من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ذكر ما هو على القافية المهموزة من التي أولها
أمن ازديارك في الدجى الرقباءإذ حيث كنت من الظلام ضياء
هي من الكامل الثاني في قول الخليل. وعند غيره من السحل الثالث.
الازديار: الافتعال من الزيارة. وتاء الافتعال إذا وقعت قبلها زاي قلبت دالا, لا يجوز غير ذلك, فقال: الازدياد والازديار والازديان, وهذه الدالات تاءات في الأصل.
والدجى: جمع دجية, وهو ما ستر من الليل, وربما ذكره المحدثون كأنه واحد, وذلك جائز, ولكن ك لام العرب أن تجريه مجرى الجمع, كما قال الراعي:
فجاءت إلينا والدجى مزجحنةرغوث شتاءٍ قد تذوب عودها
والوجه الآخر جارٍ مجرى قول الحطيئة:
لزغبٍ كأولاد القطار راث خلفهاعلى عاجزات النهض حمرٍ حواصله
أراد حواصلها فذكر على معنى الجنس.
والرقباء: جمع رقيب, وفعيل يكون في معنى مفاعلٍ كثيرًا, فيقال: فلان جليس فلان؛ أي: مجالسه, وقرينه؛ أي: مقارنه, ورقيبه؛ أي: مراقبه.
وقوله:
قلق المليحة وهي مسك هتكها .. ز ومسيرها في الليل وهي ذكاء
ذكاء: من أسماء الشمس, وهي لا تنصرف إلا في الضرورة, ويقال للصبح: ابن ذكاء, وقال الراجز:
فصبحت قبل انبلاج الفجر
وابن ذكاء كائن في كفر
وقوله:
أسفي على أسفي الذي دلهتنيعن علمه فبه علي خفاء
التدليه: التحيير, والدله: الحيرة.
وقوله:
مثلت عينك في حشاي جراحةًفتشابها كلتاهما نجلاء
النجلاء: الواسعة من الطعن والعيون. وكان ينبغي أن يقول: فتشابهتا, فذكّر - على معنى الجرح فغلب المذكر على المؤنث.
وقوله:
نفذت علي السابري وربماتندق فيه الصعدة السمراء
السابري: درع رقيقة النسج, وذكرها هنا؛ لأنه ذهب مذهب الحديد, وقد حكي تذكير الدرع, وأنشدوا قول الراجز:
كأنه في الدرع ذي التغضن
والصعدة: القناة التي تنبت مستويةً, ولا تحتاج إلى تثقيف.
والصعدة: القناة التي تنبت مستويةً, ولا تحتاج إلى تثقيف.
وقوله:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمتفإذا نطقت فإنني الجوزاء
يعني التي تسمى أتان الضحل, وهي صخرة تكون في الوادي, فإذا مر بها السيل بقيت منه بقية قليلة هي الضحل, فيقال: إنها تكون من أشد الصخر صلابةً, ومنه قول علقمة بن عبدة:
هل تلحقني دواب الحي إذ شحطواجلذية كأتان الضحل علكوم
جلذية: صخرة صلبة شبه الناقة بها.
والجوزاء: نجم يزعم المنجمون أنه نجم منطيق.
وقوله:
شيم الليالي أن تشكك ناقتيصدري بها أفضى أم البيداء
يقول: ناقتي هذه تشككها الليالي, فلا تدري أصدري أفضى أم البيداء التي هي سائر فيها, وأراد ألف الاستفهام فحذفها, وذلك كثير موجود, وقد حملوا على ذلك قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍغلس الظلام من الرباب خيالا
كأنه قال: أكذبتك عينك, وقوله: أفضى: يحتمل أن يكون اسمًا وفعلًا: وإذا كان اسمًا فهو على معنى التفضيل, كأنه قال: أصدري أشد سعةً أم البيداء؟ وإذا كان فعلًا فهو من أفضى إلى الشيء يفضي, كأنه قال: أصدري يفضي بهذه الناقة أي يصيرها في الفضاء أم البيداء؟
وقوله:
فتبيت تسئد مسئدًا في نيهّاإسآدها في المهمه الإنضاء
تسئد: أي: تسير في الليل, ونصب مسئدًا على الحال, والنيء: الشحم. وإسآدها منصوب على المصدر.
والمعنى مسئدًا في نيها إسآدًا يشابه إسآدها, والإنضاء فاعل مسئد, وهو من قولهم: أنضيت الناقة إذا هز لتها, فأزلت عنها اللحم. والمعنى: فتبيت تسئد مسئدًا في نيها الإنضاء مثل إسآدها في المهمه, يريد أنها تفني المهمه بإسآدها, والإنضاء يفني نيها بإسآده.
وقوله:
أنساعها ممغوطة وخفافهامنكوحة وطريقها عذراء
الأنساع: جمع نسع, وهو سير مضفور, وممغوطة: أي: متغيرة بالسير. وجعل خفافها منكوحة؛ لأنها دامية, فكأنها العذراء التي قد نكحت. وجعل الطريق عذراء؛ لأنها لم تسلك قبله. وحسن المعنى أنه جعل الطريق عذراء, والعذراء هي التي جرت العادة بأن تنكح, وهي هاهنا ناكحة؛ لأنها التي أدمت الخفاف.
وقوله:
يتلون الخريت من خوف التوىفيها كما يتلون الحرباء
الخريت: الدليل, كأنه يدخل في خرت الإبرة من هدايته. والحرباء يوصف بالتلون. قال ذو الرمة يصف الحرباء:
غدا أكهب الأعلى وراح كأنهمن الضح واستقباله الشمس أخضر
والتوى: الهلاك.
وقوله:
لبس الثلوج بها علي مسالكيفكأنها ببياضها سوداء
يعني أن الطريق قد التبس عليه, فكأن بياض الثلج سواد؛ لأنه لا يهتدي بذلك البياض.
وقوله:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍسال النضار بها وقام الماء
معناه: أنه يهب النضار فيسيل, والماء الذي جرت عادته بالسيلان يستحيي من نداه فيقف.
وقوله:
جمد القطار ولو رأته كما رأىبهتت فلم تتبجس الأنواء
الأجود أن تكون الأنواء فاعلة رأته. والتبجس مثل التفجر, والأنواء هنا: جمع نوء فكأنه أراد النجم التي تنسب العرب إليها المطر, وهي منازل القمر. وأصل النوء النهوض, وهو من الأضداد؛ يكون فى معنى النهوض والسقوط, والعرب تستعمله في معنى السقوط, ويجوز أن يكون العامل في الأنواء الفعل المتأخر, فيحتمل أن يعمل فيها بهتت, فيكون اسم ما لم يسم فاعله, ويمكن أن تعمل فيها تتبجس, وإعمال الفعل الأول في هذا النحو رأي الكوفيين, وإعمال الفعل الذي هو أقرب إلى الفاعل رأي أهل البصرة. وإذا استعمل هاهنا مذهب البصريين كان في الكلام إضمار قبل الذكر إلا أنه جائز بلا اختلاف لأنه معلوم عند السامع.
وقوله:
من يهتدي في الفعل مالا يهتديفي القول حتى يفعل الشعراء
فاعل الشعراء: هو قوله يهتدي, والمعنى: أن هذا الممدوح يهتدي في الفعل مالا يهتدي إليه الشعراء, وهم موصوفون بالفنطنة, وادعاء الأشياء المتعذرة, فهذا الممدوح يفعل الأشياء التي لا تهتدي الشعراء إليها حتى يفعلها فتعرفها حينئذٍ.
وقوله:
في كل يوم للقوافي جولةفي قلبه ولأذنه إصغاء
إذا جاءت القوافي في الشعر فالمراد بها الأبيات والقصائد, وأصل القافية عند بعضهم الكلمة التي في آخر البيت مثل: منزل - وحومل, وهذا مذهب سعيد بن مسعدة, ومذهب الخليل أن القافية من آخر ساكنٍ في البيت إلى أول ساكنٍ يليه مع المتحرك قبل الساكن. فهذا في بعض المواضع يوافق قول سعيد بن مسعدة, وفي بعضها يخالفه؛ فمما يتفق فيه القولان مثل قول امرئ القيس: حومل, فالقافية عند الأخفش هي حومل, وكذلك يجب أن تكون على مذهب الخليل؛ لأن آخر حرف في البيت هو ياء الترنم, وأول ساكنٍ يليه واو حومل, والمتحرك الذي قبل الواو هو الحاء؛ فقد تساوي المذهبان. والاختلاف الذي يقع بين القولين في مثل قوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابا
فالقافية عند أبي الحسن العتابا, والقافية على مذهب الخليل قوله: تابا من العتابا.
وإنما سمي البيت قافية؛ لأن القافية تكون فيه. وقال قوم: القافية ما لزم الشاعر إعادته من الحروف. ومذهب قطرب أن القافية حرف الروي, مثل لازم منزل, ودال ثهمد, وتسمى
القصيدة قافيةً, والأبيات قوافي, وقيل: القافية نصف البيت الآخر.
وقوله:
وأغاره فيما احتواه كأنمافي كل بيتٍ فيلق شهباء
الفيلق في البيت: الكتيبة, وهي مؤنثة, قال الأعشى:
في فيلقٍ جأواء ملمومةٍتعصف بالدارع والحاسر
وقالوا: كتيبة شهباء إذ اعلاها بياض الحديد.
وقوله:
يعطي فتعطى من لهى يده اللهىوترى برؤية رأيه الآراء
اللهى: جمع لهوة وهي العطية, وأصلها القبضة التي تصب في فم الرحى, ثم كثر ذلك حتى جعلت العطية العظيمة لهوة. والآراء: القياس أن يكون فيها بعد الراء همزة, والنقل جائز. فيقال: الأرآء, كما يقال: آبار في جمع بئر, والأصل: أبآر, وأسآر في جميع سؤر, وأنشد أبو عبيد:
إنا لنضرب جعفرًا بسيوفناضرب الغريبة تركب الآسارا
يريد الأسآر.
وقوله:
لا تكثر الأموات كثرة قلةٍإلا إذا اشقيت بك الأحياء
يقول: إن الأحياء إذا شقيت بك, وكثرت الأموات, وتلك الكثرة تؤدي إلى القلة؛ إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت, وإما لأن الميت في نفسه يقل ..
وقوله:
لم تسم يا هارون إلا بعدما اقـترعت ونازعت اسمك الأسماء
أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم هاهنا في معنى الصيت, كم يقال: فلان قد ظهر اسمه؛ أي: قد ذهب صيته في الناس؛ أي: فذكره لا يشاركه فيه أحد, وماله يشترك فيه الناس فإما أن يكون عنى باسمه الذي هو هارون فهذا يحتمله ادعاء الشعراء, وهو مستحيل في الحقيقة؛ لأن العالم لا يخلو أن يكون فيه جماعة يعرفون بها رون ...
وقوله:
لعممت حتى المدن منك ملاءولفت حتى ذا الثناء لفاء
اللفاء في البيت الشيء الناقص.
وقوله:
وإذا مطرت فلا لأنك مجدبيسقى الخصيب ويمطر الدأماء
الدأماء البحر, والأجود أن يقال: وتمطر الدأماء؛ لأن فعلاء بناء لا يكون إلا للمؤنث.
وقال الأفوه:
والليل كالدأماء مستشعرمن دونه لونًا كلون السدوس
وقوله:
لم تحك نانلك السحاب وإنماحمت به فصبيبها الرحضاء
كأنه جعل السحاب قد حمت إما من حسدها إياه, وإما لفرقها أن تفتضح بجوده, والرحضاء: عرق الحمى.
وقوله:
فبأيما قدمٍ سعيت إلى العلاأدم الهلال لأخمصيك حذاء
أدم: جمع أديم: وهو جمع شاذ, وأصل أديم ظاهر الجلد. وقد قالوا: أديم السماء وجلدها على معنى الاستعارة. قال هميان:
فصبحت جابيةً صهار جا
تخاله جلد السماء خارجًا
وقال قوم: الأديم: باطن الجلد. فأما قوله: أدم الهلال وما جرى مجراه فيحتمل أن يكون الظاهر والباطن, وقال النابغة:
ولم تلفظ الأرض القبور ولم تزلنجوم السماء والأديم صحيح
يريد أديمها.
وقوله:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هوعقمت بمولد نسلها حواء
يقال: اللذ بكسر الذال واللذ بسكونها قال الراجز:
فكنت في الأمر الذي قد كيدا
كاللذ تزبى زبيةً فاصطيدا
والقافية من المتواتر.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع