من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (١١)
مقامكم أسماه الله أن ملك قشتالة دس من يتحدث في عقد صلح يعود بالهدنة على البلاد، ويرتفع به عنها مكابدته من جهة الأعاد، وقد رنا أولاً أن ذلك ليس على ظاهر الحال فيه، وأنه يبدي به غير ما يخفيه، ولكن جرينا معه في ذلك المضمار قصداً للتشوف على الأخبار، فلما دار الحديث في هذا الحكم، ظهر منه أنه قد جنح للسلم، وكان خديمنا نقروز بحكم الاتفاق قد ورد إشبيلية لبعض أشغاله، فاستحضره وأخذ معه في أمر الصلح وشرح أحواله، وأعاده إلى معظمكم ليستفهم ما عنده، ويعلم مذهبه وقصده، فأعيد إليه بأنه إن أراد المصالحة على صلح والده على هذه الدار النصرية من غير زيادة على شروط تلك القضية، ولا يعرض لاسترجاع معقل من المعاقل التي أخلصت من يد النصرانية، وأن يكون عقده على الجزيرة الخضراء ورندة وغيرهما من البلاد الأندلسية، فلا بد من مطالعة محل والدنا السلطان أمير المسلمين أبي سعيد أيده الله واستطلاع ما يراه، وحينئذ نعمل بحسب نظره الجميل ومقتضاه، وأكد على نقروز في أنه إن انقاد لهذا الأمر فليعقد معه هدنة لأمد من الدهر بقدر ما يتسع لتعريفكم بهذه الحال وإعلامكم، ويستطلع فيها نظر مقامكم، فما هو إلا أن عاد يوم تاريخ هذا بكتاب ملك قشتالة، وقد أجاب إلى الصلح وانقاد إليه، على حسب ما شرط عليه، وأعطى مهادنة مدة شهر فبرير ليعرف فيها مقامكم، ويعلم ما لديه، ووافق ذلك وصول الشيخ الفقيه الأجل أبي عبد الله ابن حبشية أعزه الله من بابكم الكريم أسماه الله، فأخذ معه في هذا القصد، واستفهم عما لديه من مقامكم في ذلك من الإمضاء أو الرد، فذكر أنكم قد أذنتم لمعظمكم في عقد السلم على ما يراه من الأحكام، إذ ظهر فيها المصلحة لأهل الإسلام، فلما عرف مذهبكم الصالح، وقصدكم الناجح، رأى أن يوجه إلى ملك النصارى من يخلص معه حال الصلح، على ما يعود إن شاء الله
تعالى على المسلمين بالنجح، وقدم تعريفكم بما دار من الحديث بين يدي جوابه الوافد على مقامكم صحبة الفقيه أبي عبد الله أعزه الله تعالى، ولا يخفى على مقامكم حاجة هذه البلاد في الوقت إلى هدنة يستدرك بها رمقها مما لقيته من جهد الحرب، وما حل بها في هذه السنين من القحط والجدب، فالصلاح بحمد الله في هذه الحال بادي الظهور، وإلى الله عاقبة الأمور.
" هذا ما تزيد لدى معظم مقامكم، وما يتزيد بعد فليس إلا المبادرة إلى مطالعتكم وإعلامكم، وما كان إمساك الفقيه أبي عبد الله ابن حبشية في هذه الأيام إلا لانتظار خبر الصلح، حتى يأتيكم به مستوفى الشرح، وها هو قد أخذ في الرجوع إلى بابكم الأسمى، والقدوم إلى حضرتكم العظمى، والله يصل سعودكم ويحرس وجودكم ويبلغكم أملكم ومقصودكم، والسلام.
ومن إنشاء ابن الجياب رحمه الله تعالى في العزاء بالسلطان أبي الحسن المريني ما صورته بعد الصدر:
" أما بعد حمد الله الواحد القهار، الحي القيوم حياة لا تتقيد بالأعصار، القادر الذي كل شيء في قبضة قدرته محصور بحكم الاضطرار، الغني في ملكوته فلا يلحقه لاحق الافتقار، المريد الذي بإراته تصريف الأقدار، وتقدير الآجال والأعمار، العالم الذي لا تغرب عن علمه خفايا الأسرار، وخبايا الأفكار، مالك الملك وأهله، ومدبر الأمور بحكمته معدله، تذكرة لأولي الألباب وعبرة لأولي الأبصار، خالق الموت والحياة لينقلنا من دار الفناء إلى دار القرار، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله المصطفى المختار، الذي نهتدي بهديه الكريم في الإيراد والإصدار، والأحلاء والإمرار، في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، بسيره الكريمة الآثار، ونتعزى بالمصيبة به عما دهم من المصائب الكبار، ونقدم منه إلى ربنا شفيعاً ماحياً للأوزار، وآخذاً بالحجز عن النار،
ونعلم أننا باتباع سبيله نسعد سعادة الأبرار، وبإقامة ملته وحماية شرعته ننال مرضاة الملك الغفار، والرضى عن آله وصحبه، وأوليائه وحزبه، الذين ظاهروه في حياته على إقامة الحق الساطع الأنوار، وخلفوه في أمته قائمين بالعدل حامين للذمار، والدعاء لمحل أبينا والدكم قدس الله روحه، وبرد ضريحه، بالرحمة التي تتعهد روضته التي هي أذكى من الروض المعطار، والرضوان الذي يتبوأ به مبوأ صدق في الملوك المجاهدين الأخيار، ولمقامكم الأعلى بسعادة المقدار، وتمهيد السلطان وبلوغ الأوطار، فإنا كتبناه - كتب الله لكم عوائد النصر، وربط على قلبكم بالصبر - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى عندما تحقق لدينا النبأ الذي فت في الإعضاد، وشب نار الأكباد، والحادث الذي هد أعظم الأطواد، وزلزل الأرض لراسية الأوتاد، والواقع الذي لولا وجودكم لمحا رسم الأجواد، وعطل رسوم الجهاد، وكسا الآفاق ثوب الحداد، والخطب الذي ضاقت له الأرض بما رحبت، وأمرت الدنيا بما عذبت، من وفاة محل أبينا أكبر ملوك المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، والدكم ألحفه الله تعالى برود رضاه، وجعل جنته نزله ومثواه، ونفعه بما أسلف من الأعمال الكريمة، وما خلده من الآثار العظيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون تسليماً لما قضاه، ورضى بما أنفذه وأمضاه، وعند الله نحتسب منه والداً شفيقاً، حانياً رفيقاً، لم يزل يولي الجميل قوله وفعله، ويصل لنا من أسباب عنايته ما اقتضاه فضله، وما هو أحق به وأهله.
" وكنا طول حياته لم نجد أثراً لفقد الوالد، لما أولانا من جميل العوائد، وكرم المقاصد، جزاه الله أحسن جزاءه، وأعاننا على توفية حقه وأدائه، ولمثل هذه المصيبة - ولا مثل لها - تظلم الأرجاء، ويضيق الفضاء، وتبكيه مسومة الجياد، ومعالم الجهاد، والسيوف في الأغماد، وشتى العباد والبلاد، فلا تسألوا كيف هو عندنا موقع هذا الخطب العظيم، والحادث المقعد المقيم، والرزية التي لا رزية مثلها، والحادثة التي أصيبت بها الملة وأهلها، فوجدناه لفقده
يتضاعف مع الآناء، ويتجدد تذكار ما أسلف من أعمال الملوك الفضلاء، ولكنه أمر حتم، وقضاء من الله جزم، وسبيل يسلك عليها الأول والآخر، والآني والغابر، وليس إلا التسليم، لما حكم به الحكيم العليم.
ولما انتهى إلينا هذا النبأ الذي ملأ القلب حسرة والعين عبرة، وتوارت شتى الأنباء، وغلب اليأس فيها على الرجاء، وجدنا له ما يوجد لفقد الأب الذي ابتدأ بالإحسان والإجمال، وأولى عوارف القبول والإقبال، ولكنه ما أطفأ نار ذلك الوجد، وجبر كسر ذلك الفقد، إلا ما من الله به علينا وعلى المسلمين من تقلدكم ذلك الملك الذي بكم سمعت معالمه، وقامت مراسمه، وعليكم انعقد الإجماع، وبولايتكم استبشرت الأصقاع، وكيف لا تستبشر بولاية الملك الصالح الخاشع الأواب، صاحب الحرب والمحراب، عدة الإسلام، وعلم الأعلام، من ثبتت فضائله أوضح من محيا النهار، وسارت مكارمه في الآفاق أشهر من المثل السيار.
" وقد كان محل أبينا والدكم ﵁ لما علم من فضائلكم الكريمة الآثار، وما قمتم به من حقه الذي وفيتموه توفية الصلحاء الأبرار، ألقى إليكم مقاليد سلطانه، وآثر إليكم أثر قبوله ورضوانه، حتى انفصل عن الدنيا وقد ألبسكم من أثواب رضاه ما تنالون به قرة العين، وعز الدارين، والظفر بكلتا الحسنيين، فتلك المملكة بحمد الله تعالى قد قام بها حامي ذمارها، وابن خيارها، ومطلع أنوارها، الملك الرضي العدل الطاهر، قوام الدياجي وصوام الهواجر، حسنة هذا الزمان، ونخبة ذلك البيت المؤسس على التقوى والرضوان، فالحمد لله على أن جبر بكم صدع الإيمان، وانتضى منكم سيفاً مسلولاً على عبدة الصلبان، وأقر بكم ملك آبائكم الملوك الأعاظم، وتدارك بولايتكم أمر هذا الرزء المتفاقم، فإن فقدنا أعظم مفقود، فقد ظفرنا بأكرم مقصود، وما مات من أبقى منكم سلالة طاهرة تحيي سنن المعالي والمكارم، وتعمل على شاكلة أسلافها الأكارم، فتلك المملكة قد أصبحت بحمد الله ونور سعدكم في أرجائها طالع، وسيف
بأسكم في أعدائها قاطع، وعزمكم الأمضى لأمرها جامع مانع، وقد أوت منكم إلى الملجإ الأحمى، واستمسكت بإيالتكم العظمى، وعرفت أنكم ستبدون فيها من آثار دينكم المتين، وفضلكم المبين، ومعاليكم القاطعة البراهين، ما يملؤها عدلاً وإحساناً، وتبلغ به آمالها مثنى ووحداناً، فهنيئأً لنا ولها أن صارت في ملككم، وأن تشرفت بملككم، وألقت مقاليدها إلى من يحمي حماها، ويدفع عداها، وليهن ذلك المقام الأعلى ما أولاه من العز المكين، وما قلده من الملك الذي هو نظام الدنيا والدين، وأن أعطاه راية الجهاد فتلقاها باليمين، لينصر بها ملة الرسول الصادق الأمين، فله الفخر بذلك على جميع السلاطين، وأما هذه البلاد الأندلسية حماها الله فهي وإن فقدت من السلطان الأعلى أبي سعيد أكرم ظهير، ووقع مصابه منها بمحل كبير، فقد لجأت منكم إلى من يحميها، ويكف بأس أعاديها، ويبتغي مرضاة خالقها فيها، فملككم بحمد الله تعالى مقتبل الشباب، جديد الأثواب، عريق الأنساب، أصيل الأحساب، ومجدكم جار على أعراقه جري الجياد العراب.
" وإنا لما ورد علينا هذا النبأ معقباً بهذه البشرى، ووفد علينا ذلك الخبر مردفاً بهذه المسرة الكبرى، علمنا أن الله سبحانه قد رأب ذلك الصدع بهذا الصنع الجميل، وتلافى ذلك الخطب بهذا الخير الجزيل، فأخذنا من مساهمتكم في الأمور النصيب الوافر، ورأينا أن آمالنا منكم قد جلت من محياها السافر، وعينا للوفادة على بابكم لينوب عنا في العزاء والهناء عين الأعيان الفضلاء، ووجه القواد والكرماء.
ولنقتصر على هذا المقدار من كلام الرئيس ابن الجياب، رحمه الله تعالى؛ ويظهر لي أن نظمه إلى طبقة من نثره، وعلى كل حال فهو لا يتكلف نظماً ولا نثراً، رحمه الله تعالى ورضي عنه وعامله بمحض فضله.
ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الفقيه الكاتب البارع العلامة
النحوي اللغوي صاحب العلامة بالمغرب الشهير الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي قال في " الإحاطة " فيه ما ملخصه: عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي، أبو محمد، شيخنا الرئيس، صاحب القلم الأعلى بالمغرب.
من " الإكليل ": تاج المفرق، وفخر المغرب على المشرق، أطلع منه نوراً أضاءت له الآفاق، وأثر منه بذخيرة حملت أحاديثها الرفاق، ما شئت من مجد سامي المصاعد والمناقب، نشأ بسبتة بلده بين علم يقيده، وفخر يشيده، وطهارة يلتحف مطارفها، ورياسة يتفيأ وارفها، وأبوه رحمه الله تعالى قطب مدارها، ومقام حجها واعتمارها، فسلك الوعوث من المعارف والسهول، وبذ على حداثة سنه الكهول، فلما تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلى، تنافست فيه همم الملوك الأخاير، استأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذخاير، فاستقلت بالسياسة ذراعه، وأخدم الذوابل والسيوف يراعه، وكان عين الملك التي بها يبصر، ولسانه الذي يسهب به أو يختصر، وقد تقدمت له إلى هذه البلاد الوفادة، وجلت به عليها الإفادة، وكتب عن بعض ملوكها، وانتظم في عقودها الرفيعة وسلوكها، وله في الآداب الراية الخافقة، والعقود المتناسقة، ومشيخته حافلة تزيد عن الإحصاء، وشعره منحط عن محله من العلم والشهرة، وإن كان داخلاُ تحت طور الإجادة، فمن ذلك قوله:
تراءى سحيراً والنسيم عليلوللنجم طرف بالصباح كليل
وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلتشوى أدهم الظلماء منه خجول
بريق بأعلى الرقمتين كأنهطلائع شهب في السماء تجول
فمزق ساجي الليل منها شرارهوخرق ستر الغيم منه نصول
تبسم ثغر الروض عند ابتسامهوفاضت عيون للغمام منه همول
ومالت غصون البان نشوى كأنهايدار عليها من صباه شمول
وغنت على تلك الغصون حمائملهن حفيف فوقها وهديل
إذا سجعت في لحنها ثم قرقرتيطيح خفيف دونها وثقيل
سقى الله ربعاً لا تزال تشوقنيإليه رسوم دونها وطلول
وجاد رباه، كلما ذر شارقمن الوتق هتان أجش هطول
وما لي أستسقي الغمام ومدمعيسفوح على تلك العراص همول
وعاذلة باتت تلوم على السرىوتكثر من تعذالها وتطيل
تقول إلى كم ذا فراق وغربةونأي على ما خيلت ورحيل
ذريني تسعى للتي تكسب العلاسناء وتبقي الذكر وهو جميل
فإما تريني من ممارسة الهوىنحيلاً فحد المسرفي نحيل
وفوق أنابيب اليراعة صعدةتزين، وفي قد القناة ذبول
ولولا السرى لم يجتل البدر كاملاًولا بات منه للسعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلالما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال ابن الحكيم محمدلأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السماك جلالةوليس له إلا النجوم قبيل
من القوم: أما في الندي فإنهمهضاب، وأما في الندى فسيول
حووا أشرف العلياء إثرناً ومكسباًوطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هطالة ذات هيدبمرتها شمال حرجف وقبول
لها زجل من رعدها ولوامعمن البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلتشقاقها عند الهياج فحول
بأجود من كف الوزير محمدإذا ما توالت للسنين محول
ولا روضة بالحسن طيبة الشذاينم عليها إذخر وجليل
وقد أزكيت للزهر فيها مجامرتعطر منها للنسيم ذيول
وفي مقل النوار للطل عبرةترددها أجفانها وتجيل
بأطيب من أخلاقه الغر كلماتفاقم خطب للزمان يهول
حيت أبا العبد الإله مناقباًتفوت يدي من رمها وتطول
فغرناطة مصر أنت خصيبهاونائل يمناك الكريمة نيل
فداك رجالاً حاولوا درك العلاببخل، وهل نال العلاء بخيل
تخيرك المولى وزيراً وناصحاًفكان له مما أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوضاًإليك فلم يدم يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيدنهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أشوس باسلمبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقاد الجبين كأنماعلى وجنتيه للنضار مسيل
تهيم بها العلياء كأنهابثينته في الحب وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاءهاحسام لما نالت ظباه فلول
سرى ذكره في الخافقتين فأصبحتإليه قلوب العاملين تميل
وأعدى قرضي جوده وثناؤهفأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أبا فخر الوزارة أرقلتبرحلي هوجاء النجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلابأيدي ركاب سيرهن ذميل
تسددني سهماً لكل ثنيةضوامر أشباه القسي نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلىذراك برحلي هوجل وهجول
فقيدت أفراسي به وركائبيولذ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمةعليها لأحداث الزمان ذحول
وتهوى العلا حظي وتغري بضدهلذاك اعترته رقة ونحول
وتأبى لي الأيام إلا إدالةفصونك لي، إن الزمان مديل
فكل خضوع في جنابك عزةوكل اعتزاز قد عداك خمول وقال:
أبت همتي أن يراني امرؤعلى الدهر يوماً له ذا حضوع
وما ذاك إلا لأني اتقيت ... بعز القناعة ذل الخشوع مولده بسبتة عام ستة وسبعين وسبعمائة، وتوفي في تونس ثاني عشر شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة في الطاعون، وكانت جنازته مشهورة رحمه الله تعالى؛ انتهى.
وحكي أن السلطان أبا الحسن المريني سب الشيخ عبد المهين الحضرمي بمجلس كتابه، فأخذ عبد المهين القلم وكسره، وقال: هذا هو الجامع بيني وبينك، ثم إن السلطان أبا الحسن ندم، وأفضل عليه، وخجل مما صدر منه وأحسن إليه.
وكان عبد المهين ينطق بالكلام معرباً، ويرتفع نسبه إلى العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله ﷺ، وأصل سلفه من اليمن، وكان جدهم الأعلى عبدون لحقه الضيم ببلده، فارتحل إلى المغرب، فنزل سبتة.
ولعبد المهيمن الحضرمي شيخ أجلاء كابن أبي الربيع النحوي وابن الشاط وابن مسعود وغيرهم. وكان ذا سعد وسؤدد حسن الحظ، رأيت خطه بإجازته لأبي عبد الله ابن مرزوق وغيره. وكان عالي الهمة سرياً، أعطى المنصب حقه، وكان لا يحتمل الضيم واحتقار العلم، وكان سريع الجواب: حكي أن القاضي المليلي وأبا محمد عبد المهيمن الحضرمي المذكور صاحب العلامة للسلطان أبي الحسن حضرا مجلس السلطان، فجرى ذكر الفقيه ابن عبد الله الرزاق، فقال المليلي: جمع من الفنون كذا، حتى وضع يده على أبي محمد عبد المهيمن، وقال
مخاطباً للسلطان: ويكتب لك احسن من ذا، فوضع عبد المهيمن يده على المليلي وقال: نعم يا مولاي، ويقضي لك أحسن من ذا.
وقال ابن الخطيب القسمطيني الشهير بابن قنفذ في وفياته ما نصه: وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة توفي الشيخ الراوية المحدث بابن الكاتب أبو محمد عبد المهيمن ابن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي، السبتي، ومن أشياخه الأستاذ ابن أبي الربيع وابن الغماز وابن صالح الكناني وغيرهم من الأعلام؛ انتهى.
وقال غيره: إن والد عبد المهيمن توفي غرة صفر سنة اثني عشر وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
وحكي أن الشيخ أبا محمد عبد المهيمن ذكر يوماً بني العزفي فأثنى عليهم، فقال له أحد الحسنيين، وكان بينهم شيء: إنهم كانوا لا يحبون أهل البيت، فكيف حبك أنت لهم يعني لأهل البيت، فقال: أحبهم حب التشرع، لا حب التشييع؛ انتهى.
قيل: يعني بالعزفيين أهل الدولة الثانية، وأما أهل الأولى فكانوا من المختصين بمحبة الآل، وهم أحدثوا بالمغرب تعظيم ليلة الميلاد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام.
ومن أغرب ما وقع للرئيس عبد المهيمن الحضرمي من التشبيه قوله:
لقد راقني مرأى سجلماسة الذييقر له في حسنه كل منصف
كأن رؤوس النخل في عرصاتها ... فواتح سورات بآخر مصحف وهذا من التشبيه العقيم الذي لم يسبق إليه فيما أظن. وكان سبب قوله ذلك أن السلطان أمير المسلمين أبا الحسن المريني لما تحرك لقتال أخيه السلطان أبي علي عمر بسجلماسة فظفر بها استمطر أنواء أفكار الكتاب وغيرهم في تشبيه النخل، فقال عبد المهيمن ما مر، فلم يترك مقالاً لقائل.
وقد أنشد الحافظ ابن مرزوق الحفيد قال: أنشدني شيخنا ولي الدين الرئيس
أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي لشيخه الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي السبي رحمه الله تعالى قوله:
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبةباب الغني، كذا حكم المقادير
وإنما الناس أمثال الفراش، فهم ... يلفون حيث مصابيح الدنانير قلت: ورأيت هذين البيتين في كتاب روح الشحر وروح الشعر للعالم الكاتب ابن الجلاب منسوبين لأبي المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي، قال: أنشدني أبو الحجاج الحافظ، قال: أنشدني الهيثم، فذكر البيتين، وكان تاريخ وفاته قبل أن يخلق عبد المهيمن، فتعين أن البيتين ليسا من نظمه، وإنما تمثل بهما ونسبتهما له وهم لا محالة، والله أعلم.
وأما ما اشتهر على الألسنة بالمغرب من أن أبا حيان مدح عبد المهيمن بقوله:
ليس في الغرب عالممثل عبد المهيمن
نحن في العلم أسوة ... أنا منه وهو مني فقد نسبه ابن غازي إلى أبي حيان كما اشتهر، لكن تاريخ مرور أبي حيان بالمغرب كان قيل ظهور عبد المهيمن بلا خفاء، وهو عندي محمول على أحد أمرين: أن المراد عبد المهيمن جد عبد المهيمن المذكور، أو أن أبا حيان كتب بالبيتين من مصر بعدما ظهر عبد المهيمن وصارت له الرياسة بالمغرب إذ أبو حيان عاش إلى ذلك الزمان بلا ريب، ولذا لما ذكر لسان الدين ابن الخطيب في كتابه الكتيبة الكامنة في أنباء أهل المائة الثامنة الشيخ أبا حيان قال: وهذا الرجل طالت حياته حتى أجاز ولدي.
ولعبد المهيمن المذكور أخبار غير ما قدمناه منع منها الاختصار. وقد ألف الخطيب ابن مرزوق باسم ولد ولده فهرسته المشهورة، وحلاه في صدرها أحسن
حلية، وهو أهل لذلك. وقد ذكره مولاي الجد في شيوخه كما تقدم، وقال فيه: إنه إمام الحديث والعربية، وكاتب الدولة العثمانية والعلوية، فليراجع ذلك فيما سبق في ترجمة الجد.
وأبو سعيد ابن عبد المهيمن كان عالي الهمة كآبائه، ولما بويع السلطان أبو عنان طلب منه أن يكون مرتسماً في جملة كتاب بابه، فامتنع، وقال: لا أكون تحت حكم غيري، وعنى بذلك أن أباه كان رئيس الكتاب، فكيف يكون هو مرؤوساً بغيره فلم ترض همته رحمه الله تعالى إلا برتبة أبيه أو الترك، وارتحل أبو سعيد محمد المذكور، وكان فقيهاً عالماً، من فاس لسبتة إلى أن توفي بها سنة، وكان قليل الكلام، جميل الرواء، حسن الهيئة والبزة والشكل، روى عن والده وعن الحجار وكتب له سنة، وروى عن الفقيه أبي الحسن ابن سليمان والرحالة ابن جابر الوادي آشي وابن رشيد وغيرهم.
وابن أبي سعيد هذا اسمه عبد المهيمن كجده، وكان صاحب القلم الأعلى، روى عن أبيه وجده وغيرهما، رحم الله الجميع.
ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الإمام العلامة قاضي الجماعة أبو البركات ابن الحاج البلفيقي: نادرة الزمان، وشاعر ذلك الأوان، وهو محمد ابن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن الشيخ الولي أبي إسحاق ابن الحاج البلفيقي، وكان أبو البركات أحد رجال الكمال علماً ومجداً وسؤدداً ومكتسباً، وقد عرف به في الإحاطة بترجمة مد فيها النفس، وكتب ابنه على أول الترجمة ما صورته:
رحمك الله تعالى يا فقيه الأندلس وحسيبها وصدرها وشيخها، وبرد ضريحك، فلله ما أفدت من نادرة واكتسبت من فائدة؛ انتهى.
وحكى في " الإحاطة " أنه لما استسقى وحصلت الإجابة أنشده لسان الدين:
ظمئت إلى السقيا والأباطح والربىحتى دعونا العام عاماً مجديا
والغيث مسدول الحجاب، وإنما ... علم الغمام قدومكم فتأدب ثم ذكر في الإحاطة تأليف أبي البركات وشعره، إلى أن قال حاكياً عن أبي البركات ما صورته: ومما نظمته وقد أكثروا من التعجب لملازمتي البناء وحفر الآبار:
في احتفار الأساس والآباروانتقال التراب والجيار
وقعودي ما بين رمل وآجر وجص والطوب والأحجار
وامتهاني بردي بالطين والماء ورأسي ولحيتي بالغبار
نشوة لم تمر قط على قلب خليع وما لها من خمار
من غريب البناء أن بنيهمتعبون يهوون طول النهار
يبتغون الوصال من صانعيهوالبدار إليه كل البدار
فإذا حل في ذراهم تراهميشتهون منه بعيد المزار
من عذيري من لائم في بنائيوهو لي الترجمان عن أخباري
ليس يدري معناه من ليس يدريأن ما عنده على مقدار
أقتدي بالذي يقول بناهاذلك الخالق الحكيم الباري
وبمن يرفع القواعد من بيت عتيق للحج والزوار
وبمن كان ذا جدار وقد كان أبوه من صالحي الأبرار
وبما قد أقامه الخضر المخصوص علماً بباطن الأسرار
كان تحت الجدار كنز، وما أدراك ما كان تحت كنز الجدار
وبمن من قضى من آبائي الغر الألى شيدوا رفيع المنار
فالذي قد بنوه نبني له مثلاً ونجري له على مضمار
قد بنينا من المساجد دهراًثم نبني لجارها خير جار
مثلما قد بنيت للمجد أمثال مبانيهم بكل اعتبار
فالمباني لسان حالي ولي فيها لعمري ذكر من الأذكار
روح أعمالنا المقاصد، لكنحيث تخفى تخفى مع الأعذار
فعسى من قضى ببنيان هذي ال ... مدار يقضي لنا بعقبى الدار ثم قال في الإحاطة بعد كلام: ومن نظمه في الإنحاء على نفسه، واستبعاد وجود المطالب في جنسه، قال مما نظمته يوم عرفة عام خمسين وسبعمائة وأنا منزو في غار ببعض جبال المرية:
زعموا أن في الجبال رجالاًصالحين قالوا من الأبدال
وادعوا أن كل من ساح فيهافسيلقاهم على كل حال
فاخترقنا تلك الجبال مراراًبنعال طوراً ودون نعال
ما رأينا بها خلاف الأفاعيوشبا عقرب كمثال النبال
وسباع يجرون بالليل عدواًلا تسلني عنهم بتلك الليالي
ولو أنا كنا لدى العدوة الأخرى رأينا نواجذ الرئبال
وإذا أظلم الدجى جاء إبليس إلينا يزور طيف خيال
هو كان الأنيس فيها ولولاهـ أصيبت عقولنا بالخبال
خل عنك المحال يا من تعنى ... ليس يلقى الرجال غير الرجال وجمع شعره وسماه العذب والأجاج من كلام أبي البركات ابن الحاج،
وسمى أبو القاسم ما استخرجه منه ب " اللؤلؤ والمرجان من بحر أبي البركات ابن الحاج يستخرجان ".
ومن نظم الشيخ أبي البركات ابن الحاج قوله رحمه الله تعالى:
ألا ليت شعري هل لما أنا أرتجيمن الله في يوم الجزاء بلاغ
وكي لمثلي أن ينال وسيلةلها عن سبيل الصالحين مراغ
وكم رمت دهري فتح باب عبادةيكون بها في الفائزين مساغ
فكدت ولم أفعل وكيف وليس ليالمعينان بها صحة وفراغ
لأصبحت من قوم دعاهم إلى الرضىمنادي الهدى فاستنكروه فراغوا
أباغ ترى أخراه من يزدهيه منزخارف دنياه باغ
ويضرب صفحاً عن حقيقة ما طوتفيلهيه زور قد أتته مصاغ
إذا ما بدا للرشد نهج بيانهيراع بع عن وحشته فيراغ
فيا رب برد العفو هب لي إذا غلتمن الحر في يوم حساب دماغ
فمن حرق للنفس فيه لواعجومن خجل للوجد فيه صباغ
وعظتك نفسي لو أنبت، وفي الذي ... وعظت به لو ترعوين بلاغ وأنشد القاضي أبو البركات في هذا الروي قول شيخه الأستاذ أبي علي ابن سليمان القرطبي:
ألا هل إلى ما أرتضيه بلاغوكيف يرى يوماً إليه فراغ
وقد قطعت دوني قواطع جمةأراع لها مهما جرت وأراغ
وما لي إلا عفو رب وفضله ... ففيه إلى ما أرتجيه بلاغ وكان القاضي أبو البركات من بيت كبير علماً وصلاحاً وزهداً، وجده الإمام الولي العارف سيدي أبو إسحاق ابن الحاج أشهر من نار على علم، وقبره مشهور بمراكش وقد زرته بها، وله كرامات مشهورة.
وحكى في مزية المرية من كراماته جملة؛ قال حفيده الشيخ أبو البركات: دخلت على الشيخ الصالح العابد المجتهد الحاج أبي عبد الله محمد بن علي البكري، المعروف بابن الحاج، في منزله بالمرية عائداً قال: أظنه في مرضه الذي مات فيه، فقال حين سألته عن حاله: ادع لي، فقلت له: يا سيدي، بل أنت تدعو لي، فقال لي: شرح الله صدرك، ونور قلبك بنور معرفته! فمن عرف الله لم يذكر غيره، فقد حكى سيدي أبو جعفر ابن مكنون عن جدك قال: كنت مع سيدي أبي إسحاق ابن الحاج بمراكش فقال لي: هل ترى في المنام شيئاً فقلت: نعم، أرى كأني في المرية أمشي من الدار إلى المسجد، ومن كذا إلى كذا، فأعرض عني وقال: ألا ترى إلا الله قال: ثم مر به في أثناء كلامه ابنه محمد، فقال لي: رأيت هذا والله ما أدري أن لي ابناً حتى يمر بي، ولا أذكره إذا غاب عني، ولا أرى إلا الله؛ انتهى.
ومن تآليف أبي البركات رحمه الله تعالى كتاب ذكر فيه أخبار سلفه ﵃، وذكر جملة من كرامات جده سيدي أبي إسحاق المذكور، نفعنا الله به.
ومن شعر جده المذكور قوله:
ألا كرم الله البلاد بخطبةهم حسنات الدهر لا نابهم خطب
رعايتهم فرض على كل مسلموحبهم حقاً قد أوجده الرب
إذا ما سألت الله شيئاً فسل بهمفتعظيمهم قرب، وغيبتهم حرب وقوله:
شكا فشكا قلبي خبالاً مبرحاًعلى غير علم كان مني بشكواه
وما التقت أسرار إلا بجامعمن النعت سلطان الحقيقة سواه
فيا فرحة المجهود إن بات سرهوسر الذي يهواه مأواه مأواه
ومن أجله قد كان بالبعد راضياًفكيف ترى مغناه والقلب مثواه
بدا فبدت أعلام ضدين في الهوىهما عجب لولا الدليل وفحواه
برؤيته فارقت موتي لبعدهومت بها من أجل علمي ببلواه
فها أما حي ميت بلقائهولم ينج من لم يسعد الفهم نجواه
إذا لم تكن أنت الحبيب بعينهرضى وعتاب ضل من قال يهواه
وأكذب ما يلفى الفتى وهو صادقإذا لم يحقق بالأفاعيل دعواه وقوله رضي الله تعالى عنه:
الحب في الله نور يستضاء بهوالهجر في ذاته نور على نور
جنب أخا حدث في الدين ذا غيرإن المغير في نكس وتغيير
حاشا الديانة أن تبنى على خبلسبحان خالقنا من قول مثبور
إن الحقائق لا تبدو لمبتدعكذا المعارف لا تهدى لمغرور
تالله لو أبصرت عيناه أو ظفرتيمناه ما ظل في ظن وتقدير
حقق ترى عجب إن كنت ذا أدبولا يغرنك الجهال بالزور
إن الطريقة في التنزيل واضحةوما تواتر من وحي ومشهور
فافهم هديت هدى الرحمن واهد به ... هدى يفيدك يوم النفخ في الصور وقوله صدر رسالة وجه بها إلى ابنه محمد أيام قراءته بإشبيلية:
إذا شئت أن تحظى بوصلي وقربتيفجنب قريب السوء واصرم حباله
وسابق إلى الخيرات واسلك سبيلها ... وحصل علوم الدين واعرف رجاله وكان رحمه الله تعالى كثيراً ما يتمثل ببيتي مهيار الديلمي، وهما:
ومن عجب أني أحب إليهموأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتبكيهم عني وهم في سوادها ... ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي وحدث القاضي أبو البركات حفيده عن ابن خميس التلمساني المتقدم الذكر قال: سمعت بعض الأشياخ يقول: كان الشيخ أبو إسحاق البلفيقي الكبير يقول: اجتمع لنا في الله أربعون ألف صاحب.
وحكى الشيخ أبو البركات عن الشيخ الصالح الصوفي أبي الأصبغ ابن عزرة قال: هذه صلاة على النبي ﷺ أخذتها عن رابك الشيخ الصالح أبي عبد الله محمد بن علي بن الحاج مشافهة، وقال لي: إنها صلاة أبي إسحاق ابن الحاج جدك، وهي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة دائمة مستمرة تدوم بدوامك، وتبقى ببقائك، وتخلد بخلودك ولا غاية لها دون مرضاتك، ولا جزاء لقائها ومصليها غير جنتك والنظر إلى وجهك الكريم.
ونقل أبو البركات المذكور عن جده أنه كان يستفتح مجلسه بالمرية بهذا الدعاء: اللهم اجعلنا في عياذ منك منيع، وحصن حصين، وولاية جميلة، حتى تبلغنا آجالنا مستورين محفوظين، مبشرين برضوانك يوم لقائك، قال: وفي وسط الدعاء وآخره: واكفنا عدونا إبليس، وأعداءنا من الجن والإنس بعافيتنا وسلامتنا.
وكان الشيخ ﵁ يواصل أربعين يوماً. ومن مآثره أنه بنى ثمانية عشر جباً في مواضع متفرقة ونحو عشرين مسجداً وبنى أكثر سور حصن بلفيق، كل ذلك من ماله.
وقال ﵁ في بعض رسائله: الصوفي عبارة عن رجل عدل تقي صالح زاهد، غير منتسب لسبب من الأسباب، ولا مخل بأدب من الآداب، قد عرف شأنه وزمانه، وملكت مكارم الأخلاق عنانه، لا ينتصر لنفسه، ولا يتفكر في غده وأمسه، العلم خليله، والقرآن دليله، والحق حفيظه ووكيله
نظره إلى الخلق بالرحمة، ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة؛ انتهى.
وأحوال هذا الشيخ عجيبة، وكراماته شهيرة، وإنما ذكرنا هذا النزر اليسير تبركاً بذكره ﵁ في هذا الكتاب، وتطفلاً على رب الأرباب أن ينفعنا بأمثاله ويحقق لنا النجاة والمتاب، إنه على ذلك قدير.
رجع إلى أخبار أبي البركات - ولما وقع بينه وبين ابن صفوان ما يقع بين المتعاصرين رد عليه ابن صفوان، فانتصر لأبي البركات بعض طلبته بتأليف شواظ من نار ونحاس يرسل على من لم يعرف قدره وقدر غيره من الناس وهو قدر رسالة الشيخ أو أطول، وألفي على ظهره بخط الشيخ أبي البركات ما صورته:
قد شبع الكلب كما ينبغيمن حجر صلد ومن مقرع
فإن يعد من بعد ذا الذي ... قد كان منه فهو ممن نعي ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه الله تعالى قوله:
يلومونني بعد العذار على الهوىومثلي في وجدي له لا يفند
يقولون أمسك عنه قد ذهب الصباوكيف أرى الإمساك والخيط أسود وقوله في المجبنات:
ومصفرة الخدين مطوية الحشاعلى الجبن المصفر يؤذن بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعهاولكنها في الحين تغرب في الجوف وفي هذين البيتين تورية متعددة
وحدث القاضي أبو البركات أنه لما أراد الانصراف عن سبتة قال هل السيد الشريف أبو العباس رحمه الله تعالى: متى عزمت على الرحيل فأنشد أبو البركات:
أما الرحيل فدون بعد غدفمتى تقول الدار تجمعنا فأنشد الشريف رحمه الله تعالى:
لا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد وحكي أن السيد أبا العباس الشريف المذكور ساير القاضي أبا البركات في بعض أسفاره زمن الشباب ببر الأندلس أعاده الله تعالى فلما انتهينا إلى قرية ترليانة، وأدركهما النصب، واشتد عليهما حر الهجير، نزلا وأكلا على ظهره تحت شجرة مستظلاً بظلها، ثم التفت إلى السيد أبي العباس وقال:
ماذا تقول فدتك النفس في حالي ... يفنى زماني في حل وارتحال وأرتج عليه، فقال لأبي العباس: أجز، فقال بديهاً:
كذا النفوس اللواتي العز يصحبهالا ترضي بمقام دون آمال
دعها تسر في الفيافي والقفار إلىأن تبلغ السؤل أو موتاً بتجوال
الموت أهون من عيش لدى زمن ... يُعلي اللئيم ويدني الأشرف العالي ولما أوقع الشيخ أبو البركات على زوجه الحرة العربية أم العباس عائشة بنت الوزير المرحوم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكتاني ثم المغيلي طلقة كتب نسختها بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد، يقول عبد الله الراجي رخمته محمد المدعو بأبي البركات ابن الحاج خار الله له ولطف به: إن الله جلت قدرته لما أنشأ خلقه على طبائع مختلفة وغرائز شتى، ففيهم السخي والبخيل، والشجاع والجبان، والغبي والفطن، والكيس والعاجز، والمسامح والمناقش، والمتكبر والمتواضع، إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق، كانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد أمرين: إما بالاشتراك في الصفات أو في
بعضها، وإما بصبر أحدهما على صاحبه إذا عدم الاشتراك، ولما علم الشارع أن بني آدم على هذا الوضع شرع لهم الطلاق ليستريح إليه من عيل صبره على صاحبه، توسعة عليهم، وإحساناً منه إليهم، فلأجل العمل على هذا طلق كاتب هذا عبد الله محمد المذكور زوجه الحرة العربية المصونة عائشة ابنة الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الفاضل الطاهر المقدس المرحوم أبي عبد الله محمد المغيلي، طلقة واحدة، ملكت بها أمر نفسها دونه، عارفاً قدره قصد بذلك إراحتها من عشرته، طالباً من الله أن يغني كلاً من سعته، مشهداً بذلك على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أول يوم من شهر ربيع الثاني عام أحد وخمسين وسبعمائة؛ انتهى.
ومن نوادره رحمه الله تعالى أنه لما استناب بعض قضاة المرية الفقيه أبا جعفر المعروف بالقرعة في القضاء بخارج المرية من عمله فاتفق أن جاء بعض الجنانين بفحص المرية يشتكي من جائحة أو أذاية أصابت جنانه، ففسدت غلته لذلك، فأخذ ذلك الجنان قرعة وأشار إليها مشتكياً، وقال: هذه القرعة تشهد بما أصاب جناني، فقال الشيخ أبو البركات عند ذلك: غريبتان في عام واحد: القرعة تقضي، والقرعة تشهد.
وكان له رحمه الله تعالى من هذا النمط كثير.
وقال رحمه الله تعالى: نظمت صبيحة يوم السبت السابع والعشرين لرجب عام خمسة وأربعين وسبعمائة، وقد رأيت في النوم كأني أريد إتيان امرأة لا تحل لي، فيأتي رقيب فيحول بيني وبين ذلك المرة بعد المرة، قولي:
ألا كرم الله الرقيب فإنهكفاني أموراً لا يحل ارتكابها
وبالغ في سد الذريعة فاغتدى ... يلاحظني نوماً ليغلق بابها وقال ﵀: أنشدني شيخي أبو عبد الله ابن رشيد عند قراءتي عليه
شرحه لقوافي أبي الحسن حازم، وقد باحثته يوماً مناقشة في بعض ألفاظ من الشرح المذكور:
تسامح ولا تستوف حقك كلهوأغض فلم يستوف قط كريم ومن نظم الشيخ أبي البركات قوله:
ألا خل دمع العين يهمي بمقلتيلفرقة عين الدمع وقف على الدم
فللماء فيه رنة شجنيةكرنة مسلوب الفؤاد متيم
وللطير فيه نغمة موصليةتذكرني عهد الصبا المتقدم
وللحسن أقمار به يوسفيةترد إلى دين الهوى كل مسلم وله رحمه الله تعالى:
ما كل من شد على رأسهعمامة يحظى بسمت الوقار
ما قيمة المرء بأثوابهالسر في السكان لا في الديار وله سامحه الله تعالى:
إذا ما كتمت السر عمن أودهتوهم أن الود غير حقيقي
ولم أخف عنه السر من ضنة به ... ولكنني أخشى صديق صديقي وله وقد جلس في حلقة بعض المشايخ واستدبر بعض الفضلاء ولم يره، بسبتة:
إن كنت أبصرتك لا أبصرتبصيرتي في الحق برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها ومما يعجبه ﵀ من قوله، قال في الإحاطة ويحق أن يعجبه:
تطالبني نفسي بما ليس لي بهيدان فأعطيها الأمان فتقبل
عجبت لخصم لج في طلباته ... يصالح عنها بالمحال فيفصل ومما أورد له في الإحاطة وذكر نه لو رحل راحل إلى خراسان لما أتى إلا بهما:
رعى الله إخوان الخيانة إنهمكفونا مؤونات البقاء على العهد
فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم ... نراوح ما بين النسيئة والنقد وقد تمثل القاضي أبو البركات في مخاطبة له للسان الدين بقول القائل:
أيتها النفس إليه اذهبيفحبه المشهور من مذهبي
أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمساً من المغرب وحكى غير واحد منهم ابن داود البلوي أن القاضي أبا البركات لما عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة بما صورته:
أشمس الغرب حقاً ما سمعنابأنك قد سئمة من الإقامه
وأنك قد عزمت على طلوعٍإلى شرق سموت به علامه
لقد زلزلت منا كل قلب ... بحق الله لا تقم القيامه قال الحاكي: فحلف أبو البركات أن لا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا؛ انتهى. يشير بقوله " لقد زلزلت - إلخ " إلى طلوع الشمس من مغربها.
قلت: ولما عزمت على هذه الرحلة كتب إلي بعض أصحابنا المغاربة بالآبيات المذكورة متمثلاً، ولم أرجع عن العزم، والله غالب على أمره.
قال الوزير لسان الدين رحمه الله تعالى: وما أحسن قول شيخنا أبي البركات معتذراً عن زرقة عينيه:
حزنت عليك العين يا مغنى الهوىفالدمع منها بعد بعدك ما رقى
ولذاك ما ظهرت بلون أزرقأوما ترى ثوب المآتم أزرقا قال رحمه الله تعالى: وهو من الغريب
وقال بعض الشيوخ: كنت أقرأ على الشيخ أبي البركات التفسير، فنسيت ذات ليلة السفر الذي كنت أقرأ فيه بمنزلي، فاتفق أن حضر الجامع الصحيح للبخاري، فقال الشيخ بعد أن أردت القراءة عليه من أوله: افتح في أثناء الأوراق ولا تعين، وما خرج لك من ترجمة لجهة اليمين فاقرأها، فعلت، فإذا غزوة أحد، فقرأت الحديث الأول من الباب، وهو عن عقبة بن عامر، قال: إن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكنني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ، فقال الشيخ قوله " صلى على قتلى أحد " لفظ الصلاة يطلق لغة على الدعاء، وشرعاً على الأفعال المخصوصة المعلومة، وإذا دار اللفظ بين الشرعي واللغوي فحمله على الشرعي أولى حتى يدل الدليل على خلافه، فقوله " صلى على قتلى أحد " يحتمل الصلاة الشرعية، ويكون ذلك منسوخاً إذا قد تقرر أنه لا يصلى على شهيد المعترك ولا على من قد صلى عليه، ولمن يعارضه أن يقول: إن قتلى أحد متفرقون في أماكن، فلا تتأتى الصلاة الشرعية عليهم، إذ الصلاة الشرعية إنما تتأتى لو كانوا مجتمعين، والجواب أنهم وإن كانوا متفرقين تجمعهم جهة واحدة، وليس بعد ما بينهم بحيث لا تتأتى معه الصلاة عليهم، هذا، وإن احتمل حمله على الصلاة اللغوية، وقوله " كالمودع للأحياء والأموات " أما وداعه للأحياء فلا إشكال فيه، وأما الأموات فمعنى وداعه لهم وداع الدعاء لهم، لأنه إذا مات فقد حيل بينه وبين
الدعاء لهم، فلا جرم يودعهم بالدعاء لهم قبل أن يحال بينه وبين ذلك، وقوله ﷺ " إني بين أيديكم " أي أتقدم قبلكم، وقوله ﷺ " بين أيديكم فرط " أي متقدم، وبين إذا أضيفت إلى الأيدي تستعمل فيما قبل زمانك وفيما بعده، والمعنى هنا في قوله " بين أيديكم " أي أتقدم قبلكم، وقوله ﷺ " وأنا شهيد عليكم " فيه وجهان، أحدهما: أن يخلق الله في قلبه علماً ضرورياً يميز به بين البر والفاجر، فيشهد بما خلق الله في قلبه من ذلك، إذ لا تكون الشهادة إلا على أمر مشاهد، ومعلوم أنه لم يشاهد ما فعل بعده من أمته فيخلق الله له علماً بذلك، الوجه الثاني: أن يخبره الله تعالى بذلك كما في حديث الحوض: ليذدان عنه أقوام كما يذاد البعير الضال فأقول: ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد غيروا بعدك، فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً، فشهد بما أخبره الله تعالى به، وهو نظير ما روي في تفسير قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " من أن قوم نوح يقولون: كيف تشهدون علينا وزمانكم متأخر عن زماننا فيقولون: لأن الله تعالى قص علينا أخباركم في كتابه، فقال " إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه - إلى آخره ".
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع