من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (١٣)
وقل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته، فممن أخذ عنه الشاطبي، وابن علاق، وأبو محمد ابن جزي، والأستاذ ابن زمرك، في خلق كثير من طبقتهم، ثم من الطبقة الثانية أبو يحيى ابن عاصم، وأخوه القاضي أبو بكر ابن عاصم، والشيخ أبو القاسم ابن سراج، والمنتوري، في خلق لا يحصون.
وله تواليف، فمنها شرح جمل الزجاجي، وشرح تصريف التسهيل،
وكتاب " ينبوع عين الثرة في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة "، وله فتاوى مدونة بأيدي الناس، وممن جمعها الشيخ ابن طركاط الأندلسي، وله كتابة في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي، رحم الله تعالى الجميع.
ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب أبو القاسم ابن جزي، ففي " الإحاطة " ما ملخصه: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي، الكلبي، أبو القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها، شيخنا، وأصل سلفه من ولبة من حصن البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دولة المرابطين كان لجدهم يحيى رياسة وإفراد بالتدبير، وكان رحمه الله تعالى على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاقتصار على الاقتيات من حر النشب، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيهاً حافظاً قائماً على التدريس، مشاركاً في فنون من عربية وفقه وأصول وقراءات وأدب وحديث، حفظة للتفسير، مستوعباً للأقوال، جماعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن، تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته، قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير العربية والفقه والحديث والقرآن، وعلى ابن الكماد، ولازم الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد وطبقتهم كالحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال وأبي عامر ابن ربيع الأشعري والولي أبي عبد الله
الطنجالي وابن الشاط.
وله تواليف منها وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم والأنوار السنية في الكلمات السنية والدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار، والقوانين الفقهية وتلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول وكتاب النور المبين في قواعد عقائد الدين، وكتاب المختصر البارع في قراءة نافع وكتاب أصول القراء الستة غير نافع وكتاب الفوائد العامة في لجن العامة إلى غير ذلك مما قيده في التفسير والقراءات وغير ذلك، وله فهرسة كبيرة اشتملت على جملة كبيرة من علماء المشرق والمغرب.
ومن شعره قوله في الأبيات الغينية ذاهباً مذهب المعري وابن المظفر والسلفي وأبي الحجاج ابن الشيخ وأبي الربيع ابن سالم وابن أبي الأحوص وغيرهم من علماء المشرق والمغرب:
لكل بني الدنيا مراد ومقصدوإن مرادي صحة وفراغ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغاًيكون به لي للجنان بلاغ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النهىوحسبي من دار الغرور بلاغ
فما الفوز إلا في نعيم مؤبدبه العيش رغد والشراب يساغ وقال:
أروم امتداح المصطفى فيردنيقصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخرومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ولو أن أعضائي غدت ألسناً إذاًلما بلغت في المدح بعض مآربي
ولو أن كل العالمين تألفواعلى مدحه لم يبلغوا بعض واجب
فأمسكت عنه هيبة وتأدباًوعجزاً وإعظاماً لأرفع جانب
ورب سكوت كان فيه بلاغةورب كلام فيه عتب لعاتب وقال:
يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثرتفما أطيق لها حصراً ولا عددا
وليس لي بعذاب النار من قبلولا أطيق لها صبراً ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتيولا تذيقنني حر الجحيم غدا
شطر أولشطر ثاني وقال:
وكم من صفحة في الشمس تبدوفيسلي حسنها قلب الحزين
غضضت الطرف عن نظري إليها ... محافظة على عرضي وديني مولده يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام ثلاثة وتسعين وستمائة، وفقد وهو يحرض الناس يوم الكائنة بطريف ضحوة يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة؛ انتهى.
[شعر لابن لؤلؤة]
وأذكرني روي الغين الصعب قول الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف السكوني الأندلسي المعروف بابن لؤلؤة رحمه الله تعالى ورضي عنه:
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقيأميل لزور بالغرور يصاب
وأرتاح للذات والشيب منذربما ليس عنه للأنام مراغ
ومن لم يمت قبل الممات فإنهيراع بهول بعده ويراغ
فيا رب وفقني إلى ما يكون لي ... به للذي أرجوك منه بلاغ توفي المذكور بالطاعون سنة، وكان خطيباً بحسن قمارش رحمه الله تعالى.
[من نظم ابن جزي]
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله:
أيا من كففت النفس عنه تعففاًوفي النفس من شوقي إليه لهيب غرام
ألا إنما صبري كصبر، وإنما ... على النفس من تقوى الإله رقيب لجان وهما من التخيير المعلوم في فن البديع.
وقول لسان الدين رحمه الله تعالى وله عقب ظاهر بين القضاء والكتابة يريد به بنيه البارع أبو بكر والعلامة أبا عبد الله والقاضي أبا محمد عبد الله.
[تراجم أولاد ابن جزي]
ولنذكرهم فنقول: أما أبو بكر أحمد فهو الذي ألف أو أبوه الأنوار السنية وهو من أهل الفضل والنزاهة وحسن السمت والهمة واستقامة الطريقة، غرب في الوقار، ومال إلى الانقباض، وله مشاركة حسنة في فنون من فقه وعربية وأدب وخط ورواية وشعر تسمو ببعضه الإجادة إلى غاية بعيدة، وقرأ على والده ولازمه، واستظهر ببعض تآليفه، وتفقه وتأدب به، وقرأ على بعض معاصري أبيه، ثم ارتسم في الكتابة السلطانية لأول دولة السلطان أبي الحجاج ابن نصر، وولي القضاء ببرجة وبأندرش ثم بوادي آش، مشكور السيرة معروف النزاهة ومن شعره:
أرى الناس يولون الغني كرامةوإن لم يكن أهلاً لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههموإن كان أهلاً أن يلاقى بإكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمةفما صححوا إلا حديث ابن دينار
ومن بديع نظمه الصادر عنه تصديره أعجاز قصيدة امرئ القيس بن حجر الكندي بقوله:
أقول لعزمي أو لصالح أعماليألا عم صباحاً أيها الطلل البالي
أما واعظي شيب سما فوق لمتيسمو حباب الماء حالاً على حال
أنار به ليل الشباب كأنهمصابيح رهبان تشب لقفال
نهاني عن غي وقال منبهاًألست ترى السمار والناس أحوالي
يقولون غيره لتنعم برهةوهل يعمن من كان في العصر الخالي
أغالط دهري وهو يعلم أننيكبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
ومؤنس نار الشيب يقبح لهوهبآنسة كأنها خط تمثال
أشيخاً وتأتي فعل من كان عمرهثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
وتشغفك الدنيا وما إن شغفتهاكما شغف المهنوءة الرجل الطالي
ألا إنها الدنيا إذا ما اعتبرتهاديار لسلمى عافيات بذي خال
فأين الذين استأثروا قبلنا بهالناموا فما إن من حديث ولا صال
ذهلت بها غياً فكيف الخلاص منلعوب تنسيني إذا قمت سربالي
وقد علمت مني مواعد توبتيبأن الفتى يهذي وليس بفعال
ومذ وثقت نفسي بحب محمدهصرت بغصن ذي شماريخ ميال
وأصبح شيطان الغواية خاسئاًعليه قتام شيء الظن والبال
ألا ليت شعري هل تقول عزائميلخيلي كري كرة بعد إجفال
فأنزل داراً للرسول نزيلهاقليل هموم ما يبيت بأوجال
فطوبى لنفس جاورت خير مرسلبيثرب أدنى دارها نظر عالي
ومن ذكره عند القبول تعطرتصباً وشمال في منازل قفال
جوار رسول الله مجد مؤثلوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
ومن ذا الذي يثني عنان الثرى وقدكفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ألم تر أن الظبية استشفعت بهتميل عليه هولة غير مجفال
وقال لها عودي فقالت له نعمولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
فعادت إليه والهوى قائل لهاوكان عداء الوحش مني على بال
رثى لبعير قال أزمع مالكيلقتلني والمرء ليس بفعال
وثور ذبيح بالرسالة شاهدطويل القرا والروق أخنس ذيال
وحن إليه الجذع حنة عاطشلغيث من الوسمي رائده خال
وأصلين من نخل قد التأما لهفما احتسبا من لين مس وتسهال
وقبضة رتب منه ذلت لها الظبىومسنونة زرق كأنياب أغوال
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلاًوليس بذي رمج وليس بنبال
وحسبك من سوط الطفيل إضاءةمصباح زيت في قناديل ذبال
وبذت به العجفاء كل مطهمله حجبات مشرفات على الفال
ويا خسف أرض تحت باغيه إذ علاعلى هيكل نهد الجزارة جوال
وقد أخمدت نار لفارس طالماأصابت غضاً جزلاً وكفت بأجزال
أبان سبيل الرشد إذ سبل الهدىيقلن لأهل الحلم ضلاً بتضلال
لأحمد خير العالمين التقيتهاورضت فذلت صعبة أي إذلال
وإن رجائي أن ألاقيه غداًولست بمقلي الخلال ولا قالي
فأدرك آمالي وما كل آمل ... (بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي) ولا خفاء ببراعة هذا النظم، وإحكام هذا النسج، وشدة هذه العارضة.
[قصيدتان لحازم]
قلت: وقد أذكرني هذا التصدير قصيدة الأديب حازم صاحب المقصورة
إذ صدر قصيدة امرئ القيس قفا نبك ولنذكرها هنا، قال رحمه الله تعالى:
لعينيك قل إن زرت أفضل مرسلقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلاًبسقط اللوى بين الدخول فحومل
وزر روضة قد طالما طاب نشرهالما نسجتها من جنوب وشمأل
وأثوابك اخلع محرماً ومصدقاًلدى الستر إلا لبسة المتفضل
لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدهاعلى النحر حتى بل دمعي محملي
فيا حادي الآبال سر بي ولا تقلعقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فقد حلفت نفسي بذلك وأقسمتعلي آلت حلفة ولم تحلل
فقلت لها لا شك أني طائعوأنك مهما تأمري القلب يفعل
وكم حملت في أظهر العزم رحلهافيا عجباً من رحلها المتحمل
وعاتبت العجز الذي عاق عزمهافقلت لك الويلات إنك مرجلي
نبي للهدى قد قال للكفر نورهألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
تلا سوراً ما قولها بمعارضإذا هي نصته ولا بمعطل
لقد نزلت في الأرض ملة هديهنزول اليمان ذي العياب المحمل
أتت مغرباً من مشرق وتعرضتتعرض أثناء الوشاح المفصل
ففازت بلاد الشرق من زينة بهابشق وشق عندنا لم يحول
فصلى عليه الله ما لاح بارقكلمع اليدين في حبي مكلل
نبي غزا الأعداء بين تلائعوبين إكام، بعد ما متأمل
فكم ملك وافاه في زي منجدبمنجرد قيد الأوابد هيكل
وكم من يمان واضح جاءه اكتسىبضاف فويق الأرض ليس بأعزل
ومن أبطحي نيط منه نجادهبجيد معم في العشيرة مخول
أزالوا ببدر عن بروجهم العداكما زلت الصفواء بالمتنزل
وفادوا ظباهم ولا بفتك فتى ولاكبير أناس في بجاد مزمل
وفضي جموعاً فدفداً جامعاً بهالنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
وأحموا وطيساً في حنين كأنهإذا جاش فيه جميه غلي مرجل
ونادوا بنات النبع بالنصر أثمريولا تبعدينا من جناك المعلل
وممن له سددت سهمين فاضربيبسهمين في أعشار قلب مقتل
فما أغنت الأبدان درع بها اكتستترائبها مصقولة كالسجنجل
وأضحت لواليها ومالكها العدايقولون لا تهلك أسى وتجمل
وقد فر منصاع كما فر خاضبلدى سمرات الحي ناقف حنظل
وكم قال يا ليل الوغى طلت فانبلجبصبح وما الإصباح منك بأمثل
فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغىوبات بعيني قائماً غير مرسل
وكم مرتق أوطاس منهم بمسرجمتى ما ترق العين فيه تسهل
وقرطه خرصاً كمصباح مسرجأمال السليط بالذبال المفتل
فيرنو لهاد فوق هاديه طرفهبناظرة وحش وجرة مطفل
ويسمع من كافورتين بجانبيأثيث كقنو النخلة المتعثكل
ترفع أن يعزى له شد شادنوأرخاء سرحان وتقريب تتفل
ولكنه يمضي كما مر مزبديكب على الأذقان دوح الكنهبل
ويغشى العدا كالسهم أو كالشهاب أوكجلمود صخر حط من عل
جياد أعادت رسم رستم دارساًوهل عند رسم دارس من معول
وريعت بها خيل القياصر فاختفتجواحرها في صرة لم تزيل
سبت عرباً من نسوة العرب تستبيإذا ما اسبكرت بين درع ومجول
وكم من سبايا الفرس والصفر أسهرتنؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
وحزن بدوراً من ليالي شعورهاتضل العقاس في مثنى ومرسل
وأبقت بأرض الشام كأنهابأرجائها القصوى أنابيش عنصل
وما جف من حب القلوب بغورهاوقيعانها كأنه حب فلفل
لخضراء ما دبت ولا نبتت بهاأساريع ظبي أو مساويك إسحل
شدا طيرها في مثمر ذي أرومةوساق كأنبوب السقي المذلل
فشدت بروض ليس يذبل بعدهابكل مغار الفتل شدت بيذبل
وكم هجرت في القيظ تحكي ذوارعاًعذارى دوار في ملاء مذيل
وكم أدلجت والقتر يهفو هزيزهويلوي بأثواب العنيف المثقل
وخضن سيولاً فضن باليد بعدماأثرن غباراً بالكديد المركل
وكم ركزوا رمحاً بدعص كأنهمن السيل والغثاء فلكة مغزل
فلم تبن حصناً خوف حصنهم العداولا أطماً إلا مشيداً بجندل
فهدت بعضب بعد صقالهبأمراس كتان إلى صم جندل
وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانهوأردف أعجازاً وناء بكلكل
يدك الصفا دكاً ولو مر بعضهوأيسره عالي الستار ويذبل
دعا النصر والتأييد راياته اسحبيعلى أثرينا ذيل مرط مرحل
لواء منير النصل طاو كأنهمنارة ممسى راهب متبتل
كأن دم الأعداء في عذباتهعصارة حناء بشيب مرجل
صحاب بروا هام العداة وكم قرواصفيف شواء أو قدير معجل
وكم أكثروا ما طاب من لحم جفرةوشحم كهداب الدمقس المفتل
وكم جبن من غبراء لم يسق نبتهادراكاً ولم ينضج بماء فيغسل
حكى طيب ذكراهم ومر كفاحهممداك عروس أو صلابة حنظل
لأمداح خير الخلق قلبي قد صباوليس فؤادي عن هواها بمنسل
فدع من لأيام صلحن له صباولا سيما يوم بدارة جلجل
وأصبح عن أم الحويرث ما سلاوجارتها أم الرباب بمأسل
وكن في مديح المصطفى كمدبجيقلب كفيه بخيط موصل
وأمل به الأخرى ودنياك دع فقدتمتعت من لهو بها غير معجل
وكن كنبيث للفؤاد منابثنصيح على تعذاله غير مؤتل
ينادي إلهي إن ذنبي قد عداعلي بأنواع الهموم ليبتلي
فكن لي مجيراً من شياطين شهوةعلي حراص لو يسرون مقتلي
وينشد دنياه إذا ما تدللتأفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
فإن تصلي حبلي بخير وصلتهوإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وأحسن بقطع الحبل منك وبتهفسلي ثيابي من ثيابك تنسلي
أيا سامعي مدح الرسول تنشقوانسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وروضة حمد للنبي محمدغذاها نمير الماء غير المحلل
ويا من أبى الإصغاء ما أنت مهتدوما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فلو مطفلاً أنشدتها لفظها ارعوتفألهيتها عن ذي تمائم محول
ولو سمعته عصم طود أمالها ... (فأنزل منها العصم من كل منزل) وقد عرف بحازم هذا في أزهار الرياض وذكرت جملة من نظمه ومن بارع ما وقع له قوله:
أدر المدامة فالنسيم مؤرجوالروض مرقوم الرود مدبج
والأرض قد لبست برود جمالهافكأنما هي كاعب تتبرج
والنهر مما ارتاح معطفه إلىلقيا النسيم عبابه متموج
يمسي الأصيل بعسجدي شعاعهأبداً يوشى صفحه ويدبج
وتروم أيدي الريح تسلب ما اكتسىفتزيده حسناً بما هي تنسج
فارتح لشرب كؤوس راح نورهابل نارها في مائها تتوهج
واسكر بنشوة لحظ من أحببتهأو كأس خمر من لماه تمزج
واسمع إلى نغمات عود تطبيقلب الخلي إلى الهوى وتهيج
بم وزير يسعدان مثانياًومثالثاً طبقاتها تتدرج
من لم يهيج قلبه هذا فماللقلب منه محرك ومهيج
فأجب فقد نادى بألسن حالهللأنس دهر للهموم مفرج
طربت جمادات وأفصح أعجمفرحاً وأصبح من سرور يهزج
أفيفضل الحي الجماد مسرةوالحي للسراء منه أحوج
ما العيش إلا ما نعمت به وماعاطاك فيه الكأس ظبي أدعج
ممن يروقك منه ردف مردفعبل وخصر ذو اختصار مدمج
فإذا نظرت لطرة ولغرةولصفحة منه بدت تتأجج
أيقنت أن ثلاثهن وما غدامن تحتها ينآد أو يتموج
ليل على صبح على بدر علىغصن تحمله كثيب رجرج
كأس ومحبوب يظل بلحظهقلب الخلي إلى الهوى يستدرج
يا صاح ما قلبي بصاح عن هوىشيئان بينهما المنى تستنتج
وبمهجتي الظبي الذي في أضلعيقد حل وهو يشبها ويؤجج
ناديت حادي عيسه يوم النوىوالعيس تحدى والمطايا تحدج
قف أيها الحادي أودع مهجةقد حازها دون الجوانح هودج
لما تواقفنا وفي أحداجهاقمر منير بالهلال متوج
ناديتهم قولوا لبدركم الذيبضيائه تسري الركاب وتدلج
يحيي العليل بلفظة أو لحظةتطفي غليلاً في الحشا يتأجج
قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجاًفأجبتهم خلوا اللواعج تلعج
وبكيت واستبكيت حتى ظل منعبراتنا بحر ببحر يمرج
وبقيت أفتح بعدهم باب المنىما بيننا طوراً، وطوراً يرتج
وأقول يا نفس اصبري فعسى النوىبصباح قرب ليلها يتبلج
فترقب السراء من دهر شجاوالدهر من ضد لضد يخرج
وترج فرجة كل هم طارقفلكل هم في الزمان تفرج وتذكرت هنا جيمية ابن قلاقس، وهي:
عرضت لمعترض الصباح الأبلجحوراء في طرف الظلام الأدعج
فتمزقت شيم الدجى عن غرتيشمسين في أفق وكلة هودج
ووراء أستار الحمول لواحظغازلن معتدل الوشيج الأعوج
من كل مبتسم السنان إذا جرىدمع النجيع من الكمي الأهوج
ولقد صحبت الليل قلص بردهلعباب بحر صباحه المتموج
وكأن منتثر النجوم لالئنظمت على صرح من الفيروزج
وسهرت أرقب من سهيل خافقاًمتفرداً، وكأنه قلب الشجي
واستعبرت مقل السحاب فأضحكتمنها ثغور مفوف ومدبج ولنعد إلى ذكر أبي بكر ابن جزي فنقول:
وله تقييد في الفقه على كتاب والده المسمى بالقوانين الفقهية، ورجز في الفرائض، وإحسانه كثير، وتقدم قاضياً للجماعة بحضرة غرناطة ثامن شوال عام ستين وسبعمائة، ثم صرف عنها، لما توفي الأستاذ الخطيب العالم الشهير أبو سعيد فرج بن لب - رحمه الله تعالى - وكان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، ولي عوضاً عنه أستاذاً وخطيباً عام اثنين وثمانين وسبعمائة، فبقي في الخطابة ثلاثة أعوام، ثم توفي، وأظن وفاته آخر عام خمسة وثمانين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
وأما أخوه أبو عبد الله محمد فهو الكاتب المجيد، أعجوبة الزمان، وتوفي بفاس رحمه الله تعالى عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، وقيل - وهو الصواب -: إن وفاته آخر شوال من السنة قبلها حسبما ألفيته بخط بعض أكابر الثقات بداره من البيضاء، وهي فاس الجديدة، قرب مغرب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وكان دفنه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر وراء الحائط الشرقي الذي بالجامع الأعظم من المدينة البيضاء، وكان مولده في شوال من عام واحد وعشرين وسبعمائة؛ انتهى.
قال الأمير ابن الأحمر في نثير الجمان: أدركته ورأيته، وهو من أهل بلدنا غرناطة، وكان أبوه أبو القاسم محمد أحد المفتين بها عالم الأندلس الطائرة فتياه منها إلى طرابلس، وقتل شهيداً بطريف بعد أن أبلى بلاء حسناً، وأبو عبد الله ابنه هذا كتب بالأندلس في حضرة ابن عم أبينا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف، وله فيه أمداح عجيبة، ولم يزل كاتباً في الحضرة الأحمرية النصرية إلى أن امتحنه أمير المسلمين أبو الحجاج؛ انتهى.
ويعني ابن الأحمر بهذا الامتحان أنه ضربه بالسياط، من غير ذنب اقترفه بل ظلمه ظلماً مبيناً، هكذا ألفيته في بعض المقيدات.
ثم قال ابن الأحمر: فقوض الرحال عن الأندلس، واستقر بالعدوة، فكتب بالحضرة المرينية لأمير المسلمين أبي عنان، إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى. وكان رحمه الله تعالى طلع في سماء العلوم بدراً مشرقاً، وسارت براعته مشرقاً ومغرباً، وسما بشعره فوق الفرقدين، كما أربى بنثره على الشعرى والبطين، له باع مديد في التاريخ واللغة والحساب، والنحو والبيان والآداب، بصير بالفروع والأصول والحديث، عارف بالماضي من الشعر والحديث،
إن نظم أنساك أبا ذؤيب برقته، ونصيباً بمنصبه ونخوته، وإن كتب أربى على ابن مقلة بخطه، وإن أنشأ رسالة أنساك العماد بحسن مساقها وضبطه، وهو رب هذا الشان، وفارس هذا الميدان، ومع تفننه في الشعر فهو في العلوم قد نبغ، وما بلغ أحد من شعراء عصره منه ما بلغ، بل سلموا التقدم فيه إليه، وألقوا زمام الاعتراف بذلك في يديه، ودخلوا تحت راية الأدب التي حمل، إذ ظهر ساطع براعته ظهور الشمس في الحمل، أنشدني لنفسه يمدح أمير المسلمين أبا الحجاج يوسف ابن أمير المسلمين أبا الوليد إسماعيل عم أبينا ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج هذه القصيدة البارعة، وحذف منها الراء المهملة:
قسماً بوضاح السنا الوهاجمن تحت مسدول الذوائب داج
وبأبلج بالمسك خطت نونهمن فوق وسنان اللاحظ ساجي
وبحسن خد دبجت صفحاتهفغدت تحاكي مذهب الديباج
وبمبسم كالعقد نظم سلكهولمى حكى الصهباء دون مزاج
وبمنطق تصبو القلوب لحسنهأنسى المسامع نغمة الأهزاج
وبمائس الأعطاف تثنيه الصبافيميس كالخطي يوم هياج
ومنعم مثل الكثيب يقلهمستضعف يشكو من الإدماج
وبموعد للوصل أنجز فجأةمن بعد طول تمنع ولجاج
وبأكؤس أطلعن في جنح الدجىشمس السلافة في سماء زجاج
وحدائق سحب السحاب ذيولهفيها وبات لها النسيم يناجي
وجداول سلت سيوفاً عندمافجئت بجيش للصبا عجاج
وبأقحوان قد تضاحك إذ بكتعين الغمام بمدمع ثجاج
وقدود أغصان يملن كأنهاتخفي حديثاً بينها وتناجي
وحمائم يهتفن شجواً بالضحىفهديلهن لذي الصبابة شاجي
إن المعالي والعوالي والندىوالبأس طوع يدي أبي الحجاج
ملك تتوج بالمهابة عندمالم يستجز بالدين لبس التاج
وأفاض حكم العدل في أيامهفالحق أبلج واضح المنهاج
هو منقذ العني، ومغني المعتفيومذلل العاتي، وغوث اللاجي
ماضي العزيمة، والسيوف كليلةطلق المحيا، والخطوب دواجي
علم الهدى، والناس في علياء قدضلوا لوقع الحادث المهتاج
غيث الندى، والسحب تبخل بالحياوالمحل يبدي فاقة المحتاج
ليث الوغى، والخيل تزجي بالقناوالبيض تنهل في دم الأوداج
يتقشع الإظلام إذ يبدو لهوجه كمثل الكوكب الوهاج
من آل قيلة من ذؤابة سعدهاأعلى بني قحطان دون خلاج
حيث العلا ممدودة الأطناب لمتخلق معالمها يد الإنهاج
والأعوجيات السوابق تمتطىفتظلل الآفاق سحب عجاج
والبيض والأسل العوامل تقتضيمهج الكماة بأبلغ الإزعاج
مجد ليوسف جمعت أشتاتهأعيا سواه بعد طول علاج
مولاي هاك عقيلة تزهو علىأخواتها كالغادة المغناج
إنشاء عبد خالص لك حبهومن العبيد مداهن ومداجي
آوى إلى أكناف نعماك التيليست إليه صلاتها بخداج
سباق ميدان البلاغة والوغىلشعاب كل منهما ولاج
جانبت أخت الزاي منها عامداًفأتت من الإحسان في أفواج
فافتح لها باب القبول وأول من ... أهداكها ما يبتغي من حاج ثم قال بان الأحمر: وأنشدني أيضاً لنفسه يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان فارس ملك المغرب:
إن قلبي لعهدة الصبر ناكثعن غزال في عقدة السحر نافث
أضرم النار في فؤادي وولىقائلاً لا تخف فإني عابث
ورماني من مقلتيه بسهمثم قال: اصطبر لثان وثالث
كم عذول أتى يناظر فيهكان تعذاله على الحب باعث
ويمين آليتها بالتسليفقضى حسنه بأني حانث
جبر الله صدع قلب عميدصدعت شمله صروف الحوادث
فهو يهفو إلى البروك ويرويعن نسيم الصبا ضعاف الآحاد
سلبته الأشجان إلا بقايامن أماني حبالهن رثائث
وبكاء على عهود مواضملأت صدره هموماً حدائث
لست وحدي أشكو بليلة وجدإن داء الغرام ليس بحادث
يا مضيع العهود والله يعفوعنك أنى ارتضيت خطة ناكث
غرني منك والجمال غروروظبى اللحظ في القلوب عوابث
مقل يقتسمن أعشار قلبيبالرضى مني، اقتسام الموارث
كيف غيرت بانتزاحك حاليوتغيرت لي، ولست بحارث
فرط حبي وفرط بخلك آلىأن عينيك بالفتور نوافث
وندى فارس وحسبك رداًقول من قال سد باب البواعث
ملك البأس والندى، فهو بالسيف وبالسيب عائث أوغائث
محرز المجد والثناء، فهذاسائر في الورى، وذاك لابث
أوطأ الشهب رجله وترقىصاعداً في سموه غير ماكث
فدرار تسري وما لحقتهونجوم خلف القصور لوابث
وله المقربات لا بل هي العقبان من فوقها الليوث الدلاهث
مطلعات من كل نعل هلالاًفلهذا تجلو دجى كل حادث
إن ترافقن فالجبال الرواسيأو تسابقن فالغيوث الحثائث
والمواضي كأنها قد أعيرتحدة الذهن منه عند المباحث
هي نار محرقات الأعاديوهي ماء مطهرات الخبائث
فيردن الوغى ذكوراً عطاشاًثم يصدرن ناهلات طوامث
من معانيه قد رأينا عياناًكل فضل ينصه من يحادث
خلق كالنسيم مر سحيراًبالأزاهير في البطاح الدمائث
في سبيل الإله يقصي ويدنيويوالي في ذاته ويناكث
شرف الملك منه سام وحامففدته سام وحام ويافث
هاكها من بنات فكري بكراًليس يسمو لها من الناس طامث
ذات لفظ لا يغتريه اختلالومعان لا تنتحيها المباحث
زعماء القريض أبقوا بقاياكنت دون الورى لهن الوارث
من أراد انتقادها فهي هذي ... عرضه البحث فليكن جد باحث ورأيت بخط ابن الصباغ العقيلي على هامش قوله وندى فارس حسبك رداً ... البيت ما نصه: ما أبدع تخلصه للمدح وأطبعه؛ فإنه أشار إلى قول الشاعر راداً عليه بالتبكيت، ومعقباً له بالتعنيت:
قالوا: تركت الشعر قلت: ضرورةباب السماحة والملاحة مغلق
مات الكرام فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق وقيل: إن السلطان أبا عنان أطل من برج يشاهد الحرب بين الثور والأسد على ما جرت بع عادة الملوك، فقال ابن جزي المذكور في وصف الحال:
لله يوم بدار الملك مر بهمن العجائب ما لم يجر في خلدي
لاح الخليفة في برج العلا قمراًيشاهد الحرب بين الثور والأسد ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله:
أبا حسن إن شتت الدهر شملنافليس لود في الفؤاد شتات
وإن حلت عن عهد الإخاء فلم يزللقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءةألم تتقدم قبلها حسنات وقوله وهو بحال مرض:
إن يأخذ السقم من جسمي مآخذهوأصبح القوم من أمري على خطر
فإن قلبي بحمد الله مرتبطبالصبر والشكر والتسليم للقدر
فالمرء في قبضة الأقدار مصرفه ... للبرء والسقم أو للنفع والضرر وحكي أن الفقيه الرحال أبا إسحاق إبراهيم الحاج النميري بقي في خلوته جميع شهر رمضان المعظم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فلما خرج في يوم عيد الفطر أنشده صهره أبو عبد الله ابن جزي المذكور لنفسه:
ما سرار البدور إلا ثلاثفلماذا أرى أسرارك شهرا
تعجلته سراراً لعام ... ثم تبقى في سائر العام بدرا وحكي أنه كتب للرئيس صاحب القلم الأعلى والعلامة بفاس أبي القاسم ابن رضوان يطلب منه شراب سكنجبين، وقصد التحيف بقوله: أحسن زان بيتك نجيب تسر به بر مرضي تصحيفه: أحب شراب سكنجبين شربه برء مرضي، قال: فجاوبني ابن رضوان بقوله: إن برك نفيس، تصحيفه مقلوباً: يشفيك ربنا.
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله:
رعى الله عهداً بالمرية ما أرىبه أبداً ما عشت في الناس بالناسي
وكيف ترى بالله صحبة معشر ... مجاهد بعض منهم وابن عباس وقوله في الزاوية التي أنشأها السلطان أبو عنان:
هذا محل الفضل والإيثاروالرفق بالسكان والزوار
دار على الإحسان شيدت والتقىفجزاؤها الحسنى وعقبى الدار
هي ملجأ للواردين وموردلابن السبيل وكل ركب ساري
آثار مولانا الخليفة فارسأكرم بها في المجد آثار
لا زال منصور اللواء مظفراًماضي العزائم سامي المقدار
بنيت على يد عبدهم وخديم بابهم العلي محمد بن جدار
في عام أربعة وخمسين انقضتمن بعد سبع مئين في الإعصار ومن نظمه قوله مورياً:
وما أنسى الأحبة يوم بانواتخوض مطيهم بحر الدموع
وقالوا: اليوم منزلنا الحنايافقلت: نعم، ولكن من ضلوعي وقوله مورياً أيضاً:
ورب يهودي أتى متطبباًليأخذ ثارات اليهود من الناس
إذا جس نبض المرء أودى بنفسهسريعاً، ألم تسمع بفتكة جساس وقوله:
من أي أشجاني التي جنت النوىأشكو العذاب وهن في تنويع
من وصلي الموقوف أو من هجري الموصول أو من نومي المقطوع
أو من حديث تولهي وتولعيخبراً صحيحاً ليس بالموضوع
يرويه خدي مسنداً عن أدمعيعن مقلتي عن قلبي المفجوع وأول هذه القصيدة:
ذهبي حشاشة قلبي المصدوع ... بين السلام ووقفة التوديع وقد ضمن شطرها الفقيه عبيد شارح الحلبة، إذ قال من قصيدة مطلعها:
اهمي دموعك ساعة التوديعيا مقلتي ممزوجة بفجيع بقوله:
يوم استقلت عيسهم وترحلواذهبت حشاشة قلبي المصدوع وقوله:
بخدي وجسمي والفؤاد وأدمعيشهود بهم دعوى الغرائم تصحح
ومن عجب أن رجع الناي نقلهموكلهم ذو جرحة فيه تقدح
فجسمي ضعيف، والفؤاد مخلطودمعي مطروح، وخدي مجرح وقوله:
يا محياً كتب الحسن بهأحرفاً أبدع فيها وبرع
ميم ثغر، ثم نون حاجبثم عين هي تتميم البدع
أنا لا أطمع في وصلك لي ... وعلى وجهك مكتوب منع ثم قال ابن الأحمر: ومن إنشائه البارع مورياً بالكتب، ورفعها لأمير المؤمنين
المتوكل على الله أبي عنان فارس رحمه الله تعالى يهنيه بإبلال ولده ولي عهده الأمير أبي زيان محمد من مرض:
ماذا عسى أدب الكتاب يوضح منخصال مجدك وهو الزاهر الزاهي
وما الفصيح بكليات موعبها ... كاف فيأتي بأنباء وإنباه أبقى الله تعالى مولانا الخليفة ولسعادته القدح المعلى، ولزاهر كماله التاج المحلى، تجلى من حلاه نزهة الناظر، ويسير بعلاه المثل السائر، ويتسق من سناه العقد المنظم، ويتضح بهداه القصد الأمم، ولا زالت مقدمات النصر له مبسوطة، ومعونة السعد بإشارته منوطة، وهدايته متكفلة بإحياء علوم الدين، وإيضاح منهاج العابدين، وإرشاده يتولى تنبيهى الغافلين، ويأتي من شفاء الصدور بالنور المبين، وميقات الخدمة ببابه مطمح الأنفس، وملخص الجود من كفه بغية الملتمس، قد حكم أدب الدين والدنيا بأنك سراج الملوك، لما أتت عوارفك بالمشرع السلسل ومعارفك بنظم السلوك، ووضحت معالم مجدك وضوح أنوار الفجر، وزهت بعدلك المسالك والممالك زهو خريدة القصر، فلك في جمهرة الشرف النسب الوسيط، ومن جمل المآثر الخلاصة والبسيط، وسبل الخيرات لها برعايتك تيسير، ومحاسن الشريعة بتحصيلك تحبير، وأنت حجة العلماء، الذي تقصر عن تقصي مآثره فطن الأذكياء، إن انبهم التفسير ففي يديك ملاك التأويل، أو اعتاص تفريع الفقه فعندك فصل البيان له والتحصيل، ولإن تشعب التاريخ فلديك استيعابه، أو تطاول الأدب ففي إيجاز بيانك اقتضابه، وإن ذكر الكلام ففي انتقائك من برهانه المحصول، أو المنطق ففي موجز آمالك لبابه المنخول، وليس أساس البلاغة إلا ما تأتي به من فصل المقال، ولا جامع
الخير إلا ما حزته من تهذيب الكمال، ولذلك صارت خدمتك غاية المطلوب، وحبك قوت القلوب، ولا غر إن كنت من العلياء درتها المكنونة، فأسلافك الكرام هم جواهرها الثمينة، بحماستهم أصيبت مقاتل الفرسان، وبجود جهودهم تنسى ري الظمآن، وبتسهيل عدلهم وضحت شعب الإيمان، وأنت المنتقى من سمط جمانهم، والواسط في قلائد عقبانهم، عنك تؤثر سيرة الاكتفاء، وعن فروعك السعداء تروي أخبار نجباء الأبناء، فهم لمملكتك العليا بهجة مجالسها، وأنس مجالسها، وقطب سرورها، ومطالع نورها، وولي عهدك درتهم الخطيرة، وذخيرتهم الأثيرة، لا زال كامل سعادته بطول مقامك محكماً، وحرز أمانيه بالجمع بين الصحيحين حبك ورضاك معلماً، وقد وجبت التهنئة بما كان في حيلة برئه من التيسير، وما تهيأ في استقامة قانون صحته من نجح التدبير، ولم يكن إلا بعدت به عنك المسالك، وأعوز نور طرفه تقريب المدارك، وتذكر ما عهده من الإيناس الموطأ جنابه عند فضل مالك، فوري من شوقه سقط الزند، والتهب في جوانحه قبس الوجد، فأمددته من دعائك لصالح بحلية الأولياء، فظفر لما شارف مشارق الأنوار من حضرتك بالشفاء، وقد حاز إكمال الأجر بذلك العارض الوجيز، وكان له كتشبيب الإبريز، وها هو قادم بالطالع السعيد، آيب بالمقصد الأسنى من الفتح والتمهيد، يطلع بين يديك طلوع الشهاب، ويبسم عن مفصل الثناء في الهناء بذلك زهر الآداب، فأعد له تحفة القادم من إحسانك الكامل، واخصصه بالتكملة من إيناسك الشامل، فهو الكوكب الدري المستمد من أنوارك السنية، وفي تهذيب شمائله إيضاح للخلق الكريمة الفارسية، لا زالت تزدان بصحاح مآثرك عيون الأخيار، وتتعطر بنفحة الزهر من ثنائك روضة الأزهار، وتتلى من محامدك الآيات البينات، وتتوالى عليك الألطاف الإلهيات، بمن الله سبحانه وفضله، والسلام الكريم
يعتمد المقام العلي، ورحمه الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
وللمذكور عدة مقطعات يوري فيها أسماء الكتب فمنها قوله:
ظبي هو الكامل في حسنهوثغره أبهى من العقد
جماله المدهش لكنماأخلاقه تحكي صبا نجد وقوله أيضاً:
لك الله من خل حباني برقعةحبتني من آياته بالنوادر
رسالة رمز في الجمال نهايةذخيرة نظم أتحفت بالجواهر وقوله:
قصتي في الهوى المدونة الكبرى وأخبار عشقي المبسوطه
حجتي في الغارم واضحة إذلم تزل مهجتي بوجد منوطه [نماذج من التورية بأسماء الكتب]
وتذكرت بالتورية بأسماء الكتب قول الأرجاني:
لما تألق بارق من ثغرهجادت دموعي بالسحاب الممطر
فكأن عقد الدر حل قلائد ال ... عقيان منه على صحاح الجوهري وقول لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
وظبي لأوضاع الجمال مدرسعليم بأسرار المحاسن ماهر
أرى جيده نص المحلى، وقررتثناياه ما ضمت صحاح الجواهر
وقول ابن خاتمة:
ومعطر الأنفاس يبسم دائماًعن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهرلم يدر ما النتقيح والتهذيب وقوله أيضاً:
سفهني عاذلي عليهوقال لي وده عليل
فقلت معتل أو صحيحيودعه عينه الخليل وقوله أيضاً:
حاز الجمال بصورة قمريةتجلو عليك مشارق الأنوار
وحوى الكمال بصورة عمريةتتلو عليك مناقب الأبرار وقول الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي:
من اغتدى موطأ أسلافهصح له التمهيد في أحواله
وقابل استذكاره بالمنتقىمن رأيه المختار من أعماله
وأضحت المسالك الحسنى لهتدني تقصياً قصى آماله
وسار من مشارق الأنوار في ... أدنى المدارك إلى إكماله ولما وقف على هذه القطيعة الفاضل أبو علي حسين بن صالح بن أبي دلامة عارضها وزاد ذكر القبس والمعلم:
قل للموطإ للورى أكنافهبشراه بالتمهيد في الأحوال
وإذا اكتفى بالمنتقى استذكارهوفى له المختار في الأعمال
ومسالك الحسنى تؤديه إلىأقصى التقصي من قصى الآمال
ويلوح من قبس الهداية رشدهمن معلم التفصيل والإجمال رجع إلى ابن جزي، ومن نظمه:
يا دوحة الأنس من بطحاء واسجةهل من سبيل إلى أيامك الأول
إذ نجتلي أواجه الإيناس مسفرة ... ونجتني ثمر اللذات والغزل ومن نظمه رحمه الله تعالى عند خروجه إلى بلاد المغرب، وروى بكتابي " تحفة القادم " و " زاد المسافر " فقال:
وإني لمن قوم يهون عليهمورود المنايا في سبيل المكارم
يطيرون مهما ازور للدهر جانببأجنحة من ماضيات العزائم
وما كل نفس تحمل الذل، إننيرأيت احتمال الذل من شأن البهائم
إذا أنا لم أظفر بزاد مسافرلديكم فعند الناس تحفة القادم وزاد المسافر لصفوان، والتحفة لابن الأبار
ومن نظمه قوله:
نصب الحبائل للورى بالحسن إذرفع اللثام وذيله مجرور
وأماله عني العواذل غيلةفهو الممال وقلبي المكسور وقوله أيضاً:
تلك الذؤابة ذبت من شوقي لهاواللحظ يحميها بأي سلاح
يا قلب فانج وما إخالك ناجياًمن فتنة الجعدي والسفاح
وقوله أيضاً:
وعاشق صلى ومحرابهوجه غزال ظل يهواه
قالوا تعبدت فقلت نعمتعبداً يفهم معناه وقوله رحمه الله تعالى:
أيتها النفس قفي عندماألزمت، فعلاً كان أو قولا
فمن يكن يرضى بما ساءهأو سره فهو له الأولى
لا يترك العبد وما شاءهإلا إذا أهمله المولى وقوله أيضاً:
لولا ثلاث قد شغفت بحبهاما عفت في حوض المنية موردي
وهي الراوية للحديث، وكتبه، ... والفقه فيه، وذاك حسب المهتدي وأما أخوهما القاضي أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي فهو الإمام العالم العلامة المعمر، رئيس العلوم اللسانية، قال في " الإحاطة ": هذا الفاضل قريع بيت نبيه، وسلف شهير، وأبوة خير، وأخوة بلغية وخؤولة، أديب حافظ قائم على فن العربية، مشارك في فنون لسانية، ظرف في الإدراك، جيد النظم، مطوتع القريحة، باطنه نبل وظاهره غفلة، قعد للإقراء ببلده غرناطة معيداً ومستقلاً، ثم تقدم للقضاء بجهات نبيهة على زمن الحداثة، أخذ عن والده
الأستاذ الشهير الشهيد أبي القاسم أشياء كثيرة، وعن القاضي أبي البركات ابن الحاج، وقاضي الجماعة الشريف السبتي، والأستاذ البياني، والأستاذ الأعرف أبي سعيد ابن لب، والشيخ المقرئ أبي عبد الله ابن بيبش، وأجازه رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجياب، وقاضي الجماعة أبو عبد الله [ابن بكر، وأبو محمد ابن سلمون، والقاضي ابن شبرين، والشيخ أبو حيان، وقاضي الجماعة أبو عبد الله] المقري، وأبو محمد الحضرمي، وجماعة آخرون، وشعره نبيل الأغراض، حسن المقاصد؛ انتهى المقصود منه.
وممن أخذ عنه العباس البقني شارح البردة، والقاضي أبو بكر ابن عاصم، وبالإجازة الإمام ابن مرزوق الحفيد، وغيرهم.
وقد عرف ابن فرحون في الديباج المذهب بأبيه الشهيد أبي القاسم وأخيه القاضي أبي بكر دونه، وعرف ابن الخطيب في الإحاطة بأبيه وأخويه أبي بكر وأبي عبد الله، وفيما ذكرنا من أمرهم كفاية.
ومما نسبه الوادي آشي لأبي محمد عبد الله جزي قوله:
يا من أتاني بعده بعدماعاملته بالبر واللطف
إني تأملت وقد سرنيبجملة من سورة الكهف وله أيضاً:
لقد قطعت قلبي يا خليليبهجر طال منك على العليل
لكن ما عجيب منك هذا ... إذ التقطيع من شأن الخليل رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى.
ومنهم القاضي الأديب جملة الظرف أبو بكر ابن شبرين:
وقد استوفى ترجمته في الإحاطة وذكره أيضاً في ترجمة ذي الوزارتين ابن الحكيم بأن قال بعد حكايته قتل ابن الحكيم ما صورته: وممن رثاه شيخنا أبو بكر ابن شبرين رحمه الله تعالى بقوله:
سقى الله أشلاء كرمن على البلىوما غض من مقدارها حادث البلا
ومما شجاني أن أهين مكانهاوأهمل قدراً ما عهدناه مهملا
ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانعفما كنت إلا عبدها المتذللا
سفكت دماً كان الرقوء نوالهلقد جئتما شنعاء فاضحة الملا
بكفي سبنتى أزرق العين مطرقعدا فغدا في غيه متوغلا
لنعم قتيل القوم في يوم عيدهقتيل تبكيه المكارم والعلا
ألا إن يوم ابن الحكيم مثكلفؤادي، فما ينفك ما عشت مثكلا
فقدناه في يوم أغر محجلففي الحشر نلقاه أغر محجلا
سمت نحوه الأيام وهو عميدهافلم تشكر النعمى ولم تحفظ الولا
تعاورت الأسياف منه ممدحاًكريماً سما فوق السماكين مزحلا
وخانته رجل في الطواف به سعتفناء بصدر للعلوم تحملا
وجدل لم يحضره في الحي ناصرفمن مبلغ الأحياء أن مهلهلا
يد الله في ذاك الأديم ممزقاًتبارك ما هبت جنوباً وشمألا
ومن حزني أن لست أعرف ملحداًله فأرى للترب منه مقبلا
رويدك يا من قد غدا شامتاً بهفبالأمس ما كان العماد المؤملا
وكنا نغادي أو نراوح بابهوقد ظل في أوج العلا متوقلا
ذكرناه يوماً فاستهلت جفوننابدمع إذا ما أحل العم أخضلا
ومازج منا الحزن طول اعتبارناولم ندر ماذا منهما كان أطولا
وهاج لنا شجواً تذكر مجلسله كان يهدي الحي والملأ الألى
به كانت الدنيا تؤخر مدبراًمن الناس حتماً أو تقدم مقبلا
لتبك عيون الباكيات على فتىكريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا
على خادم الآثار تتلى صحائحاًعلى حامل القرآن يتلى مفصلا
على عضد الملك الذي قد تضوعتمكارمه في الأرض مسكاً ومندلا
على قاسم الأموال فينا على الذيوضعنا لديه كل إصر على علا
وأنى لنا من بعده متعللوما كان في حياتنا متعللا
ألا يا قصير العمر يا كامل العلايميناً لقد غادرت حزناً مؤثلا
يسوء المصلى أن هلكت ولم تقمعليك صلاة فيه يشهدنا الملا
وذاك لأن الأمر فيه شهادةوسنتها محفوظة لن تبدلا
فيا أيها الكريم الذي قضىسعيداً حميداً فاضلاً ومفضلا
لتهنك من رب السماء شهادةتلاقي ببشرى وجهك المتهللا
رثيتك عن حب في جوانحيفما ودع القلب العميد وما قلى
ويا رب من أوليته منك نعمةوكنت له ذخراً عتيداً وموئلا
تناساك حتى ما تمر ببالهولم يدكر ذاك الندى والتفضلا
يرابض في مثواك كل عشيةصفيف شواء أو قديراً معجلا
لحى الله من ينسى الأذمة رافضاًويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا
حنانيك يا بدر الهدى فلشد ماتركت بدور الأفق بعدك أفلا
وكنت لآمالي حياة هنيئةفغادرت مني اليوم قلباً مقتلاً
فلا وأبيك الخير ما أنا بالذيعلى البعد ينسى من ذمامك ما خلا
فأنت الذي آويتني متغرباًوأنت الذي أكرمتني متطفلا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع