاعرٌ نبيل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
متّقد الجانبين ماضٍكأنّه الصارم الصّقيل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
راموا انصرافي عن المعاليوالغرب من دونها كليل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فاشتدّ في إثرها فسيحٌكلّ كثيرٍ له قليل
في مجلس زانه التصابيوطاردت وصفه العقول
كأنّما بابه أسيرٌقد عرضت دونه مصول
للشاعر ابن شُهَيد، من قصيدة «وفتية كالنجوم حسنا»
يراد منه المقال قسراًوهو على ذاك لا يقول
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
ننظر من لبده لدينابحر دمٍ تحتنا يسيل
كأنّ أخفافنا عليهمراكب ما لها دليل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

ضلّت فلم تدر أين تجري ... فهل على شطّه تقيل فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفاً، فجعل يده في لجام بغلته، وقال: لا أتركك أو تصف الحرشف، فقد وصفه صاعد فلم يقل شيئاً، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال قال: نعم، فارتجل:

هل أبصرت عيناك يا خليليقنافذاً تباع في زنبيل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
من حرشفٍ معتمدٍ جليلذي إبرٍ تنفذ جلد الفيل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
كأنّها أنياب بنت الغوللو نخست في است امرئ ثقيل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
لقفزته نحو أرض النّيلليس يرى طيّ حشا منديل
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
نقل السّخيف المائن الجهولوأكل قومٍ نازحي العقول
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
أقسمت لا أطعمها أكيليولا طعمتها على شمولي انتهى

وقال في " بدائع البدائه ": دخل الوزير أبو العلاء زهر ابن الوزير أبي مروان عبد الملك ابن زهر على الأمير عبد الملك ابن رزين في مجلس أنس، وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي درين من حبابه

ولفظه، وقد بدا خط عذاره في خده، وكمل حسنه باجتماع الضد مع ضده، فكأنّه بسحر لحظه أبدى ليلاً في شمسن وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً:

تضاعف وجدي إذ تبدّى عذارهونمّ فخان القلب منّي اصطباره
وقد كان ظنّي أن سيمحق ليلهبدائع حسنٍ هام فيها نهاره
فأظهر ضدٌّ ضدّه فيه إذا وشتبعنبره في صفحة الخدّ ناره واستزاده، فقال بديهاً:
محيت آية النهار فأضحىبدر تمّ وكان شمس نهار
كان يعشي العيون نوراً إلى أنشغل الله خدّه بالعذار وصنع أيضاً:
عذار ألمّ فأبدى لنابدائع كنّا لها في عمى
ولو لم يجنّ النهار الظلام ولم يستبن كوكبٌ في السما وصنع أيضاً:
تمّت محاسن وجهه وتكاملتلمّا استدار به عذارٌ مونق
وكذلك البدر المنير جمالهفي أن يكنّفه سماء أزرق انتهى

وحكى الحميدي وغيره أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة بقرطبة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر، وهو من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأموي ملك الأندلس، وحكموا أنه دخل عليه في يوم ذي غيم،

وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق، فقال الأمير: يا ابن عاصم ما يصلح في يومنا هذا، فقال: عقار تنفّر الذبان، وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤونة التحفظ، وأرخي له عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح، فاستضحك الأمير، ثم أمر بمراتب الغناء، وآلات الصهباء، فلما دارت الكأس، واستمطر الأمير نوادره، أشار إلى الغلام أن يلح في سقيه، ويؤكد عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة:

يا حسن الوجه لا تكن صلفاًما لحسان الوجوه والصّلف

تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍّ متيّمٍ دنف فاستبدع الأمير بديهيته، وأمر له ببدرة، ويقال: إنه خيره بينها وبين الوصيف، فاختارها نفيا للظنة عنه، انتهى.

[استطراد حول ابن ظافر]

قلت أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه علي ابن ظافر عن نفسه إذ قال: كنت عند المولى الملك الأشرف ابن العادل ابن أيوب سنة بالرها، وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي أو إرادة الحديث معي، فلم أشعر في بعض الليالي وأنا نائم في فراشي إلا به، وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشمع تزهر حواليه، وقد حف مماليكه به، وكأنهم الأقمار الزواهر، في

ملابس كالرياض ذات الأزاهر، فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي بحيث منعني عن القيام عن الوساد، وأبدى من الجميل ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد، ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد إزعاجك والتثقيل عليك، ثم استدعى من كان في مجلسه من خواص القوالين، فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذاً، وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه ووجده، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في أمرهما ويستجلب مني القول فيهما والكلام في التفضيل بينهما، فقلت للوقت:

يا مالكاً لم يحك سيرتهماضٍ ولا آتٍ من البشر

اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر والنوم قد زاد أجفانه تفتيراً، ومعاطفه تكسيراً، فقلت بين يديه بديهاً في صفة المجلس:

سقى الرحمن عصراً قد مضى ليبأكناف الرّهى صوب الغمام
وليلاً باتت الأنوار فيهتعاون في مدافعة الظّلام
فنورٌ من شموع أو ندامىونورٌ من سقاةٍ أو مدام
يطوف بأنجم الكاسات فيهسقاةٌ مثل أقمار التّمام
تريك به الكؤوس جمود ماءفتحسب راحها ذوب الضّرام
يميل به غصوناً من قدودٍغناء مثل أصوات الحمام
فكم من موصليٍّ فيه يشدوفينسي النفس عادية الحمام
وكم من زلزلٍ للضرب فيهوكم للزّمر فيه من زنام
لدى موسى بن أيوب المرجّىإذا ما ضنّ غيثٌ بانسجام
ومن كمظفّر الدين المليك الأجلّ الأشرف النّدب الهمام
فما شمسٌ تقاس إلى نجومٍتحاكي قدره بين الكرام

فدام مخلّداً في الملك يبقى ... إذا ما ضنّ دهرٌ بالدوام فلما أنشدتها قام فوضع فرجية من خاص ملابسه كانت عليه على كتفي، ووضع شربوشه بيده على رأس مملوك صغير كان لي، انتهى.

ولابن ظافر هذا بدائع: منها ما حكاه عن نفسه إذ قال: ومن أعجب ما دهيت به ورميت، إلا أن الله بفضله نصر، وأعطى الظفر، وأعان خاطري الكليل، حتى مضى مضاء السيف الصقيل، أنني كنت في خدمة مولانا السلطان الملك العادل بالإسكندرية سنة إحدى وستمائة مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب والحواشي والخدام، ودخلت سنة اثنتين وستمائة ونحن بالثغر مقيمون في الخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت في جملة من حضر الهناء، من الفقهاء بالثغر والعلماء، والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، واتقف أن كان اليوم من أيام الجلوس لإمضاء الأحكام والعرض لطوائف الأجناد، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من أهل العسكر إلا حضر مهنياً، ومثل شاكراً وداعياً، فحين غص المجلس بأهله، وشرق بجمع السلطان وحفله، وخرج مولانا السلطان إلى مجلسه، واستقر في دسته، أخرج من بركة قبائه كتاباً ناوله للصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي وزير دولته، وكبير جملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم كتبها إليها يتشوقه ويستعطفه لزيارته، ويرققه ويستحثه على عود ركابه إلى بلاد الشام، للمثاغرة

بها، وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها، ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل لخدمته بالثغر ثم رجع إليها، والأبيات:

أروي رماحك من نحور عداكاوانهب بخيلك من أطاع سواكا
واركب خيولاً كالسّعالي شزّباًواضرب بسيفك من يشقّ عصاكا
واجلب من الأبطال كلّ سميدعٍيفري بعزمك كلّ من يشناكا
واسترعف السّمر الطّوال وروّهاواسق المنيّة سيفك السفّاكا
وسر الغداة إلى العداة مبادراًبالضرب في هام العدوّ دراكا
وانكح رماحك للثغور فإنّهامشتاقةٌ أن تبتني بعلاكا
فالعزّ في نصب الخيام على العداتردي الطّغاة وتدفع الملاّكا
والنصر مقرونٌ بهمّتك التيقد أصبحت فوق السّماك سماكا
فإذا عزمت وجدت من هو طائعٌوإذا نهضت وجدت من يخشاكا
والنصر في الأعداء يوم كريهةٍأحلى من الكأس الذي روّاكا
والعجز أن تضحي بمصرٍ راهناًوتحلّ في تلك العراص عراكا
فأرح حشاشتك الكريمة من لظىمصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا
فلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍشغفاً ولا حرّ البلاد هناكا
وانهض لإلى راجي لقاك مسارعاًفمنه من كلّ الأمور لقاكا
وابرد فؤاد المستهام بنظرةٍوأعد عليه العيش من رؤياكا
واشف الغداة غليل صبّ هائمٍأضحى مناه من الحياة مناكا
فسعادتي بالعادل الملك الذيملك الملوك وقارن الأفلاكا

فبقيت لي يا ملكي في غبطةٍ ... وجعلت من كلّ الأمور فداكا فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها، أخذ الناس في الاستحسان لغريب نظامها،

وتناسق التئامها، والثناء على الخاطر الذي نظم بديع أبياتها، وأطلع من مشرق فكره آياتها، فقال السلطان: نريد من يجيبه عنا بأبيات على قافيتها، فالتفت مسرعاً إلي مأنا عن يمينه، وقال: يا مولانا مملوكك فلان هو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص من مضايق هذا الشان، ثم قطع وصلاً من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي، فقال له السلطان: أهكذا على مثل هدا الحال وفي مثل هذا الوقت فقال: نعم أنا قد جربته فوجدته متقد الخاطر، حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر، فقال السلطان: وعلى كل حال قم إلى هنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع عنك ضوضاء الحاضرين، وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو بالجلوس قيه منفرد، فقمت وقد فقدت رجلي انخذالاً، وذهني اختلالاً، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلوله فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلي خاطري، انثال الكلام على سرائري، فكنت أتوهم أن فكري كالباز الصيود لا يرى كلمة إلا أنشب فيها منسرة، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت:

وصلت من الملك المعظّم تحفةٌملأت بفاخر درّها الأسلاكا
أبيات شعرٍ كالنجوم جلالةًفلذا حكت أوراقها الأفلاكا
عجباً وقد جاءت كمثل الروض إذلم تذوها بالحر نار ذكاكا
جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ماتجلو بغرّة وجهك الأحلاكا
كقميص يوسف إذ شفت يعقوب ريّاه شفتني مثله ريّاكا
قد أعجزت شعراء هذا العصر كلّهم فلم لا تعجز الأملاكا
ما كان هذا الفضل يمكن مثلهأن يحتويه من الأنام سواكا
لم لا أغيب عن الشآم وهل لهمن حاجةٍ عندي وأنت هناكا
أم كيف أخشى والبلاد جميعهامحميّةٌ في جاه طعن قناكا
يكفي الأعادي حرّ بأسك فيهمأضعاف ما يكفي الوليّ نداكا
ما زرت مصر لغير ضبط ثغورهافلذا صبرت فديت عن رؤياكا
أن البلاد علا عليها قدرهالا سيّما مذ شرّفت بخطاكا
طابت وحقّ لها ولم لا وهي قدحوت المعلاّ في القداح أخاكا
أنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياًحيناً، وأمنح غيرها سقياكا
مكثي جهادٌ للعدوّ لأنّنيأغزوه بالرأي السديد دراكا
لولا الرباط وغيره لقصدت بالسير الحثيث إليك نيل رضاكا
ولئن أتيت إلى الشآم فإنّمايحتثّني شوقٌ إلى لقياكا
إنّي لأمنحك المحبّة جاهداًوهواي فيما تشتهيه هواكا
فافخر فقد أصبحت بي وببأسك الحامي وكلّ مملّكٍ يخشاكا
لا زلت تقهر من يعادي ملكناأبداً ومن عاداك كان فداكا

وأعيش أبصر ابنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا ثم عدت إلى مكاني وقد بيضتها، وحليت بزهرها ساحة القرطاس وروضتها، فلما رآني السلطان وقد عدت قال لي: هل عملت شيئاً ظناً منه أن العمل في تلك اللمحة القريبة معجز متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: قد أجبت، فقال: أنشدنا، فصمت الناس، وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون، فما هو إلا أن توالى الإنشاد لأبياتها حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل، بأنه المعلى في البنين إذا ضربي قداحهم، وسردت أمداحهم، اغرورقت عيناه دمعاً لذكره، وأبان صمته

مخفي المحبة حتى أعلن بسره، وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه، ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له، وعند حصولها في يده قام من غير إشعار لأحد بما دار منه إرادة القيام في خلده، ستراً لما ظهر عليه من الرقة على الموالي الأولاد، وكتماً لما عليه من الوجد بهم والمحبة لهم، وانفض المجلس.

وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي فيه وخاطر بي بالتعريض له أشياء كان يقترحها علي فأنفذ فيها من بين يديه، ويخف الأمر منها علي لدالتي عليه، منها أنني كنت في خدمته سنة بدمشق، فورد عليه كتاب من الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره فتشاغل بتسويد جواب كتابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، واذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذه الحال فقال: نعم، فقلت بقد ما أنجز بقية النسخة:

أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاًوأغرقهم بذلاً وعمّهم عدلا
فديناك هب للناس فضلاً يزينهمفقد حزت دون الناس كلّهم الفضلا
ودونك فامنحهم من العلم والحجىكما منحتهم كفّك الجود والبذلا
إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذيتركت لمن كان القريض له شغلا
وماذا عسى من ظلّ بالشعر قاصداًلبابك أن يأتي به جلّ أو قلاّ

فلا زلت في عزٍّ يدوم ورفعةٍ ... تحوز فناءاً يملأ الوعر والسهلا ووقع لابن ظافر أيضاً من هذا النمط أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحباً لهم، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رصّ تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضّار وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما

رفعت صوالج فضة على كرات من النضار، فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال بديهاً:

أبدعت يا ابن هلال في فسقيّةٍجاءت محاسنها بما لم يعهد
عجباً لأمواه الدساتير التيفاضت على نارنجها المتوقّد
فكأنّهنّ صوالجٌ من فضّةٍرفعت لضرب كراة خالص عسجد [قدرة ابن قلاقس في الارتجال]

ومن بديع الارتجال ما حكاه المذكور ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى إذ قال: دخل الأعز أبو الفتوح ابن قلاقس على بلال بن مدافع بن بلال الفزازي، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره، وأذكر الدهر ناره وجمد نهره، وألبسه من سلخ الأفاعي رداءً وجسمه ردىً أو داءً، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم منحده من ثبت ولا ينجو بطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، وأمره بصفة شانه، فقال على لسانه:

أروق كما أروّع فإن تصفنيفإنّي رائق الصفحات رائع
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أروق كما أروع فإن تصفني»
تدافع بي خطوب الدهر حتىنقلت إلى بلالٍ عن مدافع وقال أيضاً في:
ربّ يومٍ له من النّقع سحبٌما لها غير سائل الدم ودق
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «رب يوم له من النقع سحب»
قد جلته يمنى بلالٍ بحدّيفكأنّي في راحة الشمس برق
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «رب يوم له من النقع سحب»

وقال أيضاً فيه:

أنا في الكريهة كالشّهاب الساطعمن صفحةٍ تبدو وحدّ قاطعي
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أنا في الكريهة كالشهاب الساطع»
فكأنّما استمليت تلك وهذهمن وصف كفّ بلالٍ ابن مدافع وقال أيضاً فيه:
انظر لمطّرد المياه بصفحتيولنار حدّي كم بها من صالي
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «انظر لمطرد المياه بصفحتي»

قد عاد شدّي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ ابن مدافع بن بلال وسأله صاحبٌ له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً، وشق ليلاً من الشعر جوناً، فقال:

ومتيّمٍ بالآبنوس وجسمهعاجٌ ومن أدهانه شرفاته
كتب الدياجي الشّعر منه بدرهافوشت به للعين عيّوقاته وقال فيه:
وأبيض ليل الآبنوس إذا سرىتمزّق عن صبحٍ من العاج باهر
وإن غاص في بحر الشعور رأيتهتبشّرنا أطرافه بالجواهر وقال فيه:
ومشرقٍ يشبه لون الضّحىحسناً ويسري في الدّجى الفاحم

وكلّما قلّب في لمّةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم وجلس بمصر في دار الأنماط يوماً مع جماعة، فمرّت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، وهي شمس تحت سحاب النقاب، وغصن في أوراق الشباب،

فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثني الغصن الممطور عانقه النسيم فاضطرب، فسألوه العمل في وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول العطار الأزدي القيرواني:

أعرضن لمّا أن عرضن، فإن يكنحذراً فأين تلفّت الغزلان ثم صنع:
لها ناظرٌ في ذرا ناضرٍكما ركّب السنّ فوق القناة
لوت حين ولّت لنا جيدهافأيّ حياةٍ بدت من وفاة
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «لها ناظر في ذرى ناضر»
كما ذعر الظبي من قانصٍفمرّ وكرّر في الالتفات ثم صنع أيضاً:
ولطيفة الألفاظ لكن قلبهالم أشك منه لوعةً إلاّ عتا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «ولطيفة الألفاظ لكن قلبها»
كملت محاسنها فودّ البدر أنيحظى ببعض صفاتها أو ينعتا
قد قلت لمّا أعرضت وتعرضتيا مؤيساّ يا مطعماّ قل لي متى
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «ولطيفة الألفاظ لكن قلبها»

قالت أنا الظبي الغرير وإنما ... ولّى وأوجس نبأةً فتلفّتا قال علي بن ظافر: وحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أبواب السما، قد ارتدى جلابيب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته الرياض بما ائتمنتها عليه السحب من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد

كرومه، والجو قد بعث بذخائر الطيب لطيمة نسيمه، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به، فسأله بعض الحضور أن يصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال:

قصرٌ بمدرجة النّسيم تحدثتفيه الرياض بسرّها المستور
خفض الخورنق والسّدير سموّهوثنى قصور الروم ذات قصور
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «قصر بمدرجه النسيم تحدثت»
لاث الغمام عمامةً مسكيّةًوأقام في أرضٍ من الكافور
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «قصر بمدرجه النسيم تحدثت»
غنّى الربيع به محاسن وصفهفافترّ عن نورٍ يروق ونور
فالدّوح يسحب حلّةً من سندسٍتزهى بلؤلؤ طلّها المنثور
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «قصر بمدرجه النسيم تحدثت»
والنخل كالغيد الحسان تقرّطتبسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حبك النسيم كأنماأبدى غصون سوالف المذعور
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «قصر بمدرجه النسيم تحدثت»
والبحر يرعد متنه فكأنّهدرعٌ تشنّ بمعطفي مقرور
وكأنّنا والقصر يجمع شملنافي الأفق بين كواكبٍ وبدور
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «قصر بمدرجه النسيم تحدثت»

وكذاك دهر بني خليفٍ لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور ثم قال ابن ظافر: وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي ابن الطوسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه، قال: كنت مع الأعز بن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل ابن فتوح المعروف بالمصري، وهو راجع من المكتب، ومعه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً وراحة القلب قرباً ووصالاً، كل عين إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل مخلقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً:

علّقته متعلّقاًبالخطّ معتكفاً عليه
حمل الدواة ولا دواء لعاشق يرجى لديه
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وعلقته متعلقا»
فدماء حبّات القلوب تلوح صبغاً في يديه
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وعلقته متعلقا»
لم أدر ما أشكو إليهـ أهجره أمقلتيه
والحبّ يخرسني علىأنّي ألكّع سيبويه
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وعلقته متعلقا»

ما لي إذا أبصرته ... شغلٌ سوى نظري إليه وقد آن وقت الرجعة إلى كلام الأندلسيين الذين حلا، وأبعدنا عنه بما مر النجعة، فنقول:

ذكر الفتح في قلائد العقيان، كما قال ابن ظافر، ما معناه: أخبرني الوزير أبو عامر ابن بشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى ابن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهرت سقاته غصوناً تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازجت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تطلع في أكفها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الجفان، وعنده الوزير أبو الحسن ابن الحاج اللورقي، وهو يومئذ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد بعض السقاة أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلاً، فأنشد أبو الحسن مرتجلاً:

ومهفهفٍ مزج الفتور بشدّةٍوأقام بين تبذّلٍ وتمنّع
يثنيه من فعل المدامة والصّباسكران سكر طبيعةٍ وتطبّع
أوما إليّ بكأسه فكففتهاورنا فشفّعها بلحظٍ مطمع
والله لولا أن يقال هوى الهوىمنه بفضل عزيمةٍ وتورّع

لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي وحكى الحميدي أن عبد الملك ابن إدريس الجزيري كان ليلة بين يدي الحاجب ابن أبي عامر والقمر يبدو تارة، ويخفيه السحاب تارة، فقال بديهاً:

أرى بدر السّماء يلوح حيناًفيبدو ثمّ يلتحف السحابا
للشاعر الوزير أبو مروان الجزيري، اقرأ القصيدة
وذاك لأنّه لمّا تبدّىوأبصر وجهك استحيا فغابا
للشاعر الجزيري الأندلسي، اقرأ القصيدة

مقالٌ لو نما عنّي إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا وكان صاعد اللغوي صاحب كتاب " الفصوص " - وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب - كثيراً ما يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور ابن أبي عامر، ويصفها ويقرظها، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك ابن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد ابن شهيد صاحب الغراءب، وقد تقدم بعض كلامه قريباً، إلى المنصور في يوم برد - وكان أخص وزرائه به - بهذه الأبيات:

أما ترى برد يومنا هذاصيّرنا للكمون أفذاذا
قد فطرت صحّة الكبود بهحتى لكادت تعود أفلاذا
فادع بنا للشّمول مصطلياًنغذّ سيراً إليك إغذاذا
وادع المسمّى بها وصاحبهتدع نبيلاً وتدع أستاذا
ولا تبال أبا العلاء زهابخمر قطربّلٍ وكلواذا
ما دام من أرملاط مشربنادع دير عمّى وطيزناباذا

وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالحرم، فأمر بإحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كان يعتاده، وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله، ووقت لم يعهدوا نظيره، وطما الطرب وسما بهم، حتى تهايج القوم ورقصوا، وجعلوا يرقصون بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عباس، فجعل يرقص وهو متوكئ عليه، ويرتجل ويومئ إلى المنصور، وقد غلب عليه السكر:

هاك شيخاً قاده عذرٌ لكاقام في رقصته مستهلكا
لم يطق يرقصها مستثبتاًفانثنى يرقصها مستمسكا
عاقه عن هزّها منفرداًنقرسٌ أخنى عليه فاتّكا
من وزيرٍ فيهم رقّاصةٍقام للسكر يناغي ملكا
أنا لو كنت كما تعرفنيقمت إجلالاً على رأسي لكا

قهقه الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى قال ابن ظافر: وهذه قطعة مطبوعة، وطرفها الأخير واسطتها، وكان حاضرهم ذلك اليوم رجلٌ بغدادي يعرف بالفكيك، حسن النادر سريعها، وكان ابن شهيد استحضره إلى المنصور فاستطبعه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان يمنعه من الحركة قال: لله درك يا وزير! ترقص بالقائمة، وتصلي بالقاعدة، فضحك المنصور، وأمر لابن شهيد بمال جزيل، ولسائر الجماعة، وللبغدادي.

وقال ابن بسام: حدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن

عثمان المصحفي قال، دخلت يوماً على أبي عامر ابن شهيد، وقد ابتدأت علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت له تجني بعض أصحابي علي، ونفاره عني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين، فخرجت عنه، واتفق لقائي لذلك المتجني علي مع بعض أصحابي وأعزهم علي، فلما رآني ذلك الصديق مولياً عنه أنكر عليه، وسأله عن السبب الموجب، فأخبره، وزاد في مشيهما حتى لحقا بي، وعزم علي في مكالمة صاحبي، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهواء، وأشهى من الماء على الظماء، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده قلنا: قد كان ما كان، فاطرق قليلاً تم أنشد:

من لا أسمّي ولا أبوح بهأصلح بيني وبين من أهوى
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
أرسلت من كابد الهوى فدرىكيف يداوى مواقع البلوى
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

ولي حقوقٌ في الحبّ ثابتةٌ ... لكنّ إلفي يعدّها دعوى وقد ذكرنا في هذا الكتاب من غرائب أبي عامر ابن شهيد في مواضع متفرقة الغرائب، وقدمنا في الباب الرابع حكايته مع المرأة الداخلة في رمضان لجامع قرطبة وحكينا [ها] هناك بلفظ " المطمح " فلتراجع.

وعبر ابن ظافر عن معناها بقوله: إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين من رمضان،فمرت امرأة به من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري، كالبدر حف بالدراري، فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، وقد رمقوا ذلك الظبي بعيون أسودٍ رأت فريسة،

ارتاعت وتخوفت أن تخطف منها تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها خشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً:

وناظرةٍ تحت طيّ القناع..إلخومرت في الباب الرابع هذه الأبيات

وقال الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي: لما نعيت أبا عامر ابن شهيد إلى أبي عبد الله الحناط الشاعر، وقد عرف ما كان بينهما من المنافسة، بكى وأنشدني لنفسه بديهة:

لمّا نعى النّاعي أبا عامرٍأيقنت أنّي لست بالصابر
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة

أودى فتى الظّرف وترب النّدر ... وسيّد الأوّل والآخر وقال ابن بسام: اصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه، فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب المطرب من الدك، وحضر أيضاً هناك لاعب مصري ساحر فكان لعبه حسناً، فارتجل أبو عبد الله بن الحداد:

كذا فلتلح قمراً زاهراوتجني الهوى ناظراً ناضرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
وسيبك سيب ندىً مغدقٍأقام لنا هامياً هامرا
وإنّ ليومك ذا رونقاًمنيراً كنور الضّحى باهرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
صباح اصطباحٍ بإسفارهلحظنا محيّا العلا سافرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
وأطلعت فيه نجوم الكؤوسفما زال كوكبها زاهرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
وأسمعتنا لاحناً فاتناًوأحضرتنا لاعباً ساحرا
يرفرف فوق رؤوس القيانفننظر ما يذهل الناظرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
ويحفظها ذيل سربالهفننظر طالعها غائرا
فظاهرها ينثني باطناًوباطنها ينثني ظاهرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
وثنّاه ثانٍ لألعابهدقائق تثني الحجى حائرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
وفي سورة الرّاح من سحرهخواطر دلّهت الخاطرا
إذا ورد اللّحظ أثناءهافما الوهم عن وردها صادرا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
ومن حسن دهرك إبداعهفما انفكّ عارضها ماطرا

وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا قال: وحضر الأديب أحمد بن الشقاق عند القائد ابن دري بجيان، هو وأبو زيد ابن مقانا الأشبوني، فأحضر لهما عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل ابن الشقاق:

عنبٌ تطلّع من حشا ورقٍ لناصبغت غلائل جلده بالإثمد

فكأنّه من بينهنّ كواكبٌ ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد قال: وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون، وبحضرته وصيفة تحمل شمعة، فاستحسنها ابن مرزقان، فقال بديهاً:

يا شمعةً تحملها أخرىكأنّها شمسٌ علت بدرا
امتحنت إحداكما مهجتيبمثل ما تمتحن الأخرى

قال: ودخل الأديب غانم يوماً على باديس صاحب غرناطة، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال بديهاً:

صيّر فؤادك للمحبوب منزلةًسمّ الخياط مجالٌ للمحبّين

ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تتسع الدنيا بغيضين وأخذه من قول الخليل " ما تضايق سمّ الخياط بمتحابّين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين ". وكان الخليل على نمرقة صغيرة، والمجلس متضايق، فدخل عليه بعض أصحابه، فرحب به وأجلسه معه على النمرقة، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال ما ذكر.

وقال ابن بسام أيضاً: أمر الحاجب المنذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة بعرض بعض الجند في بعض الأيام، ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك، فقال ابن هندو الداني فيه ارتجالاً:

أعن بابلٍ أجفان عينيك تنفثومن قوم موسى أنت للعهد تنكث
أفي الحقّ أن تحكي سرافيل نافخاًوأمكث في رمث الصّدود وألبث
للشاعر ابن هند الداني، اقرأ القصيدة

عساك، نبيّ الحسن، تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الصّدود فيبعث قال: وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له، فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالاً:

قالوا: به صفرةٌ عابت محاسنهفقلت: ما ذاك من عيبٍ به نزلا
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.