من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (٩)
وابن شرف المذكور هو الحكيم الفيلسوف أبو الفضل جعفر ابن أديب إفريقية أبي عبد الله محمد بن شرف الجذامي، ولد ببرجة، وقيل: إنه دخل الأندلس مع أبيه وهو ابن سبع سنين، ومن نظمه قوله:
رأى الحسن ما في خدّه من بدائعٍفأعجبه ما ضمّ منه وحرّفا
وقال لقد ألفيت فيه نوادراًفقلت له لا بل غريباً مصنّفا وقوله:
قد وقف الشكر بي لديكمفلست أقوى على الوفاده
ونلت أقصى المراد منكمفصرت أخشى من الزياده
وقوله:
إذا ما عدوّك يوماً سماإلى رتبةٍ لم تطق نقضها
فقبّل ولا تأفن كفّهإذ أنت لم تستطع عضّها وقوله، وقد تقدم على كل شاعر:
لم يبقى للجور في أيامهم أثرٌإلا الذي في عيون الغيد من حور وأول هذه القصيدة قوله:
قامت تجرّ ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخصر والميثاق والنظر وكان قد قصر أمداحه على المعتصم، وكان يفد عليه في الأعياد وأوقات الفرج والفتوحات، فوفد عليه مرة يشكو عاملاً ناقشه في قرية يحرث فيها، وأنشده الرائية التي مر مطلعها إلى أن بلغ قوله:
لم يبق للجورالبيت
فقال له: كم في القرية التي تحرث فيها فقال: فيها نحو خمسين بيتاً، فقال له: أنا أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد، ثم وقع له بها، وعزل عنها نظر كل والٍ.
وله ابنٌ فيلسوف شاعر مثله، وهو أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المذكور، وهو القائل:
وكريمٍ أجارني من زمانٍلم يكن منخطوبه لي بدّ
منشدٍ كلّما أقول تناهىما لمن يبتغي المكارم حدّ
وابن أخت غانم هو العالم اللغوي أبو عبد الله محمد بن معمر، من أعيان مالقة، متفنن في علوم شتى، إلا أن الغالب عليه علم اللغة، وكان قد رحل من مالقة إلى المرية، فحل عند ملكها المعتصم بن صمادح بالمكانة العلية، وهو القائل في ابن شرف المذكور:
قولوا لشاعر برجةٍ هل جاء منأرض العراق فحاز طبع البحتري
وافى بأشعارٍ تضجّ بكفّهوتقول هل أعزى لمن لم يشعر
يا جعفراً ردّ القربض لأهلهواترك مباراةً لتلك الأبحر
لا تزعمن ما لم تكن أهلاً له ... هذا الرّضاب لغير فيك الأبخر وذكره ابن اليسع في معربه وقال: إنه حدثه بداره في مقالة وهو ابن مائة سنة، وأخذ عنه عام أربعة وعشرين وخمسمائة، وله تآليف منها " شرح كتاب النبات " لأبي حنيفة الدينوري، في ستين مجلداً، وغير ذلك.
وغانٍ خاله الذي يعرف به هو الإمام العالم غانم المخزومي، نسب إليه بشهرة ذكره، وعلو قدره.
ولما قرأ العالم الشهير أبو محمد ابن عبدون في أول شبابه على أبي الوليد ابن ضابط النحوي المالقي جرى بين يديه ذكر الشعر، وكان قد ضجر منه، فقال:
الشعر خطّة خسف ... فقال ابن عبدون معرضاً به حين كان مستجدياً بالنظم، وكان إذ ذاك شيخاً:
لكلّ طالب عرف ...
للشيخ عيبة عيبٍوللفتى ظرف ظرف وابن ضابظ هو القائل في المظفر ابن الأفطس:
نظمنا لك الشعر البديع لأنّناعلمنا بأنّ الشعر عندك ينفق
فإن كنت منّي بامتداح مظّفرا ... فإنّي في قصدي إليك موفقّ ودخل غانم المخزومي السابق ذكره، وهو من رجال الذخيرة، على الملك ابن حبوس صاحب غرناطة، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال:
صير فؤادك للمحبوب منزلةسمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرتيفقلّما تسع الدنيا بغيضين وهو القائل:
وقد كنت أغدو نحو قطرك فارحاًفها أنا أغدو نحو قبرك ثاكلا
وقد كنت في مدحيك سبحان وائلفها أنا من فرط التأسّف باقلا وله أيضاً:
الصبر أولى بوقار الفتىمن ملك يهتك ستر الوقار
من لزم الصبر على حالةٍ ... كان على أيامه بالخيار وكتب أبو علي الحسن بن الغليظ إلى صاحبه أبي عبد الله ابن السراج، وقد قدم من سفر:
يا من أقلّب طرفي في محاسنهفلا أرى مثله في الناس إنسانا
لو كنت تعلم ما لقّيت بعدك ما ... شربت كأساّ ولا استحسنت ريحانا فورد عليه من حينه وقال: أردت مجاوبتك، فخفت أن أبطئ، وصنعت الجواب في الطريق:
يامن إذا ما سقتني الراح راحتهأهدت إليّ بها روحاً وريحانا
من لم يكن في صباح السبت يأخذهافليس عندي بحكم الظرف إنسانا
فكن على حسن هذا اليوم مصطحبامذكّراً حسناً فيه وإحسانا
وفي البساتين إن ضاق المحل بنا ... مندوحةٌ لا عدمنا الدهر بستانا ووفد أبو علي الحسن بن كسرين المالقي الشاعر المشهور على ملك إشبيلية السيد أبي إسحاق إبراهيم ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، فأنشده قصيدة طار مطلعها في الأقطار، كل مطار، وهو:
قسماً بحمصٍ إنّه لعظيم ... فهي المقام وأنت إبراهيم ووصف الشاعر عطاء المالقي غادةً جعلت على رأسها تاجاً فقال:
وذات تاج رصّعوا دورهفزاد في لألائها باللآل
كأنّها شمسٌ وقد توّجتبأنجم الجوزاء فوق الهلال
قد اشتكى الخلخال منها إلىسوارها فاشتبها في المقال
وأجريا ذكر الوشاح الذيلمّا يزل من خصرها في مجال
فقال: لم أرض بما نلتهوليتني مثلكما لا أزال
أغصّ بالخصر وأعيا بهكغصّ ظمآنٍ بماء زلال
وإنّما الدهر بغير الرضىيقضي فكلٌّ غير راضٍ بحال
وهو القائل:
سل بحمّامنا الذيكلّ عن شكره ثمي
كم أراني بقربه ... جنّةً في جهنم وكان يحضر حلقة الإمام السهيلي وضيء الوجه من تلامذته، فانقطع لعارضٍ، فخرج السهيلي ماراً في الطريق الذي جرت عادته بالمشي فيه، فوجد قناة تصلح، فمنعته من المرور، فرجع وسلك طريقاً آخر، فمر على دار تلميذه الوضيء، فقال له بعض أصحابه ممازحاً بعبوره على منزله، فقال: نعم، وأنشد ارتجالاً:
جعلت طريقي على بابهوما لي على بابه من طريق
وعاديت من أجله جيرتيوآخيت من لم يكن لي صديق
فإن كان قتلي حلالاً لكم ... فسيروا بروحي سيراً رفيق وأبو القاسم السهيلي مشهور، عرف به ابن خلكان وغيره، ويكنى أيضاً بأبي زيد، وهو صاحب كتاب " الروض الأنف " وغيره.
واجتاز على سهيل وقد خربه العدو لما أغار عليه وقتلوا أهله وأقاربه، وكان غائباً عنهم، فاستأجر من أركبه دابة، وأتى به إليه، فوقف بإزائه، وأنشد:
يا دار أين البيض والآرامأم أين جيرانٌ عليّ كرام
راب المحبّ من المنازل أنّهحيّا فلم يرجع غليه سلام
لمّا أجابني الصّدى عنهم ولميلج المسامع للحبيب كلام
طارحت ورق حمامها مترنّماًبمقال صبّ والدموع سجام
" يادار ما فعلت بك الأيامضامتك والأيام ليس تضام "
وجرى بين السهيلي والرصافي الشاعر المشهور ما اقتضى قول الرصافي:
عفى الله عنّي فإنّي امرؤٌأتيت السلامة من بابها
على أنّ عندي لمن هاجنيكنائن غصّت بنشّابها
ولو كنت أرمي بها مسلماً ... لكان السهيلي أولى بها وتوفي السهيلي بمراكش سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وزرت قبره بها مراراً سنة عشر وألف، وسكن رحمه الله تعالى إشبيلية مدة، ولازم القاضي أبا بكر ابن العربي وابن الطراوة، وعنه أخذ لسان العرب، وكان ضريراً.
ومن شعره أيضاً لما قال: " كيف أمسيت " موضع " كيف أصبحت ":
لئن قلت صبحاً كيف أمسيت مخطئافما أنا في ذاك الخطا بملوم
طلعت وأفقي مظلمٌ لفراقكم ... فخلتك بدراً والمساء همومي وحكي أن الوزير الكاتب أبا الفضل ابن حسداي الإسلامي السرقسطي، وهو من رجال الذخيرة، عشق جاريةً ذهبت بلبه، وغلبت على قلبه، فجن به جنونه، وخلع عليها دينه، وعلم بذلك صاحبه فزفها إليه، وجعل زمامها في يديه، فتجافى عن موضعه من وصلها أنفة من أن يظن الناس أن إسلامه كان من أجلها، فحسن ذكره، وخفي على كثير من الناس أمره، ومن شعره قوله:
وأطربنا غيمٌ يمازج شمسهفيستر طوراً بالسحاب ويكشف
ترى قزحاً في الجوّ يفتح قوسه ... مكبّاً على قطنٍ من الثلج يندف وكان في مجلس المقتدر بن هود ينظر في مجلد، فدخل الوزير الكاتب أبو
الفضل ابن الدباغ وأراد أن يندر به، فقال له، وكان ذلك بعد إسلامه: يا أبا الفضل، ما الذي تنظر فيه من الكتب، لعله التوراة فقال: نعم، وتجليدها من جلدٍ دبغه من تعلم، فمات خجلاً، وضحك المقتدر.
وأراد الشاعر أبو الربيع سليمان السرقسطي حضور نديم له، فكتب إليه:
بالراح والريحان والياسمينوبكرة الندمان قبل الأذين
وبهجة الروض بأندائهمقلداً منه بعقدٍ ثمين
ألا أجب سبقاً ندائي إلى الكأس تبدّت لذة الشاربين
هامت بها الأعين من قبل أنيخبرها الذوق بحقّ اليقين
لاحت لدينا شفقاً معلناً ... فكن له بالله صبحاً مبين وكتب علي بن خير التطيلي إلى ابن عبد الصمد السرقسطي يستدعيه إلى مجلس أنس: أنا - أطال الله تعالى بقاء الكاتب سراج العلم وشهاب الفم - في مجلس قد عبقت تفاحه، وضحكت راحه، وخفقت حولنا للطرب ألوية، وسالت بيننا للهو أودية، وحضرتنا مقلة تسأل منك إنسانها، وصحيفة فكن عنوانها، فإن رأيت أن تجعل إلينا القصد، لنحصل بك في جنة الخلد، صقلت نفوساً أصدأها بعدك، وأبرزت شموساً أدجاته فقدك.
فأجابه أبو عبد الصمد: فضضت - أيها الكاتب العليم، والمصقع الحبر الصميم - طابع كتابك، فمنحني منه جوهر منتخب، لا يشوبه مخشلب، هو السحر إلا أنه حلال، دل على ود حنيت ضلوعك عليه، ووثيق عهد انتدب كريم سجيتك إليه، فسألت فالق الحب، وعامر القلب بالحب، أن يصون لي حظي منك، ويدرأ لي النوائب عنك، ولم يمنعني أن أصرف وجه الإجابة إلى مرغوبك، وأمتطي جواد الانحدار إلى محبوبك، إلا عارض ألمٍ ألم بي فقيد بقيده نشاطي، وروى براحته بساطي، وتركني أتململ على فراشي كالسليم، وأستمطر الإصباح من الليل البهيم، وأنا منتظر لإدباره.
ومن لطف أهل الأندلس ورقة طباعهم ما حكاه أبو عمرو ابن سالم المالقي قال: كنت جالساً بمنزلي بمالقة، فهاجت نفسي أن أخرج إلى الجبانة، وكان يوماً شديد الحر، فراودتها على القعود، فلم تمكني من القعود، فمشيت حتى انتهيت إلى مسجد يعرف برابطة الغبار، وعنده الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي، فقال لي: إني كنت أدعوا الله تعالى أن يأتيني بك، وقد فعل، فالحمد لله، فأخبرته بما كان مني، ثم جلست عنده، فقال: أنشدني، فأنشدته لبعض الأندلسيين:
غصبوا الصباح فقسّموه خدوداواستوعبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون نحورهمفتقلدوا شهب النجوم عقودا
لم يكفهم حدّ الأسنّة والظّبى ... حتى استعاروا أعيناً وخدودا فصاح الشيخ، وأغمي عليه، وتصبب عرقاً، ثم أفاق بعد ساعة، وقال: يا بني اعذرني فشيئان يقهراني، ولا أملك نفسي عندهما: النظر إلى الوجه الحسن، وسماع الشعر المطبوع، انتهى. وستأتي هذه الأبيات في هذا الباب
بأتم من هذا وعلى كل حال فهي لأهل الأندلس، لا لابن دريد كما ذكره بعضهم، وسيأتي تسمية صاحبها الأندلسي، كما في كتاب " المغرب " لابن سعيد العنسي المشهور، رحمه الله تعالى.
وقال بعض الأدباء ليحيى الجزار، وهو يبيع لحم ضأن:
لحم إناث الكباش مهزولفقال يحيى:
يقول للمشترين مه زولواوقال التطيلي الأعمى في وصف أسد رخام يرمي بالماء على بحيرة:
أسدٌ ولو أنّي أناقشه الحساب لقلت صخره
وكأنّه أسد السما ... ء يمجّ من فيه المجرّه وحضر جماعة من أعيان الأدباء مثل الأبيض وابن بقي وغيرهما من الوشاحين، وافقوا على أن يصنع كل واحد منهم موشحة، فلما أنشد الأعمى موشحته التي مطلعها:
ضاحك عن جمانسافر عن بدر
ضاق عنه الزمانوحواه صدري خرق كل منهم موشحته
وتحاكمت امرأة إلى القاضي أبي محمد عبد الله اللاردي الأصبحي،
وكانت ذا جمال ونادرة، فحكم لزوجها عليها، فقالت له: من يضيع قلبه كل طرف فاتر جدير أن يحكم بهذا، تشير إلى قوله:
أين قلبي أضاعه كلّ طرفٍفاترٍ يصرع الحليم لديه
كلمّا ازداد ضعفه ازداد فتكاً ... أيّ صبرٍ ترى يكون عليه وحضر أبو إسحاق ابن خفاجة مجلساً بمرسية مع أبي محمد جعفر ابن عنق الفضة الفقيه السالمي، وتذاكرا، فاستطال ابن عنق الفضة، ولعب بأطراف الكلام، ولم يكن ابن خفاجة يعرفه، فقال له: يا هذا لم تترك لأحد حظاً في هذا المجلس، فليت شعري من تكون فقال: أنا القائل:
الهوى علّمني سهد الليالونظام الشعر في هذي اللآل
كلّما هبّت شمالٌ منهملعبت بي عن يمينٍ وشمال
وأرقّت فكرتي أرواحهافأتت منهنّ بالسحر الحلال
كان كالملح أجاجاً خاطري ... وسحاب الحبّ أبدته زلال فاهتز ابن خفاجة، وقال: من يكون هذا قوله لا ينبغي أن يجهل، ولك المعذرة في جهلك، فإنك لم تعرفنا بنفسك، فبالله من تكون فقال: أنا فلان، فعرفه وقضى حقه.
وحكى ابن غالب في " فرحة الأنفس " أن الوزير أبا عثمان ابن شنتفير وأبا عامر ابن غندشلب وفدا رسولين على المعتمد بن عباد، عن إقبال الدولة بن مجاهد والمعتصم بن صمادح والمقتدر بن هود، لإصلاح ما كان بين المعتمد مبين ابن ذي النون، فسر المعتمد بهم وأكرمهم، ودعاهم إلى طعام صنعه لهم، وكان لا يظهر شرب الراح منذ ولي الملك، فلما رأوا انقباضه عن ذلك تحاموا الشراب، فلما أمر بكتب أجوبتهم كتب إليه أبو عامر:
بقيت حاجة لعبد رغيبلم يدع غيرها له من نصيب
أنا خيرية المساء حديثاًوأنا في الصباح أخشى رقيبي
فإذا أمس كان عندي نهاراًلم تخفني عليه بعد الغروب
وإذا الليل جنّ حدّثت جلاسي بما كان من حديثٍ عجيب
قيل إن الدّجى لديك نهارٌوكذاك الدّجى نهار الأريب
فتمنّيت ليلةً ليس فيهالذ كا ذلك السّنا من مغيب
حيث أعطيك في الخلاء وتعطيني مداماً كمثل ريق الحبيب
ثم أغدو كأنّني كنت في النو ... م وأخفي المنام خوف هزيب والهزيب: الرقيب العتيد في كلام أهل الأندلس، فسر المعتمد وانبسط بانبساطه، وضحك من مجونه، وكتب إليه:
يا مجاباً دعا إلى مستجيبفسمعنا دعاءه من قريب
إن فعلت الذي دعوت إليه ... كنت فيما رغبت عين رغيب واستحضره فنادمه خالياً، وكساه ووصله، وانقلب مسروراً، وظن المعتمد أن ذلك يخفى من فعله عن ابن شنتفير، فأعلم بالأمر القائد ابن مرتين، فكاد يتفطر حسداً وكتب إلى المعتمد:
أنا عبدٌ أوليته كلّ برّلم تدع من فنون برّك فنّا
غير رفع الحجاب في شربك الراح فماذا جناه أن يتجنّى
وتمنّى شراب سؤرك في الكأس فبالله أعطه ما تمنّى فسرته أبياته، وأجابه:
يا كريم المحلّ في كلّ معنىوالكريم المحلّ ليس يعنّى
هذه الخمر تبتغيك فخذها ... أو فدعها أو كيفما شئت كنّا وكان يقرأ في مجلس ملك السهلة أبي مروان ابن رزين ذي الرياستين ديوان شعر محمد بن هانئ، وكان القارئ فيه بله، فلما وصل إلى قوله:
حرام حرام زمان الفقير ... اتفق أن عرض للملك ما اشتغل به، فقال القارئ: أين وقفت فقال: في حر آم، فقام الملك، وقال: هذا موضع لا أقف معك فيه، ادخل أنت وحدك، ثم دخل إلى قصره، وانقلب المجلس ضحكاً.
وكان للملك المذكور وزير من أعاجيب الدهر، وهو الكاتب أبو بكر ابن سدراي، وذكره الحجاري في " المسهب " وقال: إن له شعراً أرق من نسيم السحر، وأندى من الطلّ على الزهر، ومنه قوله:
ما ضركم لو بعثتمولو بأدنى تحيّه
تهزّني من شذاهاإليكم الأريحيّه
خذوا سلامي إليكممع الرياح النّديّه
في كلّ سحرة يومٍتترى وكلّ عشيّه
يا ربّ طال اصطباريما الوجد إلا بليّه
غيلان بالشرق أضحىوحلّت الغرب ميّه وقوله:
سأبغي المجد في شرقٍ وغربٍفما ساد الفتى دون اغتراب
فإن بلّغت مأمولاً فإنّيجهدت ولم أقصر في الطلاب
وإن أنا لم أفز بمراد سعيي ... فكم من حسرةٍ تحت التراب وقال ملك بلنسية مروان بن عبد العزيز لما ولي مكانه من لا يساويه:
ولا غرو بعدي أن يسوّد معشرٌفيضحي لهم يومٌ وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجوّ تبدو زواهراً ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس وقال ابن دحية: دخلت عليه وهو يتوضأ، فنظر إلى لحيته وقد اشتعلت بالشيب اشتعالاً، فأنشدني لنفسه ارتجالاً:
ولمّا رأيت الشيب أيقنت أنّهنذيرٌ لجسمي بانهدام بنائه
إذا ابيضّ مخضرّ النبات فإنّه ... دليلٌ على استحصاده وفنائه واعتل ابن ذي الوزارتين أبي عامر ابن الفرج وزير المأمون بن ذي النون، وهو من رجال الذخيرة والقلائد، فوصف له أن يتداوى بالخمر العتيق، وبلغه أن عند بعض الغلمان منها شيئاً، فكتب إليه يستهديه:
ابعث بها مثل ودّكأرقّ من ماء خدّك
شقيقة النفس، فانضحبها جوى ابني وعبدك وهو القائل معتذراً عن تخلّفه عمن جاءه منذراً:
ما تخلّفت عنك إلاّ لعذرٍودليلي في ذاك خوفي عليكا
هبك أنّ الفرار من غير عذرٍأتراه يكون إلاّ إليكا وله من رسالة هناء:
أهنئ بالعيد من وجهههو العيد لو لاح لي طالعا
وأدعو إلى الله سبحانه ... بشملٍ يكون لنا جامعا وكتب إلى الوزير المصري يستدعيه أن يكون من ندمائه، فكتب إليه الوزير المصري يستعلمه اليوم، فلما أراده كتب إليه:
ها قد أهبت بكم وكلّكم هوىًوأحقّكم بالشكر منّي السابق
كالشمس أنت وقد أظلّ طلوعها ... فاطلع وبين يديك فجرٌ صادق وله في رئيس مرسية أبي عبد الرحمن ابن طاهر، وكان ممتع المجالسة كثير النادرة:
قد رأينا منك الذي قد سمعنافغدا الخبر عاضد الأخبار
قد وردنا لديك بحراً نميراًوارتقينا حيث النجوم الدراري
ولكم مجلسٍ لديك انصرفنا ... عنه مثل الصّبا عن الأزهار وشرب الأديب الفاضل أبو الحسن علي بن حريق عشيةً مع من يهواه، ورام الانفصال عنه لداره، فمنعه سيلٌ حال بينه وبين داره، فبات عنده على غير اختياره، فقال ابن حريق:
يا ليلةً جادت اللياليبها على رغم أنف دهري
للسيل فيها عليّ نعمىيقصر عنها لسان شكري
أبات في منزلي حبيبيوقام في أهله بعذر
فبتّ لا حالةٌ كحاليضجيع بدرٍ صريع سكر
يا ليلة القدر في اللّياليلأنت خيرٌ من ألف شهر ومن حسنات ابن حريق المذكور قوله:
يا ويح من بالمغرب الأقصى ثوىحلف النوى وحبيبه بالمشرق
لولا الحذار على الورى لملأت مابيني وبينك من زفيرٍ محرق
وسكبت دمعي ثمّ قلت لسكبهمن لم يذب من زفرةٍ فليغرق
لكن خشيت عقاب ربي إن أناأحرقت أو أغرقت من لم أخلق وله:
لم يبق عندي للصّبا لذّةٌإلا الأحاديث على الخمر وله:
فقبّلت إثرك فوق الثرىوعانقت ذكرك في مضجعي وله:
إنّ ماءً كان في وجنتهاوردته السنّ حتى نشفا
وذوى العنّاب من أنملهافأعادته الليالي حشفا وأورد له بحر في " زاد المسافر " قوله:
كلّمته فاحمرّ من خجلٍحتى اكتسى بالعسجد الورق
وسألته تقبيل راحتهفأبى وقال أخاف أحترق
حتى زفيري عاق عن أمليإنّ الشّقيّ بريقه شرق وقوله في السواقي:
وكأنّما سكن الأراقم جوفهامن عهد نوحٍ مدّة الطوفان
فإذا رأينا الماء يطفح نضنضت ... من كل خرقٍ حيّةٌ بلسان وقال الفيلسوف أبو جعفر ابن الذهبي فيمن جمع بينه وبين أحد الفضلاء:
أيّها الفاضل الذي قد هدانينحو من قد حمدته باختبار
شكر الله ما أتيت وجازاك ولا زلت نجم هدي لساري
أيّ برقٍ أفاد أيّ غمامٍوصباحٍ أدّى لضوء نهار
وإذا ما النسيم كان دليلي ... لم يحلني إلاّ على الأزهار وأنشد أبو عبد الله محمد بن عبادة الوشاح المعتصم بن صمادح شعراً يقول فيه:
ولو لم أكن عبداً لآل صمادحٍوفي أرضهم أصلي وعيشي ومولدي
لما كان لي إلا إليهم ترحّلٌ ... وفي ظلّهم أمسي وأضحي وأغتدي فارتاح، وقال: يا ابن عبادة، ما أنصفناك بل أنت الحر لا العبد، فاشرح لنا في أملك، فقال: أنا عبدكم كما قال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئاً أؤملهتركتني أصحب الدنيا بلا أمل
فالتفت إلى ابنه الواثق يحيى ولي عهده وقال: إذا اصطنعت الرجال فمثل هذا فاصطنع، ضمه إليك وافعل معه ما تقتضيه وصيتي به، ونبهني إليه كل وقت، فأقام نديماً لوليّ العهد المذكور.
وله فيهما الموشحات المشهورة، كقوله:
كم في قدود البانتحت اللمم من أقمر عواطي
بأنملٍ وبنان ... مثل العنم لم تنبري للعاطي ولما بلغ المعتصم أن خلف بن فرج السميسر هجاه احتال في طلبه حتى حصل في قبضته، ثم قال له: أنشدني ما قلت في، فقال له: وحق من حصلني في يدك ما قلت شراً فيك، وإنما قلت:
رأيت آدم في نومي فقلت له:أبا البرية إنّ الناس قد حكموا
أن البرابر نسلٌ منك، قال: إذن ... حواء طالقةٌ إن كان ما زعموا فنذر ابن بلقين صاحب غرناطة دمي، فخرجت هارباً إلى بلادك فوضع علي من أشاع ما بلغك عني لتقتلني أنت فيدرك ثأره بك، ويكون الإثم عليك، فقال: وما قلت فيه خاصة مضافاً إلى ما قلته في عامة قومه فقال: لما رأيته مشغوفاً بتشييد قلعته التي فيها بغرناطة قلت:
يبني على نفسه سفاهاً ... كأنّه دودة الحرير فقال له المعتصم: لقد أحسنت في الإساءة إليه، فاختر: هل أحسن إليك وأخلي سبيلك أم أجيرك منه فارتجل:
خيّرني المعتصموهو بقصدي أعلم
وهو إذا يجمع لي ... أمناً ومنّاً أكرم فقال: خاطرك خاطر شيطان، ولك المن والأمان، فأقام في إحسانه بأوطانه، حتى خلع عن ملكه وسلطانه.
ولما أنشده عمر بن الشهيد قصيدته التي يقول فيها:
سبط البنان كأنّ كلّ غمامةٍقد ركّبت في راحتيه أناملا
لا عيش إلا حيث كنت، وإنّما ... تمضي ليالي العمر بعدك باطلا التفت إلي من حضر من الشعراء وقال: هل فيكم من يحسن أن يجلب القلوب بمثل هذا فقال أبو جعفر ابن الخراز البطرني: نعم، ولكن للسعادة هبات، وقد أنشدت مولانا قبل هذا أبياتاً أقول فيها:
وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌولا ثمرٌ يجنى ولا الزرع يحصد
ثمار أيادٍ دانياتٍ قطوفهالأغصانها ظلّ عليّ ممدّد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهنّ تغرّد فارتاح المعتصم، وقال: أأنت أنشدتني هذا قال: نعم، قال: والله كأنها ما مرت بسمعي إلى الآن، صدقت، للسعد هبات، ونحن نجيزك بجائزتين: الأولى لها والثانية لمطل راجيها وغمط إحسانها، انتهى.
وقال بعض ذرية ملوك غشبيلية:
نثر الورد بالخليج وقد درّجه بالهبوب مرّ الرياح
مثل درع الكميّ مزقها الطعن فسالت بها دماء الجراح وقال ابن صارة في النارنج:
كرات عقيق في غصون زبرجدٍبكفّ نسيم الريح منها صوالج
نقبّلها طوراً وطوراً نشمّهافهنّ خدودٌ بيننا ونوافج [أشعار لابن الزقاق]
وقال أبو الحسن ابن زقاق ابن أخت ابن خفاجة:
وما شقّ وجنته عابثاًولكنّها آيةٌ للبشر
جلالها لنا الله كيما نرىبها كيف كان انشقاق القمر وقال:
ضربوا ببطن الواديين قبابهمبين الصوارم والقنا الميّاد
والورق تهتف حولهم طرباً بهمفبكلّ محنية ترنّم شادي
يا بانة الوادي كفى حزناً بناأن لا نطارح غير بانة وادي وقال:
نحن في مجلسٍ به كمل الأنس ولو زرتنا لزاد كمالا
طلعت فيه من كؤوس الحميّاومن الزهر أنجمٌ تتلالا
غير أنّ النجوم دون هلالٍفلتكن منعماً لهنّ الهلالا وقال:
وهويتها سمراء غنّت وانثنتفنظرت من ورقاء في أملودها
تشدو ووسواس الحليّ يجبيهامهما انثنت في وشيها وعقودها
أوليس من بدع الزمان حمامةغنّت فغنّى طوقها في جيدها وقال:
لئن بكيت دماً والعزم من شيميعلى الخليط فقد يبكي الحسام دما [أشعار للحجام]
وقال أبو تمام غالب ابن رباح الحجام في دولابٍ طار منه لوحٌ فوقف:
وذات شدوٍ وما لها حلمٌكلّ فتىً بالضمير حيّاها
وطار لوحٌ بها فأوقفها ... كلمحة العين ثمّ أجراها وكان المذكور ربي في قلعة رباح غربي طليطلة، ولا يعلم له أب، وتعلم الحجامة فأتقنها، ثم تعلق بالأدب حتى صار آية، وهو القائل في ثريا الجامع:
تحكي الثريّا الثريّا في تألّقهاوقد عراها نسيمٌ فهي تتّقد
كأنّها لذوي الإيمان أفئدةٌمن التخشّع جوف الليل ترتعد وقال:
زرت الحبيب ولا شيءٌ أحاذرهفي ليلةٍ قد لوت بالغمض أجفارا
في ليلةٍ خلت من حسنٍ كواكبهادراهماً وحسبت البدر دينارا وقال في الثريا أيضاً:
انظر إلى سرجٍ في الليل مشرقةٍمن الزجاج تراها وهي تلتهب
كأنّها ألسن الحيّات قد برزتعند الهجير فما تنفكّ تضطرب وقال:
ترى النّسر والقتلى على عدد الحصىوقد مزّقت أحشاءها والترائبا
مضرّجةً ممّا أكلن كأنّها ... عجائز بالحنّا خضبن ذوائبا وقال، وقد أبدع غاية الإبداع، وأتى بما يحير الألباب، وإن كان أبو نواس فاتح هذا الباب:
وكأسٍ ترى كسرى بها في قرارةٍغريقاً ولكن في خليجٍ من الخمر
وما صورته فارساً عبثاً بهولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما كانوا له في حياتهفنومي إليه بالسجود وما ندري وما أحلى قوله:
الأقحوان رمى عليك ظلامةًلمّا عنفت عليه بالمسواك
لا يحمل النّور الأنيق تمسّهكفٌّ بعود بشامةٍ وأراك
وجلاؤه المخلوق فيه قد كفىمن أن يراع عراره بسواك وقوله:
صغار الناس أكثرهم فساداًوليس لهم لصاحةٍ نهوض
ألم تر في سباع الطير سرباًتسالمنا ويأكلنا البعوض وقد بلغ غاية الإحسن في قوله:
فما للملك ليس يرى مكانيوقد كحلت لواحظه بنوري
كذا المسواك مطّرحاً مهاناوقد أبقى جلاءً في الثغور ومن حسناته قوله:
لي صاحبٌ ما كان من صاحبٍفإنّه في كبدي جرحه
يحكي إذا أبصر لي ذلّةٍ ... ذبابةٍ تبصر في قرحه ولقيه أبو حاتم الحجاري على فرسٍ في غاية الضعف والرذالة قد أهلكها الوجى، وكانا في جماعتين، فقال له: يا أبا تمام أنشدني قولك:
وتحتي ريحٌ تسبق الريح إن جرتوما خلت أنّ الريح ذات قوائم
لها في المدى سبقٌ إلى كلّ غايةٍكأنّ لها سبقاً يفوق عزائمي
وهمّة نفسي نزهتها عن الوجا ... فيا عجباً حتى العلا في البهائم فلما أنشده إياها رد رأسه أبو حاتم إلى الجماعتين وقال: ناشدتكم الله
أيجوز لحجام على فرس مثل هذه الرمكة الهزيلة العرجاء، أن يقول مثل هذا فضحك جميع من حضر، وأقبل أبو تمام في غيظه يسبه.
ومن شعر الحجام المذكور قوله:
لا يفخر السيف والأقلام في يدهقد صار قطع سيوف الهند للقصب
فإن يكن أصلها لم يقو قوّتها" فإنّ في الخير معنىً ليس في العنب " وقال:
ثقلت على الأعداء إلاّ أنّهاخفّت على السّبّاب والإبهام
أخذت من الليل البهيم سوادهوبدت تنمّق أوجه الأيام وقال:
نظر الحسود فازدرى لي هيئةًوالفضل منّي لا يزال مبينا
قبحت صفاتي من تغيّر ودّهصدأ المرات يقبّح التحسينا وقال:
تصبّر وإن أبدى العدوّ مذمّةًفمهما رمى ترجع إليه سهامه
كما يفعل النّحل الملمّ بلسعهيريد به ضرّاً وفيه حمامه وقال:
وبارد الشعر لم يؤلم به ولقدأضرّ منه جميع النّاس واعتزلا
كأنّه الصلّ لا تأذيه ريقتهحتى إذا مجّها في غيره قتلا
وقال ابن الزقاق:
دعاك خليلٌ والأصيل كأنّهعليلٌ يقضي مدة الرمق الباقي
إلى شطّ منسابٍ كأنّك ماؤهصفاء ضميرٍ أو عذوبة أخلاق
ومهوى جناحٍ للصّبا يمسح الرّبىخفيّ الخوافي والقوادق خفّاق
على حين راح البرقّ في الجوّ مغمداًظباه ودمع المزن من جفنه راق
وقد حان منّي للرياض التفاتةٌحبست بها كأسي قليلاً عن الساق
على سطح خيريّ ذكرتك فانثنىيميل بأعناقٍ ويرنو بأحداق
فصل زهراتٍ منه هذا كأنّها ... وقد خضلت قطراً محاجر عشّاق ولما مدح الحسيب أبو [محمد] القاسم بن مسعدة الأوسي أمير المؤمنين عبد المؤمن بقوله:
حنانيك مدعوّاً ولبّيك داعيافكلٌ بما ترضاه أصبح راضيا
طلعت على أرجائنا بعد فترةٍوقد بلغت منّا النفوس التراقيا
وقد كثرت منّا سيوفٌ لدى العلاومن سيفك المنصور نبغي التقاضيا
وغيرك نادينا زماناً فلم يجب ... وعزمك لم يحتج علاه مناديا كتب اسمه وزير عبد المؤمن في جملة الشعراء، فلما وقف على ذلك عبد المؤمن ضرب على اسمه وقال: إنما يكتب هذا في جملة الحسباء، لا تدنسوه بهذه النسبة، فلسنا ممن يتغاضى على غمط حسبه، ثم أجزل صلته، وأمر له بضيعة يحرث له بها، يعني بذلك أنه من ذرية ملوك، لأن جده كان ملك وادي الحجارة.
وقال أبو بكر محمد بن أزرق:
هل علم الطائر في أيكهبأنّ قلبي للحمى طائر
ذكّرني عهد الصّبا شجوهوكلّ صبّ للصّبا ذاكر
سقى عهوداً لهم بالحمىدمعٌ له ذكرهم ناثر وقال أبو جعفر ابن أزرق:
أراك ملكت الخافقين مهابةًبها ما تلحّ الشّهب بالخفقان
وتغضي العيون عن سناك كأنّهاتقابل منك الشمس في اللمعان
وتصفرّ ألوان العداة كأنّمارموا منك طول الدهر باليرقان وقال أبو القاسم ابن أزرق:
ذاك الزمان الذي تقضّىيا ليته عاد منه حين
بكلّ عمري الذّي تبقّىوما أنا في الشّرا غبين وقال راشد بن عريف الكاتب:
جمّع في مجلسٍ ندامىتحسدني فيهم النجوم
فقال لي منهم نديم:ما لك إذ قمت لا تقوم
فقلت: إن قمت كلّ حينفإن حظّي بكم عظيم
وليس عندي إذن ندامىبل عندي المقعد المقيم
وقال الحسيب أبو جعفر ابن عائش:
ولي أخٌ أورده سلسلاًلكنّه يوردني مالحا
ألقاه كي أبسطه ضاحكاًويلتقيني أبداً كالحا
وليس ينفكّ عنائي به ... ما رمت من فاسده صالحا قال الحجاري: وكتب إلى إبراهيم في يوم صحوٍ بعد مطر:
إذا رأيت الجو يصحو فلاتصح، سقاك الله، من سكر
تعال فانظر لدموع الندىما فعلت في مبسم الزهر
ولا تقل إنّك في شاغلٍفليس هذا آخر الدهر
يخلف ما فات سوى ساعةٍتقنص فيه لذّة الخمر فأجابه:
لبّيك لبّيك ولو أنّنيأسعى على الرأس إلى مصر
فكيف والدار جواري وماعندي من شغلٍ ولا عذر
ولو غدا لي ألف شغلٍ بلاعذرٍ تركت الكلّ للحشر
وكلّما أبصرني ناظرٌبباكم عظّم من قدري
أنا الذي يشربها دائماًما حضرت في الصحو والقطر
وليس نقلي أبداً بعدها ... إلا الذي تعهد من شكري قال الحجاري: ولم يقصر جدي في جرابه، وكن ابن عائش أشعر منه في ابتدائه، ولو لم يكن له إلا قوله " تعال فانظر - إلخ " لكفاه، قال: وفيه يقول جدي إبراهيم يمدحه:
ولو كان ثانٍ في الندى لابن عائشٍلما كان في شرقٍ وغربٍ أخو فقر
يهشّ إلى الأمداح كالغصن للصّباوبشر محيّاه ينوب عن الزهر
فيا ربّ زد في عمره إنّ عمره ... حياة أناسٍ قد كفوا كلفة الدهر وقتله ابن مسعدة ملك وادي الحجارة الثائر بها، ولما قدمه ليقتله قال: إرفق علي أخاصم عن نفسي، فقال: على لسانك قتلناك، فقال له: لا رفق الله عليك يوم تحتاج إلى رفقه! فقال بجبروته: ما رهبنا السيوف الحداد، نرهب دعاء الحساد!
وقال أبو [علي] الحسن بن علي [بن] شعيب:
انزعي الوشي فهو يستر حسناًلم تخزه برقمهنّ الثياب
ودعيني عسى أقبّل ثغراًلذّ فيه اللمى وطاب الرّضاب
وعجيبٌ أن تهجريني ظلماً ... وشفيعي إلى صباك الشباب وقال أخوه أبو حامد الحسين حين كبا به فرسه فحصل في أسر العدو:
وكنت أعدّ طرفي للرزايايخلّصني إذا جعلت تحوم
فأصبح للعدا عوناً لأنّيأطلت عناءه فأنا الظلوم
وكم دامت مسراتي عليه ... وهل شيءٌ على الدنيا يدوم وقال أبو الحسن علي بن رجاء صاحب دار السكة والأحباس بقرطبة:
يا سائلي عن حالتي إنّنيلا أشتكي حالي لمن يضعف
مع أنّني أحذر من نقده ... لا سيّما إن كان لا ينصف وأنشد له الحميدي في " الجذوة ":
قل لمن نال عرض من لم ينلهحسبنا ذو الجلال والإكرام
لم يزدني شيئاً سوى حسناتٍلا ولا نفسه سوى آثام
كان ذا منعة فثقّل ميزاني بهذا فصار من خدّامي وقال أبو محمد القاسم ابن الفتح:
أيام عمرك تذهبوجميع سعيك يكتب
ثمّ الشهيد عليك منك فأين المهرب وقال أبو مروان عبد الملك بن غصن:
فديتك لا تخف منّي سلوّاًإذا ما غير الشعر الصّغارا
أهيم بدنّ خمرٍ صار خلاًوأهوى لحيةً كانت عذارى وقال:
قد ألحف الغيم بانسكابهوالتحف الجوّ في سحابه
وقام داعي السرور يدعواحيّ على الدنّ وانتهابه
وتاه فيه النديم ممّايزدحم الناس عند بابه وكان أحد الأعلام في الآداب والتاريخ والتأليف
ونقم عليه المأمون بن ذي النون بسبب صحبته لرئيس بلده ابن عبيدة، وبلغه أنه يقع فيه فنكبه أشر نكبة، وحبسه فكتب إليه من السجن:
فديتك هل لي منّك رحمى لعلّنيأفارق قبراً في الحياة فأنشر
وليس عقاب المذنبين بمنكرٍولكن دوام السخط والعتب ينكر
ومن عجبٍ قول العداة مثقّلٌ ... ومثلي في إلحاحه الدهر يعذر وألف للمأمون رسالة " السجن والمسجون والحزن والمحزون " ورسالة أخرى سماها ب " العشر كلمات "، وقال:
يا فتيةً خيرةً فدتهممن حادثات الزمان نفسي
شربهم الخمر في بكورٍونطقهم عندها بهمس
أما ترون الشتاء يلقيفي الأرض بسطاً من الدمقس
مقطّبٌ عابسٌ ينادي ... يوم سرورٍ ويوم أنس وقال عنه الحميدي في الجذوة: إنه شاعرٌ أديب، دخل المشرق، وتأدب، وحج، ورجع، وشعره كثير.
وله أبيات كتبها في طريق الحج إلى أحد القضاة:
يا قاضياً عدلاً كأنّ إمامهملكٌ يريه واضح المنهاج
طافت بعبدك في البلاد علّةٌقعدت به عن مقصد الحجاج
واعتلّ في البحر الأجاج فكن له ... بحراً من المعروف غير أجاج وقال الزاهد الورع المحدث أبو محمد إسماعيل ابن الديواني:
ألا أيّها العائب المعتديومن لم يزل مؤذياً ازدد
مساعيك يكتبها الكاتبونفبيّض كتابك أو سوّد وقال ابنه أبو بكر محمد:
خاصم عدوّك باللسان وإن قدرت فبالسّنان
إنّ العداوة ليس يصلحها الخضوع مدى الزمان وقال إبراهيم الحجاري جد صاحبه " المسهب ":
لئن كرهوا يوم الوداع فإنّنيأهيم به وجداً من آجل عناقه
أصافح من أهواه غير مساترٍوسرّ التلاقي مودعٌ في فراقه وقال:
كن كما شئت إنني لا أحولغير مصغٍ لما يقول العذول
لك والله في الفؤاد محلٌّما إليه مدى الزمان وصول
ومرادي بأن تزور خفيّاًليت شعري متى يكون السبيل وقال:
قد توالت في حالتينا الظنونفلنصدق ما كذبته العيون
ومرادي بأن تلوح بأفقيبدر تمّ وذاك ما لا يكون
أنا قد قلت ما دعاني إليهكثرة اليأس، والحديث شجون
وإذا شئت أن تسفّه رأييفمحلّي من الرقيب مصون
وبه ما تشاء من كلّ معنىكلّ من لم يجب له مجون
وإلى كم تضلّ ليل الأمانيومن اليأس لاح صبحٌ مبين وقال:
سألته عن أبيهفقال خالي فلان
فانظر عجائب ما قدأتت به الأزمان
دهرٌ عجيبٌ لديهعن المعالي حران
فما له غير ذمّ ... كما تدين تدان وقال الكاتب العالم أبو محمد ابن خيرة الإشبيلي صاحب كتاب " الريحان والريعان " يمدح السيد أبا حفص ملك إشبيلية ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي قصيدة:
كأنّما الأفق صرحٌ والنجوم بهكواعبٌ وظلام الليل حاجبه
وللهلال اعتراضٌ في مطالعهكأنّه أسودٌ قد شاب حاجبه
وأقبل الصبح فاستحيت مشارقهوأدبر الليل فاستخفت كواكبه
كالسيد الماجد الأعلى الهمام أبي ... حفصٍ لرحلته ضمّت مضاربه وأنشد له ابن الإمام في " سمط الجمان ":
رعياً لمنزله الخصيب وظلّهوسقى الثرى النجديَّ سحّ ربابه
واهاً على ساداته لا أدّعيكلفاً بزينبه ولا بربابه ويعرف رحمه الله تعالى بابن المواعيني
وقال ابنه أبو جعفر أحمد:
يا أخي هاتها وحجّب سناهاعن مثير بها جنوناً وسخفا
هذه الشمس إن بدت لضعيف العين زادت في ذلك الضعف ضعفا
إنّما يشرب المدامة من إن ... خشنت كفّه جفاها وكفّا وكتب الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حبيب الملقب بحبيب إلى أبيه: لما خلق الربيع من أخلاقك الغر، وسرق زهره من شيمك الزهر، حسن في كل عين منظره، وطاب في كل سمعٍ خبره، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه، ومالت إلى الإشراف على بعض ما يحتويه، من النور الذي بسط على الأرض حللا، لا ترى في أثنائها خللا، سلوكٌ نثرت على الثرى، وقد ملئت مسكاً وعنبرا، إن تنسمتها فأرجة، أو توسمتها فبهجة:
فالأرض في بزّة من يانع الزهرتزري إذا قستها بالوشي والحبر
قد أحكمتها أكفّ المزن واكفةًوطرزتها بما تهمي من الدرر
تبرّجت فسبت منّا العيون هوىً ... وفتنةً بعد طول الستر والخفر فأوجد لي سبيلاً إلى إعمال بصري فيها، لأجلو بصيرتي بمحاسن نواحيها، والفصل على أن يكمل أوانه، ويتصرم وقته وزمانه، فلا تخلني من بعض التشفي منه، لأصدر نفسي متيقظة عنه، فالنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، ومن سعى في جلائها فهو الرشيد السديد.
ومن شعره يصف ورداً بعث به إلى أبيه:
يا من تأزّر بالمكارم وابتلىبالمجد والفضل الرفيع الفائق
انظر إلى خدّ الربيع مركباًفي وجه هذا المهرجان الرائق
وردٌ تقدّم تقدّم إذ تأخرّ واغتدىفي الحسن والاحسان أول سابق
وافاك مشتملاً بثوب حيائهخجلاً لأن حيّاك آخر لاحق وله:
أتى الباقلاء الباقل اللون لابساًبرود سماء من سحائبها غذي
ترى نوره يلتاح في ورقاتهكبلق جيادٍ في جلال زمرد وقال:
إذا ما أدرت كؤوس الهوىففي شربها لست بالمؤتلي
مدامٌ تعتّق بالناظرين ... وتلك تعتّق بالأرجل وكان وهو ابن سبع عشرة سنة ينظم النظم الفائق، وينثر النثر الرائق، وأبو جعفر ابن الأبار هو الذي صقل مرآته، وأقام قناته، وأطلعه شهاباً ثاقباً، وسلك به إلى فنون الآداب طريقاً لاحباً، وله كتاب سماه ب " البديع في فصل الربيع " جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة، أعرب فيه عن أدب غزير، وحظ من الحفظ موفور، وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، واستوزره داهية الفتنة، ورحى المحنة، قاضي إشبيلية عباد جد المعتمد، ولم يزل يصغي إلى مقامه، ويرضى بفعاله، وهو ما جاوز العشرين إذ ذاك،
وأكثر نظمه ونثره في الأزاهر، وذلك يدل على رقة نفسه، رحمه الله تعالى.
وقال الوزير الكاتب أبو الحسن علي بن حصن وزير المعتضد بن عباد:
عليّ أن أتذلّلله وأن يتدلّل
خدٌّ كأنّ الثرياعليه قرطٌ مسلسل وقال:
طلّ على خدّه العذارفافتضح الآس والبهار
وابيضّ هذا واسودّ هذا ... فاجتمع الليل والنّهار وقال الوزير أبو الوليد ابن طريف في المعتمد بعد خلعه:
يا آل عبادٍ ألا عطفةٌفالدهر من بعدكم مظلم
من الذي يرجى لنيل العلاومن إليه يفد المعدم
ما أنكر الدهر سوى أنّهبجودكم في فعله يرغم وله:
من حلقت لحية جارٍ له ... فليسكب الماء على لحيته وقد أجرينا في هذا الكتاب ذكر جملة من أخبار المعتمد بن عباد ونظمه في أماكن متعددة فلتراجع؛ ومن نظمه:
ثلاثةٌ منعتها عن زيارتناخوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق
ضوء الجبين، ووسواس الحليّ، وماتحوي معاطفها من عنبرٍ عبق
هب الجبين بفضل الكمّ تسترهوالحلي تنزعه، ما حيلة العرق وقال:
يوم يقول الرسول قد أذنتفأت على غير رقبة ولج
أقبلت أهوي إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الهرج قالوا ويستدل على الملوكية بالطيب في المواطن التي يكون الناس فيها غير معروفين كالحمام ومعارك الحرب ومواسم الحج.
رجع إلى ما كنا فيه:
وقال أبو العباس أحمد الخزرجي القرطبي:
وفي الوجنات مافي الروض لكنلرونق زهرها معنىً عجيب
وأعجب ما التعجّب منه أنّي ... أرى البستان يحمله قضيب وقال الوزير أبو [أيوب] سليمان بن أبي أمية يخاطب رئيساً قد بلغه عن بعض أصحابه كلام فيه غض منه:
هوّن عليك كلامهواسمح له فيمن سمح
ماذا يسوءك إن هجاماذا يسرّك إن مدح
أوما علمت بلى جهلت بأنّه غلٌّ طفح
وخفيٌّ حقدٍ كامنٍدأبوا له حتى اتضح
هذا بمستنّ الوقار فكيف لو دار القدح
فاشكر عوارف ذي الجلا ... ل بما وقى وبما منح وقال أبو علي عمر بن أبي خالد يخاطب أبا الحسن علي بن الفضل:
أبا حسنٍ وما قدمت عهودٌلنا بين المنارة والجزيره
أتذكر أنسنا والليل داجٍبخمرٍ في زجاجتها منيره
إذا الملاح ضلّ رنا إليها ... فأبصر في مناحيه مسيره وقال الكاتب عبد الله المهيريس، وكان حلو النادرة، لما شرب عند الوزير أبي العلاء ابن جامع وقد نظر إلى فاختة فأعجبه حسنها ولحنها:
ألا خذها إليك أبا العلاحلى الأمداح ترفل في الثّناء
وهبها قينةً تجلى عروساًخضيب الكفّ قانية الرداء
لأجعلها محلّ جليس أنسيوأغنى بالهديل عن الغناء وحكي أنه ناوله ليمونة وأمره بالقول فيها فقال:
أهدى إليّ بروضةٍ ليمونةًوأشار بالتشبيه فعل السيد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع