من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (١٠)
فصمتّ حيناً ثم قلت: كجلجلٍ ... من فضةٍ تعلوه صفرة عسجد وقال الكاتب أبو بكر ابن البناء يرثني أحد بني عيد المؤمن، وقد عزل من بلنسية وولي إشبيلية فمات بها:
كأنّك من جنس الكواكب كنت لمتفارق طلوعاً حالها وتواريا
تجلّيت من شرقٍ تروق تلألؤاً ... فلمّا انتحيت الغرب أصبحت هاويا وكان محمد بن مروان بن زهر - كما في المغرب والمسهب والمطرب، وقد قدمنا بعض أخباره - منشأ الدولة العبادية وأول من تثنى عليه الخناصر، وتستحسنه البواصر، فضاقت الدولة العبادية عن مكانه، وأخرج عن بلده، فاستصفيت أمواله، فلحق بشرق الأندلس، وأقام فيه بقية عمره، ونشأ ابنه الوزير أبو مروان عبد الملك بن محمد، فما بلغ أشده، حتى سد مسده، ومال إلى التفننفي أنواع التعاليم من الطب وغيره، ورحل إلى المشرق لأداء الفرض، فملأ البلاد جلالة، ونشأ ابنه ابو العلاء زهر بن عبد الملك، فاخترع فضلاً لم يكن في الحساب، وشرع نبلاً قصرت عنه نتائج أولي الألباب، ونشأ بشرق الأندلس والآفاق تتهادى عجائبه، والشام والعراق تتدارس بدائعه وغرائبه، ومال إلى علم الأبدان فلولا جلالة قدره، لقلنا جاذب هاروت طرفاً من سحره، ولولا أن الغلو آفة المديح، لتجاوزت طلق الجموح، ولكنني اكتفيت بالكناية عن التصريح، ولم يزل مقيماً بشرق الأندلس إلى أن كان من غزاة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ومن انضم إليه من ملوك الطوائف ما علم، وشخص أبو العلاء معهم، فلقيه المعتمد بن عباد، واستماله واستهواه، وكاد يغلب على هواه، وصرف عليه أملاكه فحن إلى وطنه، حنين النيب إلى عطنه، والكريم إلى سكنه، ونزع إلى مقر سلفه، نزوع الكوكب إلى بيت شرفه، إلا أنه لم يستقر بإشبيلية إلا من بعد خلع المعتمد، وحل عند يوسف بن تاشفين محلاً لم يحله الماء من العطشان، ولا الروح من جسد الجبان، ولما كتب إليه حسام الدولة ابن رزين ملك السهلة بقوله:
عاد اللئيم فأنت من أعدائهودع الحسود بغلّه وبذائه
لا كان إلا من غدت أعداؤهمشغولةً أفواههم بجفائه
أأبا العلاء لئن حسدت لطالماحسد الكريم بجوده ووفائه
فخر العلاء فكنت من آبائهوزها السناء فكنت من أبنائه
كن كيف شئت مشاهداً أو غائباًلا كان قلبٌ لست في سودائه أجابه بقوله:
يا صارماً حسن العدا بمضائهوتعبّد الأحرار حسن وفائه
ما أثّر العضب الحسام بذاته ... إلا بأن سمّيت من أسمائه وكلفه الحسام المذكور القول في غلام قائم على رأسه، وقد عذر، فقال:
محيت آية النهار فأضحىبدر تمٍّ وكان الشمس نهار
كان يعشي العيون ناراً إلى أنأشغل الله خدّه بالعذار وقال:
عذارٌ ألمّ فأبدى لنابدائع كنّا لها في عمى
ولو لم يحنّ النهار الظلام لم يستبن كوكبٌ في السما وقال:
يا راشقي بسهامٍ ما لها غرضإلا الفؤاد وما منه له عوض
وممرضي بجفون لحظها غنجٌصحّت وفي طبعها التمريض والمرض
امنن ولو بخيالٍ منك يؤنسنيفقد يسدّ مسدّ الجوهر العرض وهذا معنى في غاية الحسن
وكان بينه وبين الإمام أبي بكر ابن باجة - بسبب المشاركة - ما يكون
بين النار والماء، والأرض والسماء، ولما قال فيه ابن باجة:
يا ملك الموت وابن زهرٍجاوزتما الحدّ والنهايه
ترفّقا بالورى قليلاًفي واحد منكما الكفايه قال أبو العلاء:
لا بد للزنديق أن يصلباشاء الذي يعضده أو أبى
قد مهّد الجذع له نفسه ... وسدّد الرمح إليه الشّبا والذي يعضده مالك بن وهب جليس أمير المسلمين وعالمه.
وأما حفيده أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر فهو وزير إشبيلية وعظيمها وطبيبها وكريمها، ومن شعره:
رمت كبدي أخت السماء فأقصدتألا بأبي رامٍ يصيب ولا يخطي
قريبة ما بين الخلاخيل إن مشتبعيدة ما بين القلادة والقرط
نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى ... كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي وتوفيسنة خمس وتسعين وخمسمائة، وأمر أن يكتب على قبره:
تأمّل بفضلك يا واقفاًولاحظ مكاناً دفعنا إليه
تراب الضريح على صفحتيكأنّي لم أمش يوماً عليه
أداوي الأنام حذار المنونفها أنا قد صرت رهناً لديه رحمه الله تعالى، وعفى عنه
وفي هذه الأبيات إشارة إلى طبه ومعالجته للناس، رحمه الله تعالى، وقد ذكرنا بعض أخباره في غير هذا الموضع.
وقال أبو الوليد ابن حزم:
مرآك مرآك شمسٌ ولا قمروورد خدّيك لا وردٌ ولا زهر
في ذمّة الله قلبٌ أنت ساكنهإن بنت بان فلا عينٌ ولا أثر وقال:
لله أيامٌ على وادي القرىسلفت لنا والدهر ذو ألوان
إذ نجتلي في ظله ثمر المنىوالطير ساجعةٌ على الأغصان
والشمس تنظر من محاجر أرمدٍوالطّلّ يركض في النسيم الواني
فلثمت فاه والتزمت عناقهويد الوصال على قفا الهجران وقال ابن عبد ربه:
يا قابض الكفّ لا زالت مقبّضةًفما أناملها للنّاس أرزاق
وغب إذا شئت حتى لا ترى أبداًفما لفقدك في الأحشاء إقلاق وقال في المدح:
وما خلقت كفّاك إلاّ لأربعٍعقائل لم تخلق لهنّ يدان
لتقبيل أفواهٍ، وإعطاء نائل ... وتقليب هنديّ، وحبس عنان وقال الكاتب أبو عبد الله ابن مصادق الرندي الأصل:
صارمته إذ رأت عارضهعاد من بعد الشّباب أشيبا
قلت ما ضرّك شيبٌ فلقدبقيت فيه فكاهات الصّبا
هو كالعنبر غالٍ نفحهوشذاه أخضراً أو أشهبا وقال:
ووردة وردت في غير موقتهاوالسّحب قد هملت أجفانها هطلا
وإنّما الروض لمّا لم يفد ثمراًيقريكه انفتحت في خده خجلا وله:
لم أحتفل لقدوم العيد من زمنقد كان يبهجني إذ كنت في وطني
لم ألق أهلي ولا إلفي ولا ولديفليت شعري سروري واقعٌ بمن وقال:
يقول لي العاذل تب عن هوىمن ليس يدنيك إلى مطلب
وكيف لي والدين دين الهوىفلا أرى من مذهبي
أليس باب التوب قد سدهطلوعه شمساً من المغرب وله:
امنع كرائمك الخروج ولاتظهر لذلك وجه منبسط
لا تعتبر منهن مسخطةًنيل الرضى في ذلك السخط
أولسن مثل الدرّ في شبهٍوالدرّ من صدفٍ إلى سفط
وقال المعتمد بن عباد:
تمّ له الحسن بالعذارواختلط الليل بالنّهار
أخضرٌ في أبيضٍ تبدّىفذاك آسي وذاك بهاري
فقد حوى مجلسي تماماًإن يك من ريقه عقاري وقال ابن فرج الجياني رحمه الله تعالى:
وطائعة الوصال صددت عنهاوما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرةً فباتتدياجي الليل سافرة القناع
وما من لحظةٍ إلا وفيهاإلى فتن القلوب لها دواعي
فملّكت الهوى جمحات أمريلأجري في العفاف على طباعي
كذاك الروض ما فيه لمثليسوى نظرٍ وشمّ من متاعٍ
ولست من السوائم مهملاتفأتخذ الرياض من المراعي وقال:
بأيهما أنا في الشكر باديبشكر الطيف أم شكر الرقاد
سرى فازداد لي أملي ولكنعففت فلم أنل منه مرادي
وما في النوم من حرجٍ ولكنجريت مع العفاف على اعتيادي وقال الرصافي:
وعشيّ أنسٍ للسرور وقد بدامن دون قرص الشمس ما يتوقّع
سقطت فلم يملك نديمك ردّهافوددت يا موسى لو آنّك يوشع وقال ابن عبد ربه:
يراعةٌ غرّني منها وميض سناًحتى مددت إليها الكفّ مقتبسا
فصادفت حجراً لو كنت تضربهمن لؤمه بعصا موسى لما انبجسا
كأنّما صيغ من لؤمٍ ومن كذبٍفكان ذاك له روحاً وذا نفسا وقال ابن صارة في فروة:
أودت بذات يدي فريّة أرنبٍكفؤاد عروة في الضّنى والرّقة
يتجشّم الفرّاء من ترقيعهابعد المشقّة في قريب الشّقّة
لو أنّ ما أنفقت في ترقيعهايحصى لزاد على رمال الرّقّة
إن قلت بسم الله عند لباسهاقرأت عليّ " إذا السماء انشقّت " وقال الغزال:
والمرء يعجب من صغيرة غيرهأيّ امرئ إلاّ وفيه مقال
لسنا نرى من ليس فيه غميزةٌأيّ الرجال القائل الفعّال وقال أبو حيان:
لا ترجونّ دوام الخير من أحدٍفالشرّ طبعٌ وفيه الخير بالعرض
ولا تظنّ امرءاً أسدى إليك ندىًمن أجل ذاتك بل أسداه للغرض
وقال ابن شهيد:
ولما فشى بالدمع ما بين وجدناإلى كاشحينا ما القلوب كواتم
أمرنا بإمساك الدموع جفونناليشجى بما نطوي عذولٌ ولائم
أبى دمعنا يجري مخافة شامتٍفنظّمه بين المحاجر ناظم
وراق الهوى منّا عيوناً كريمةًتبسّمن حتى ما تروق المباسم وقال في الانتحال:
وبلّغت أقواماً تجيش صدورهمعليّ وإنّي فيهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزاًوغاصوا على سري فأعجزهم أمري
فقال فريقٌ: ليس ذا الشعر شعرهوقال فريقٌ أيمن الله ما ندري
فمن شاء فليخبر فإنّي حاضرٌ ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر وينظر إلى مثل هذا قصة أبي بكر ابن بقي حين استهدى من بعض إخوانه أقلاماً فبعث إليه بثلاث من القصب، وكتب معها:
خذها إليك أبي بكر العلا قصباًكأنّما صاغها الصوّاغ من ورقه
يزهى بها الطرس حسناً ما نثرت بهامسك المداد على الكافور من ورقه فأجابه أبو بكر:
أرسلت نحوي ثلاثاً من قناً سلبٍميّادة تطعن القرطاس في درقه
فالخطّ ينكرها والحظّ يعرفهاوالرّقّ يخدمها بالرّقّ في عنقه
فحسده عليه بعض من سمعه، ونسبه إلى الانتحال، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأول:
وجاهلٍ نسب الدعوى إلى كلميلمّا رماه بمثل النّبل في حدقه
فقلت من حنقٍ لما تعرّض ليمن ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه
ما ذمّ شعري وأيم الله لي قسمٌإلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه
والشعر يشهد أنّي من كواكبهبل الصباح الذي يستنّ من أفقه وقال ابن شهيدٍ أيضاً في ضيف:
وما انفكّ معشوق الثناء يمدّهببشرٍ وترحيبٍ وبسط بنان
إلى أن تشهّى البين من ذات نفسهوحنّ إلى الأهلين حنّة حاني
فأتبعه ما سدّ خلّة حالهوأتبعني ذكراً بكلّ مكان وقال:
وبتنا نراعي اللّيل لم يطو بردهولم يجل شيب الصبح في فوده وخطا
تراه كملك الزنج من فرط كبرهإذا رام مشياً في تبختره أبطا
مطلاًّ على الآفاق والبدر تاجه ... وقد جعل الجوزاء في أذنه قرطا وقال بعضهم في لباس أهل الأندلس البياض في الحزن، مع أن أهل المشرق يلبسون فيه السواد:
ألا يا أهل أندلسٍ فطنتمبلطفكم إلى أمرٍ عجيب
لبستم في مآتمكم بياضاًفجئتم منه في زيّ غريب
صدقتكم فالبياض لباس حزنٍولا حزنٌ أشدّ من المشيب وقال أبو جعفر ابن خاتمة:
هل جسومٌ يوم النوى ودّعوهاباقياتٌ لسوء ما أودعوها
يا حداة القلوب ما العدل هذاأتبعوها أجسامها أو دعوها وقال القسطلي يصف هول البحر:
إليك ركبنا الفلك تهوي كأنّهاوقد ذعرت عن مغرب الشمس غربان
على لجج خضرٍ إذا هبّت الصّباترامى بها فينا ثبيرٌ وثهلان
مواثل ترعى في ذراها موائلاًكما عبدت في الجاهلية أوثان
يقلن وموج البحر والهمّ والدجىيموج بها فيها عيونٌ وآذان
ألا هل إلى الدنيا معادٌ وهل لنا ... سوى البحر قبرٌ أو سوى الماء أكفان وقال الرمادي يهنئ ابن العطار الفقيه بمولود:
يهنيك ما زادت الأيام في عددكمن فلذةٍ برزت للسعد من كبدك
كأنّما الدهر دهرٌ كان مكتئباًمن انفرادك حتى زاد في عددك
لا خلّفتك الليالي تحت ظلّ ردىًحتى ترى ولداً قد شبّ من ولدك وقال ابن صارة في النار:
هات التي للأيك أصل ولادهاولها جبين الشمس في الأشماس
يتقشّع الياقوت في لبّاتهابوساوسٍ تشفي من الوسواس
أنس الوحيد وصبح عين المجتليولباس من أمسى بغير لباس
حمراء ترفل في السواد كأنّماضربت بعرقٍ في بني العباس وقال فيها أيضاً:
لابنة الزّند في الكوانين جمرٌكالدراري في الليلة الظلماء
خبروني عنها ولا تكذبونيألديها صناعة الكيمياء
سبكت فحمها سبائك تبرٍرصّعته بالفضّة البيضاء
كلمّا ولول النسيم عليهارقصت في غلالةٍ حمراء
سفرت عن جبينها فأرتناحاجب الليل طالعاً بالعشاء
لو تراها من حولنا قلت يومٌيتعاطون أكؤس الصّهباء وقال فيها الفقيه الأديب ابن لبال:
فحمٌ ذكا في حشاه جمرٌفقلت مسكٌ وجلّنار
أو خدّ من قد هويت لمّا ... أطلّ من فوقه العذار وكان أبو المطرف الزهري جالساً في باب داره مع زائر له، فخرجت عليهما من زقاقٍ ثانٍ جاريةٌ سافرة الوجه كالشمس الطالعة فحين نظرتهما على غفلةٍ منها نفرت خجلة، فرأى الزائر ما أبهته فكلّفه وصفها، فقال مرتجلاً:
يا ظبيةً نفرت والقلب مسكنهاخوفاً لختلي بل عمداً لتعذيبي
لا تختشي فابن عبد الحقّ أنحلناعدلاً يؤلف بين الظبي والذيب وقال ابن شهيد:
أصباحٌ لاح أم بدرٌ بداأم سنا المحبوب أورى زندا
هبّ من نعسته منكسراًمسبلٌ للكمّ مرخٍ للرّدا
يمسح النعسة من عيني رشاصائد في كلّ يوم أسدا
قلت هب لي ياحبيبي قبلةتشف من همّك تبريح الصّدى
فانثنى يهتزّ من منكبهقائلاً لا ثمّ أعطاني اليدا
كلّما كلّمني قبّلتهفهو ما قال كلاماّ ردّدا
قال لي يلعب صد لي طائراًفتراني الدهر أجري بالكدا
وإذا استنجزت يوماً وعدهقال لي يمطل ذكّرني غدا
شربت أغصانه خمر الصّباوسقاه الحسن حتى عربدا
رشأ بل غادةٌ ممكورةٌعمّمت صبحاً بليلٍ أسودا
أححت من عضة في نهدهاثم عضت حرّ وجهي عمدا
فأنا المجروح من عضّتهالا شفاني الله منها أبدا وقال محمد بن هانئ في الشيب:
بنتم فلولا أن أغبّر لمّتيعبثاّ وألقاكم عليّ غضابا
لخضبت شيباً في مفارق لمتيومحوت محو النفس عنه شبابا
وخضبت مبيضّ الحداد عليكملو أنّني أجد البياض خضابا
وإذا أردت على المشيب وفادةًفاجعل مطيّك دونه الأحقابا
فلتأخذنّ من الزمان حمامةً ... ولتدفعنّ إلى الزمان غرابا وكتب ابن عمار إلى ابن رزين وقد عتب عليه أن اجتاز ببلده ولم يلقه:
لم تثن عنك عناني سلوةٌ خطرتولا فؤادي ولا سمعي ولا بصري
لكن عدتني عنكم خجلةٌ خطرتكفاني العذر منها بيت معتذر
" لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر " وقال ابن الجد:
وإنّي لصبٌّ للتلاقي وإنّمايصبّ ركابي عن معاهدك العسر
أذوب حياء من زيارة صاحبٍإذا لم يساعدني على برّهالوفر وقال ابن عبد ربه:
يا من عليه حجابٌ من جلالتهوإن بدا لك يوماً غير محجوب
ما أنت وحدك مكسوّاً ثياب ضنىبل كلّنا بك من مضنى ومشحوب
ألقى عليك يداً للضرّ كاشفةًكشّاف ضرّ نبيّ الله أيوب
وقال النحلي في مغنية:
ولاعبة الوشاح كغصن بانٍلها أثرٌ بتقطيع القلوب
إذا سوّت طريق العود نقراًوغنّت في محبّ أو حبيب
فيمناها تقدّ بها فؤاديويسراها تعدّ بها ذنوبي وقال ابن شهيد:
كلفت بالحب حتى لو دنا أجليلما وجدت لطعم الموت من ألم
وعاقني كرمي عمّن ولهت به ... ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم وكان بشريش صوفي حافظ للشعر، فلا يعرض في مجلسه معنى إلا وهو ينشد عليه، فاتفق أن عطس رجل بمجلسه، فشمته الحاضرون، فدعا لهم، فرأى الصوفي أنه إن شمته قطع إنشاده بما لا يشاكله من النظم، وإن لم يشمته كان تقصيراً في البر، فرغب حين أصبح من الطلبة نظم هذا المعنى، فقال الوزير الحسيب أبو عمرو ابن أبي محمد:
يا عاطساً يرحمك الله إذأعلنت بالحمد على عطستك
ادع لنا ربّك يغفر لناوأخلص النية في دعوتك
وقل له يا سيدي رغبتيحضور هذا الجمع في حضرتك
وأنت يا ربّ النّوىبارك ربّ الناس في ليلتك
فإن يكن منكم لنا عودةٌفأنت محمودٌ على عودتك
وهذا الوزير المذكور كان يصرف شعره في أوصاف الغزلان ومخاطبات الإخوان، وكتب إلى الشريشي - شارح المقامات - يستدعي منه كتاب العقد:
أيا من غدا سلكاً لجيد معارفهومن لفظه زهرٌ أيقٌ لقاطفه
محبّك أضحى عاطل الجيد فلتجد ... بعقدٍ على لبّاته وسوالفه ووعك في بعض الأعياد، فعاده من أعيان الطلبة جملة، فلما هموا بالانصراف أنشدهم ارتجالاً:
لله درّ أفاضل أمجادشرف النّديّ بقصدهم والنادي
لمّا أشاروا بالسلام وأزمعواأنشدتهم وصدقت في الإنشاد
في العيد عدتم وهو يوم عروبةٍ ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد قال الشريشي في شرح المقامات: ولقد زرته في مرضه الذي توفي فيه رحمه الله تعالى أنا وثلاثة فتيان من الطلبة، فسألني عنهم وعن آبائهم، فلما أرادوا الانصراف ناول أحدهم محبرة، وقال له: اكتب، وأملى عليه ارتجالاً:
ثلاثة فتيانٍ يؤلف بينهمنديٌّ كريمٌ لا أرى الله بينهم
تشابه خلقٌ منهم وخليقةٌفإن قلت أين الحسن فانظره أين هم
وزيّنهم أستاذهم إذ غدا لهممعلم آياتٍ فتمم زينهم
فإن خفت من عينٍ ففي الكلّ فل تقل ... وقى الله ربّ الناس للكلّ عينهم وقال الشريشي: حدثنا شيخنا أبو الحسين ابن زرقون، عن أبيه أبي عبد الله، أنه قعد مع صهره أبي الحسن عبد الملك بن عياش
الكاتب على بحر المجاز، وهو مضطرب الأمواج، فقال له أبو الحسن: أجز:
وملتطم الغوارب موّجتهبوارح في مناكبها غيوم فقال أبو عبد الله:
تمنّع لا يعوم به سفينٌ ... ولو جذبت به الزّهر النجوم وكان لابن عبد ربه فتىً يهواه، فأعلمه أنه يسافر غداً، فلما أصبح عاقه المطر عن السفر، فانجلى عن ابن عبد ربه همه، وكتب إليه:
هلا ابتكرت لبينٍ أنت مبتكرهيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهباًحتى رثى لي فيك الريح والمطر
يا برده من حيا مزنٍ على كبدٍنيرانها بغليل الشوق تستعر
آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراًحتى أراك فأنت الشمس والقمر وقال ابن عبد ربه:
صل من هويت وإن أبدى معاتبةًفأطيب العيش وصلٌ بين إلفين
واقطع حبائل خدنٍ لا تلائمهفقلّما تسع الدنيا بغيضين وقال أبو محمد غانم بن الوليد المالقي:
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةًسمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من
شنترين يوم الجمعة، فأتاه يوم السبت، فلما لقيه عانقه وأنشده:
تخيرت اليهود السبت عيداًوقلنا في العروبة يوم عيد
فلمّا أن طلعت السبت فيناأطلت لسان محتجّ اليهود وقال أبو بكر ابن بقي:
أقمت فيكم على الإقتار والعدملو كنت حرّاً أبيّ النفس لم أقم
فلا حديقتكم يجنى لها ثمرٌولا سماؤكم تنهلّ بالدّيم
أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلسٍجئت العراق فقامت لي على قدم
ما العيش بالعلم إلاّ عيشةٌ ضعفتوحرفةٌ وكلت بالقعدد البرم وقال الأبيض بالفقهاء المرائين:
أهل الرياء لبستم ناموسكمكالذئب يدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالكٍوقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهبٍوبأصبغٍ صبغت لكم في العالم وقال:
قل للإمام سنا الأئمّة مالكٍنور العيون ونزهة الأسماع
لله درّك من همامٍ ماجدٍقد كنت راعينا فنعم الراعي
فمضيت محمود النقيبة طاهراًوتركتنا قنصاً لشرّ سباع
أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍطاوي الحشا متكفّت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك برّةًماذا رفعت بها من الأوضاع وقال ابن صارة:
يا من يعذّبني لمّا تملّكنيماذا تريد بتعذيبي وإضراري
تروق حسناً وفيك الموت أجمعهكالصقل في السيف أو كالنور في النار وقال عبدون البلنسي:
يا من محيّاه جنّاتٌ مفتّحةٌوهجره لي ذنبٌ غير مغفور
لقد تناقضت في خلقٍ وفي خلقٍتناقض النار بالتدخين والنّور وقال الوزير ابن الحكيم:
رسخت أصول علاكم تحت الثرىولكم على خطّ المجرّة دار
إنّ المكارم صورةٌ معلومةٌأنتم لها الأسماع والأبصار
تبدو شموس الدّجن من أطواقكموتفيض من بين البنان بحار
ذلّت لكم نسم الخلائق مثل ماذلّت لشعري فيكم الأشعار
فمتى مدحت ولا مدحت سواكمفمديحكم في مدحه إضمار وقال القاضي أبو جعفر ابن برطال:
أستودع الرحمن من لوداعهمقلبي وروحي آذنا بوداع
بانوا وطرفي والفؤاد ومقوليباكٍ ومسلوب العزاء وداع
فتولّ يا مولاي حفظهم ولاتجعل تفرّقنا فراق وداع وقال ابن خفاجة:
وما هاجني إلاّ تألّق بارقٍلبست به برد الدّجنّة معلما وهي طويلة
وقال من أخرى:
جمعت ذوائبه ونور جبينه ... بين الدّجنّة والصباح المشرق وقال ذو الوزارتين أبو الوليد ابن الحضرمي البطليوسي في غلام للمتوكل بن الأفطس يرثيه:
غالته أيدي المناياوكنّ في مقلتيه
وكان يسقي الندامىبطرفه ويديه
عصنٌ ذوى وهلالٌ ... جار الكسوف عليه وقال الفقيه العالم أبو أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي عالمها في المذهب المالكي، وقد تحاكم إليه وسيمان أشقر وأكحل فيمن يفضل بينهما:
وشادنين ألمّا بي على مقةٍتنازعا الحسن في غايات مستبق
كأنّ لمّة ذا من نرجسٍ خلقتعلى بهار وذا مسك على ورق
وحكّما الصبّ في التفضيل بينهماولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقال يبدي هلال الدّجن حجّتهمبيّناً بلسان منه منطلق
فقال وجهي بدرٌ يستضاء بهولون شعري مقطوعٌ من الغسق
وكحل عينيّ سحرٌ للنّهى وكذاك الحسن أحسن ما يعزى إلى الحدق
وقال صاحبه أحسنت وصفك لكن فاستمع لمقالٍ فيّ متّفق
أنا على أفقي شمس النّهار ولمتغرب وشقرة شعري شقرة الشفق
وفضل ما عيب في العينين من زرقأنّ الأسنّة قد تعزى إلى الزّرق
قضيت للمّة الشقراء حيث حكتنوراً كذا حبّها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمّة السوداء يرشقنيسهام أجفانه من شدّة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك علىقلبي ولي شاهدٌ من دمعي الغدق
وقلت عفوك إذ أصبحت متّهماً ... فقال دونك هذا الحبل فاختنق وكان فيه ظرف وأدب، وعنوان طبقته هذه الأبيات.
وقال:
وغاب من الأكواس فيها ضراغممن الراح ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سنّ الحلوم فأقطعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها وله رحمه الله تعالى " شرح البخاري " وأكثر ابن حجر من النقل عنه في " فتح الباري "، وله كتاب " الأحكام " وغير ذلك، وترجمته شهيرة.
وقال الأديب النحوي المؤرخ أبو إسحاق إبراهيم بن [قاسم] الأعلم البطليوسي صاحب التواليف التي بلغت نحو خمسين:
يا حمص لا زلت داراًلكلّ بؤسٍ وساحه
ما فيك موضع راحه ... إلاّ وما فيه راحه وهوشيخ أبي الحسن ابن سعيد صاحب " المغرب " وأنشده هذين البيتين لما ضجر من الإقامة بإشبيلية أيام فتنة الباجي.
وقال الأديب الطبيب أبو الأصبغ عبد العزيز البطليوسي الملقب بالقلندر:
جرت منّي الخمر مجرى دميفجلّ حياتي من سكرها
ومهما دجت ظلمٌ للهموم ... فتمزيقها بسنى بدرها وخرج يوماً وهو سكران، فلقي قاضياً في نهاية من قبح الصورة، فقال: سكران خذوه، فلما أخذه الشرطي قال للقاضي: بفضل من ولاك على المسلمين بهذا الوجه القبيح عليك إلا ما أفضلت علي وتركتني، فقال القاضي: والله لقد ذكرتني بفضلٍ عظيم؛ ودرأ عنه الحد.
وقال ابن جاخ الصباغ البطليوسي، وهو من أعاجيب الدنيا، لا يقرأ ولا يكتب:
ولمّا وقفنا غداة النّوىوقد أسقط البين ما في يدي
رأيت الهوادج فيها البدورعليها البراقع من عسجد
وتحت البراقع مقلوبهاتدبّ على ورد خدٍّ ندي
تسالم من وطئت خدّهوتلدغ قلب الشّجي المكمد
وقال في المتوكل، وقد سقط عن فرس:
لا عتب للطّرف إن زلّت قوائمهولا يدنّسه من عائبٍ دنس
حمّلت جوداً وبأساً فوقه ونهىًوكيف يحمل هذا كلّه الفرس وقال الشاعر المشهور بالكميت البطليوسي:
لا تلوموني فإنّي عالمٌبالذي تأتيه نفسي وتدع
بالحميّا والمحيّا صبوتيوسوى حبّهما عندي بدع
فضّل الجمعة يوماً وأنا ... كلّ أيامي بأفراحي جمع وقال أبو عبد الله محمد بن البين البطليوسي، وهو ممن يميل إلى طريقة ابن هانئ:
غصبو الصباح فقسّموه خدوداواستنهبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون محلّهمفاستبدلوا منه النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهمفسبوا بهنّ ضراغماً وأسودا
لم يكفهم حمل الأسنّة والظّبىحتى استعاروا أعيناً وقدودا
وتضافروا بضفائرٍ أبدوا لناضوء النّهار بليلها معقودا
صاغوا الثغور من الأقاحي بينها ... ماء الحياة لو اغتدى مورودا وكان عند المتوكل مضحك يقال له الخطارة، فشرب ليلة مع المتوكل، وكان في السقاة وسيم، فوضع عينه عليه، فلما كان وقت السحر دب إليه، وكان بالقرب من المتوكل، فأحس به، فقال له: ما هذا يا خطارة
فقال له: يا مولاي هذا وقت تفرغ الخطارة الماء في الرياض، فقال له: لا تعد لئلا يكون ماء أحمر، فرجع إلى نومه، ولم يعد في ذلك كلمة بقية عمره معه، ولا أنكر منه شيئاً، ولم يحدث بها الخطارة حتى قتل المتوكل، رحمه الله تعالى.
والخطارة: صنف من الدواليب الخفاف يستقي به أهل الأندلس من الأدوية، وهو كثير على وادي إشبيلية، وأكثر ما يباكرون العمل في السحر.
وقال الوزير أبو زيد عبد الرحمن بن مولود:
أرني يوماً من الدهر على وفق الأماني
ثمّ دعني بعد هذا ... كيفما شئت تراني وقال أديب الأندلس وحافظها أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابري، وهو من رجال الذخيرة والقلائد، وشهرته مغنية عن الزيادة، يخاطب المتوكل وقد أنزله في دار وكفت عليه:
أيا سامياً من جانبيه كليهما" سموّ حباب الماء حالاً على حال "
لعبدك دارٌ حلّ فيها كأنّها" ديار لسلمى عافياتٌ بذي خال "
يقول لها لمّا رأى من دثورها" ألا عم صباحاً أيّها الطّلل البالي "
فقالت وما عيّت جواباً بردّها" وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بعاجلٍ ... " فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال " وقال في جمع حروف الزيادة حسبما ذكره عنه في " المغرب ":
سألت الحروف الزائدات عن اسمهافقالت ولم تكذب: أمان وتسهيل
[ضوابط حروف الزيادة]
قلت وعلى ذكر حروف الزيادة فقد أكثر الناس في انتقاء الكلمات الضابطة لها، وقد كنت جمعت فيها نحو مائة ضابط، ولنذكر الآن بعضها، فنقول: منها " أهوى تلمسانا " ونظمتها فقلت:
قالت حروف زياداتٍ لسائلها ... هل هويت بلدة: أهوى تلمسانا وجمعها ابن مالك في بيت واحد بأربعة أمثلة من غير حشو، وهو:
هناء وتسليم، تلا يوم أنسه، ... نهاية مسؤول، أمان وتسهيل ومنها " هويت السمان ". وحكي أن أبا عثمان المازني سئل عنه فأنشد:
هويت السمان فشيّبنني ... وقد كنت قدماً هويت السمانا فقيل له: أجبنا، فقال: أجبتكم مرتين، ويروى أنه قال: سألتمونيها، فأعطيتكم ثلاثة أجوبة، هكذا حكاه بعض المحقققين، وهو أرق مما حكاه غير واحد على غير هذا الوجه، ومنها: " سألتمونيها "، ومنها: اليوم تنساه، الموت ينساه، أسلمني وتاه، هم يتساءلون، التناهي سمو، تنمي وسائله، أسلمي تهاون، تهاوني أسلم، التمس هواني، ما سألت يهون، مؤنس التياه، لم يأتنا سهو، يا أويس هل نمت، نويت سؤالهم، نويت مسائله، سألتم هواني، تأملها يونس، أتاني وسهيل، هوني مسألتها، سألت ما يهون، وسليمان أتاه، تسأل من يهوى، استملاني هو، أسلمت وهناي، هو استمالني، سايل وأنت هم، يا هول استنم، أتاه وسليمان.
قلت: وليس هذا تكراراً مع السابق الذي هو " وسليمان أتاه " لأن التقديم والتأخير يصيرهما شيئين.
ومنها: الوسمي هتان، أوليتم سناه، واليتم أنسه، أمسيت وناله، أنله
توسيماً، أملتني سهواً، أتوسل يمنها، سألتهن يوماً، سألت يومنها، سألت ما يوهن، نهوي ما سألت، يهون ما سألت، وقد سبق " سألت ما يهون " وعدهما شيئين من أجل التقديم والتأخير كما مر نظيره، ألا تنس يومه، ليتأس ماؤه، سله موتي أنا، أنسته اليوم، سألم هوينا، آوي من تسأله، وهين ما سألت، وهني ما سألت، مسألتي نواه.
ومنها: مسألتي هاون، سهوان يتألم، أيلتم سهوان، أو يلتم ناسه، مسألتي أهون، أو ميت تنساه، سموتهن إليها، أمليت سهوان، وسألتم هينا، يهون ما تسأل، أتلو من سهيا، أسلم وانتهى، يتأمل سهوان، يتأمل ناسوه، يتأملن سواه، ايتأمل نسوه، الهوى أتنسم، وليت ماه آسن، تولين أسهما، اتلوا سهمين، أول ساهمتني، أسماؤه تنيل، يتأملنه سوا، أولم يتسناه، آمن ويتساهل، أمسيتن لهواً، توسميه لناء، هو ما تسألين، لأيهما نتوسم، أيهما نتوسل، أتاني لسموه، سميتهن أولاً، أولاهن سميت، سلمتني أهوا، أسلمتني هوا، أو نستميلها، أيستمهلونا، هنأت الموسى، سليم انتهوا، وأنت سائلهم، ساءلته ينمو، تهنأ لا يسمو، اسألي مؤنته، سألتي موهناً، التمس هوناً، استملي أهون، التناه موسى، لهواء يتسنم، نهوى ما تسأل، ماؤه ليتأسن، تنسمي لهواء، تلومي إن سها، ألمتني سهواً، ستولينا أمه، يتمهلون أسا، أمهلتني سوا، التناسي وهم، أهويت سلمان، هويت المأنس، المأنس تهوي، هويت أم ناسل، أوليس تم هنا، استوهن أملي، استهون ألمي، استلمنا وهيأ، أتسلمونيها، أيتسلمونها، ألا يتسمونه، أليس توهمنا، ألا يتسنموه.
فهذه مائة وأربعة وثلاثون تركيباً، منها ما هو متين، ومنها ما هو غير متين، وقد جمع ابن خروف فيها اثنين وعشرين تركيباً محكياً وغير محكي، وأحسنها بيت ابن عبدون السابق، ويليه بيت ابن مالك، وقال الطغمي جامعاً لها أربع مرات:
آلمتني سهواً، تلومي إن سها ... أو ليس تم هنا، الهوا يتسم هكذا بخطه يتسنم، ولو قال يتنسم لكان أنسب، وقال أيضاً:
وليت ما سناه والتمسي هنا ... ما تسألين هو الهنا يتوسم قلت: وقد جمعت في المغرب زيادة على ما تقدم، وكنت قدرت رسالة فيها أسميها " إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة ".
وقال أبو محمد عبد الله بن الليث يستدعي الوزير أبا الحسن اليابري في يوم غيم:
رقم الربيع بروضنا أزهارهفجرى على صفحاته أنهاره
فعسى تشرفنا ببهجة سيّدٍألقى على ليل الخطوب نهاره
تتمتّع الآداب من نفحاتهفيشمّ منها ورده وبهاره
يا سيداً بهر البرية سؤدداًأبدى إلينا سرّه وجهاره
يومٌ أظلّ الغيم وجه ضيائهفعليك يا شمس العلا إظهاره وقال أبو القاسم ابن الأبرش:
أدر كاس المدام فقد تغنّىبفرع الأيك طائره الصّدوح
وهبّ على الرياض نسيم صبحٍيمرّ كما دنا سارٍ طليح
ومال النهر يشكو من حصاهجراحاتٍ كما أنّ الجريح وقال:
حلفت ويشهد دمعي بماأقاسيه من هجرك الزائد
فإن كنت تجحد ما أدّعيوحاشاك تعرف بالجاحد
فإنّ النبيّ ﵇ ... قضى باليمين مع الشاهد وقال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني صاحب الذخيرة، وشهرته تغني عن ذكره، ونظمه دون نثره، يخاطب أبا بكر ابن عبد العزيز:
أبا بكرٍ المجتبى للأدبرفيع العماد قريع الحسب
أيلحن فيك الزمان الخؤونويعرب عنك لسان العرب
وإن لم يكن أفقنا واحداًفينظمنا شمل هذا الأدب وقد ذكرنا له في غير هذا المحل قوله:
ألا بادر فلا ثانٍ سوى ماعهدت الكأس والبدر التمام ... الأبيات
وتأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وهو منسوب إلى " شنترين " من الكور الغربية البحرية من أعمال بطليوس.
وقال أبو عمر يوسف بن كوثر:
مررت به يوماً يغازل مثلهوهذا على ذا بالملاحة يمتنّ
فقلت: اجمعا في الوصل رأيكما فمالمثلكما كان التغزل والمجن
عسى الصب يقضي الله بينكما لهبخيرٍ فقالا لي: اشتهى العسل السّمن وقال أبو محمد ابن سارة:
أعندك أن البدر بات ضجيعيفقضّيت أوطاري بغير شفيع
جعلت ابنة العنقود بيني وبينهفكانت لنا أمّاً وكان رضيعي وقال:
أيا من حارت الأوهام فيهفلم تعلم له الأقدار كنها
يجيد النبل منّاعقد أنسٍأقام بغير واسطةٍ فكنها وقال أبو الحسن [ابن] منذر الأشبوني:
فديتك إنّي عن جنابك راحلٌفهل لي يوماً من لقائك زاد
وحسبك والأيام خونٌ غوادرٌفراقٌ كما شاء العدا وبعاد وقال خلف بن هرون القطيني:
من أنبت الورد في خدّيك يا قمرومن حمى قطفه إذ ليس مصطبر
الزّهر بالرّوض مقرونٌ بأزمنةٍ ... وروض خدّك موصولٌ به الزّهر وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس حسون وعزون ورحمون، فأولع بهم الإمام أبو محمد ابن السيد النحوي، وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتّى كاد يخفينيوهمت في حبّ عزّون فعزّوني
ثم ارحموني برحمون فإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسّون فحسّوني ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة، هكذا رأيته بخط بعض المؤرخين والله أعلم.
وقال ابن خفاجة يداعب من بقل عذاره:
أيّها التائه مهلاساءني أن تهت جهلا
هل ترى فيما ترىإلاّ شباباً قد تولّى
وغراماً قد تسرّىوفؤاداً قد تسلّى
أين دمعٌ فيك يجريأين جنبٌ يتقلّى
أين نفسٌ بك تهذيوضلوعٌ فيك تصلى
أيّ باكٍ كان لولاعارضٌ وافى فولّى
وتخلّى عنك إلاّأسفاً لا يتخلّى
وانطوى الحسن فهلاّ ... أجمل الحسن وهلاّ أما بعد أيها النبيل النبيه، فإنه لا يجتمع العذار والتيه، قد كان ذلك وغصن تلك الشبيبة رطب، ومنهل ذلك المقبل عذب، وأما والعذار فقد بقل، والزمان قد انتقل، والصب قد صحا فعقل، فقد ركدت رياح الأشواق، ورقدت عيون العشاق، فدع عنك من نظرة التجني، ومشية التثني، وغض من عنانك، وخذ في ترضي إخوانك، وهش عند اللقاء هشة أريحية، واقنع بالإيماء رجع تحية، فكأني بفنائك مهجوراً، وبزائرك مأجوراً والسلام.
وقال الرصافي لما بعث إليه من يهواه سكيناً:
تفاءلت بالسكين لمّا بعثتهلقد صدقت منّي العيافة والزجر
فكان من السكين سكناك في الحشاوكان من القطع القطيعة والهجر
وحضر الفقيه أبو بكر ابن جبيش ليلة مع بعض الجلة وطفئ السراج، فقال ارتجالا:
أذك السراج يرينا غرة سفرتفباتت الشمس تستحيي وتستتر
أو خله فكانا وجه سيدنا ... لا يطلب النجم من في بيته القمر وقصد أحد الأدباء بمرسية أحد السادات من بني عبد المؤمن، فأمر له بصلة خرجت على يد ابن له صغير، فقال المذكور ارتجالا:
تبرك بنجل جاء باليمن والسعديبشر بالتأييد طائفة المهدي
تكلم روح الله في المهد قبله ... وهذا براء بدل اللام في المهد وخرج الأستاذ أبو الحسن ابن جابر الدباج، يوما مع طلبته للنزهة بخارج إشبيلية، وأحضرت مجبنات ما خبا نارها، ولا هدأ أوراها، فما خام عنها ولا كف، ولا صرف حرها عن اختضابها البنان ولا الكف، فقال:
أحلى مواقعها إذا قربتهاوبخارها فوق الموائد سام
إن أحرقت لمسا فإن أوراها ... في داخل الأحشاء برد سلام وقال أبو بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي يتهكم برجل زعم أنه ينال الخلافة:
أمير المؤمنين نداء شيخأفادك من نصائحه اللطيفة
تحفظ أن يكون الجذع يوماسريرا من أسرتك المنيفه
أفكّر فيك مطويّاً فأبكيوتضحكني أمانيك السخيفه وقال صفوان:
ونهار أنسٍ لو سألنا دهرنافي أن يعود بمثله لم يقدر
خرق الزّمان لنا به عاداتهفلو اقترحنا النجم لم يتعذر
في فتيةٍ علمت ذكاء بحسنهمفتلفّعت من غيمها في مئزر
والسرحة الغنّاء قد قبضت بهاكفّ النسيم على لواء أخضر
وكأن شكل الغيم منخل فضّةٍ ... يلقي على الآفاق رطب الجوهر واجتاز بعض الغلمان على أبي بكر ابن يوسف، فسلم عليه بإصبعه، فقال أبو بكر في ذلك وأشار في البيت الثالث إلى أن والد الغلام كان خطيب البلد:
مرّ الغزال بنا مروعاً نافراًكشبيهه في القفر ريع بصائده
لثم السّلامى في السّلام تستراًثم انثنى حذر الرقيب لراصده
هلاّ تكلّف وقفةً لمحبّهولو آنها قصراً كجلسة والده وقال أبو القاسم القبتوري:
واحسرتا لأمورٍ ليس يبلغهامالي وهنّ منى نفسي وآمالي
أصبحت كلآل لا جدوى لديّ وماآليت جدّاً ولكن جدّي الآلي وقال أبو الحسن ابن الحاج:
كفى حزناً أنّ المشارع جمّةٌوعندي إليها غلّةٌ وأوام
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنىكريمٌ وأنّ المكثرين لئام وقال أحمد بن أمية البلنسي:
قال رئيسي حين فاوضتهوما درى أنّ مقامي عسير
أقم فقلت الحال لا تقتضيفقال سر قلت جناحي كسير وقال ابن برطله:
لله ما ألقاه من همّةٍلا ترتضي إلا السّها منزلا
ومن خمولٍ كلما رمت أنأسمو به بين الورى قال لا وكتب ابن خروف لبعض الرؤساء:
يا من حوى كلّ مجدٍبجدّه وبجدّه
أتاك نجل خروفٍفامنن عليه بحدّه وكتب أيضاً لبعضهم يستدعي فروة:
بهاء الدين والدنياونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنواء من جدواك جلد أبي
وفضلك عالمٌ أنّيخروفٌ بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلبٍ صفا حلبي وبعد كتبي لما ذكر خشيت أن لا يكون لابن خروف المشرقي لا الأندلسي، والله تعالى أعلم.
وركب محبوب أبي بكر ابن مالك كاتب ابن سعد بغلةً رديف رجل يعرف بالدب، فقال أبو بكر في ذلك:
وبغلةٍ ما لها مثاليركبها الدّب والغزال
كأنّ هذا وذا عليها ... سحابةً خلفها هلال وخرج محبوب لأبي الحسن ابن حريق يوماً لنزهة وعرض سيل عاقه عن دخول البلد، فبات ليلة عند أبي الحسن، فقال في ذلك:
يا ليلةً جادت الأمانيبها على رغم أنف دهري
تسيل فيها عليّ نعمىيقصر عنها لسان شكري
أبات في منزلي حبيبيوقام في أهله بعذر
وبتّ لا حالةٌ كحاليصريع سكرٍ ضجيع بدر
يا ليلة القدر في اللّياليلأنت خيرٌ من آلف شهر وقال أبو الحسن ابن الزقاق:
عذيري من هضيم الكشح أحوىرخيم الدّل قد لبس الشّبابا
أعدّ الهجر هاجرةً لقلبيوصيّر وعده فيها سرابا وقال أبو بكر ابن الجزار السرقسطي:
ثناء الفتى يبقى ويفنى ثراؤهفلا تكتسب بالمال شيئاً سوى الذكر
فقد أبلت الأيّام كعباً وحاتماًوذكرهما غضٌّ جديدٌ إلى الحشر
وقال الأديب أبو عبد الله الجذامي: كان لشخصٍ من أصحابنا قينة، فبينما هو ذات يوم قد رام تقبيلها على أثر سواك أبصره بمبسمها إذ مرّ فوال ينادي على فول يبيعه، قال فكلفني أن أقول في ذلك شيئاً، فقلت:
ولم أنس يوم الأنس حين سمحت ليوأهديت لي من فيك فول سواك
ومرّ بنا الفوّال للفول مادحاً ... وما قصده في المدح فول سواك وشرب يوماً أبو عبد الله المذكور عند بعض الأجلة وذرعه القيء، فارتجل في العذر:
لا تؤاخذ من أخلّ بهقهوةٌ في الكاس كالقبس
كيف يلحى في المدام فتىًأخذته أخذ مفترس
دخلت في الحلق مكرهةًضاق عنها موضع النفس
خرجت من موضعٍ دخلت ... أنفت من مخرج النجس وجلس سلمة بن أحمد إلى جنب وسيم يكتب من محبرة فانصب الحبر منها على ثوب سلمة، فخجل الغلام، فقال سلمة:
صبّ المداد وما تعمّد صبّهفتورّد الخدّ المليح الأزهر
يا من يؤثّر حبره في ثوبنا ... تأثير لحظك في فؤادي أكبر وكان لأبي الحسن ابن حزمون بمرسية محبوب يدعى أبا عامر، وسافر أبو الحسن، فبينما هو بخارج المرية لإذ لقي فتىً يشبه محبوبه، وسأله عن اسمه، فأخبره بأنه يدعى أبا عامر، فقال أبو الحسن في ذلك:
إلى كم أفرّ أمام الهوىوليس لذا الحبّ من آخر
وكيف أفرّ أمام الهوى ... وفي كلّ وادٍ أبو عامر وحضر أبو بكر ابن مالك كاتب ابن سعد مع محبوبه لارتقاب هلال شوال، فأغمي على الناس ورآه محبوبه، فقال أبو بكر في ذلك:
توارى هلال الأفق عن أعين الورىولاح لمن أهواه منه فحيّاه
فقلت لهم: لم تفهموا كنه سرّهولكن خذوا عنّي حقيقة معناه
بدا الفق كالمرآة راق صفاؤه ... فأبصر دون الناس فيه محيّاه وكتب أبو بكر ابن حبيش لمن يهواه بقوله:
متى ما ترم شرحاً بحالي وتبيينا ... فصحّف على قلبي " علومك تحيينا " أراد " إني بحبك مولع ".
وكتب القاضي ابن السليم إلى الحكم المستنصر بالله:
لو أنّ أعضاء جسمي ألسنٌ نطقتبشكر نعماك عندي قلّ شكري لك
أو كان ملّكني الرحمن من أجليشيئاً وصلت به يا سيدي أجلك
ومن تكن في الورى آماله كثرتفإنّما أملي في أن ترى أملك وقال الوزير ابن أبي الخصال:
وكيف أؤدّي شكر من إن شكرتهعلى برّ يومٍ زادني مثله غدا
فإن رمت أقضي اليوم بعض الذي مضىرأيت له فضلاً عليّ مجدّدا
وقال الرصافي:
قلّدت جيد الفكر من تلك الحلىما شاءه المنثور والمنظوم
وأشرت قدّامي كأنّي لاثمٌوكأن كفّي ذلك الملثوم وقال:
ويا لك نعمةً رمنا مداهافما وصل اللسان ولا الضمير
عجزنا أن نقوم لها بشكرٍعلى أنّ الشكور لها كثير وقال ابن باجة:
قومٌ إذا انتقبوا رأيت أهلّةًوإذا هم سفروا رأيت بدوراً
لا يسألون عن النوال عفاتهمشكراً ولا يحمون منه نقيرا
لو أنهم مسحوا على جدب الرّبىبأكفهم نبت الأقاح نضيرا وقال ابن الأبار يمدح أبا زكريا سلطان إفريقية:
تحلّت بعلياك اللّيالي العواطلودانت لسقياك السحاب الهواطل
وما زينة الأيام إلا مناقبٌيفرّعها أصلان: بأسٌ ونائل
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع