من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
من التي أولها: ما سدكت علة بمورود ... أكرم من
ما سدكت علة بمورودأكرم من تغلب بن داوود
سدك بالشيء إذا لزمه, والمورود الذي به ورد الحمى. وداوود اسم أعجمي وهو يوافق فاعولًا من داد الطعام يدود. ومن هذا اللفظ اشتقاق دؤادٍ, وهو عربي صحيح. ومن أقدم الأسماء قولهم دؤاد لابن أبي دؤاد الشاعر, وله يقول أبوه:
ولقد تركت بها دؤادًا نائمًافالقلب مما قد عناه مريض
ويقال: إن الدؤاد داء يصيب الجسد وقد كان في العرب المتقدمين ملك يقال له داوود, وكان نصرانيًا, وكأنه سمي بهذا الاسم لما قرأ أهله الزبور, وهو داوود بن مندله, ويجوز أن يكون الذي عناه عامر بن جوينٍ في قوله:
فآليت لا أعطي مليكًا مقادةًولا سوقةً حتى يعيش ابن مندله
وقوله:
بعد عثار القنا بلبتهوضربه أرؤس الصناديد
واحد الصناديد صنديد, وإذا حمل على الاشتقاق وجب أن يكون من صد يصد, كأنهم يريدون أنه يصد الأعداء, ونوائب الدهر, فالنون على هذا زائدة, وهو على فنعيلٍ, ولم يستعملوا الصند فيحمل على أنه فعليل من ذلك؛ لأنهم لم يقولوا صند, ولا استعملوا ذلك في فعلٍ ولا اسمٍ, وقالوا في اسم جبلٍ صندد, وقيل صندد فيجب أن يكون من الصد أيضًا؛ لأنهم لو بنواة اسمًا على فنعلٍ أو فنعلٍ من عد يعد لقالوا: عندد وعندد, وقالوا لشدائد الدهر: صناديد؛ لأنها تصد الإنسان عن الغرض.
وقوله:
وخوضه غمر كل مهلكةٍللذمر فيها فؤاد رعديد
الذمر: الشجاع. يقال: ذمرته على كذا إذا احثثته عليه, فكأن الذمر يحث نفسه على الشجاعة أو يحثه غيره فينتهي إلى أمره, ويقال ذمر في معنى ذمرٍ, وقالوا: عنق ذمر؛ أي: شديد, قال الراجز:
فيهن حمراء إذا أصراأجشمهن عنقًا ذمرا
والرعديد: الجبان, وإنما أخذ من الرعدة؛ لأنه يرعد من الفرق. والأكثر في كلامهم: أرعد الرجل, وقد قالوا: مرعود, فدل ذلك على رعد, وزعموا أن الفالوذ يسمى الرعديد, وإنما قيل له ذلك للينه وتثنيه في يد الآكل.
وقوله:
وإن جزعنا له فلا عجبذا الجزر في البحر غير معهود
يريد أن هذا المرثي كان مثل البحر في الجود, فلما هلك ألفي كأنه البحر جزر؛ أي: غاض ماؤه, وذلك لا يعرف في البحار.
وقوله:
أين الهبات التي يفرقهاعلى الزرافات والمواحيد
الزرافات: جمع زرافةٍ, وهي الجماعة من الناس. وحكى أبو عبيد عن القناني أنهم يقولون: جاء القوم برزافتهم, فيشددون الفاء. والمواحيد: جمع ميحادٍ, يقال: رجل ميحاد؛ أي: وحده, وجاؤوا مواحيد؛ أي: أفرادًا.
وقوله:
إن نيوب الزمان تعرفنيأنا الذي طال عجمها عودي
أصل العجم عض الشيء لينظر أصلب هو أم لين؟ ! وكثر ذلك حتى قالوا: أعجمت الرجل إذا فعلت به فعلًا لتختبر ما عنده, وهل هو وثيق العقدة أم غير حصيفٍ؟ وقالوا: ناقة ذات معجمةٍ إذا كانت لها بقية على السفر, وقد استعمل أبو الطيب حمل صلة الذي على المعنى في غير موضع من ديوانه, ومنها هذا البيت, وإنما جيد الكلام أن يقول: أنا الذي طال عجمها عوده. وقد جاء مثل هذا كثيرًا قال الراجز: [الراجز]
يا مر يا بن واقعٍ يا أنتا
أنت الذي طلقت عام جعتا
وإنما القياس أنت الذي طلق عام جاعا. وقد يمكن أن يقول طلق في هذا البيت, ولكن القافية منعته من ذلك؛ لأنه لو قال: طلق, ثم جاء يجعت لكان أقبح مما فر منه.
وقوله:
ما كنت عنه إذا استغاثك ياسيف بني هاشمس بمغمود
يقال: أغمدت السيف, وهي اللغة العالية. وقد حكي مغمود؛ وذلك قليل, وأنشدوا بيتًا:
تركت سرجك قد مالت سيورتهوالسيف يبلى طوال الدهر مغمود
فأما أغمدت فكثير. قال القطامي:
لا يغمدون لها سيفًا وقد علمواألا تكون لهم أيام إغماد
وقوله:
يا أكرم الأكرمين يا ملك الـأملاك طرا يا أصيد الصيد
أصل الصيد: داء يصيب البعير في رأسه فيميل عنقه, يقال: صيد وصاد واصيد, ثم استعمل ذلك في الرجل صاحب النخوة. والأحسن أن يكون قوله: أصيد الصيد على منهاج قولهم: فلان ملك الملوك؛ أي: واحدهم الذي يعظمونه, ولا يريد أنه أعظمهم صيدًا؛ لأن ذلك يقبح كما يقبح: أنت أعور العور, أي: أشدهم عورًا؛ لأن الخلق والعاهات لا يستعمل فيها أفعل منك, ولا ما أفعله.
وقوله:
قد مات من قبلها فأنشرهوقع قنا الخط في اللغاديد
اللغد واللغدود: لحم باطن الأذى الذي هو غائب في الرأس, وربما قالوا للموضع الذي يظهر وذلك تحته: لغدود ولغد ولغد, وهذا البيت يروى لزيد الخيل:
وعامر بن طفيلٍ قد نحوت لهحد المثقف بين النحر واللغد
والخط سيف عمان, وإليه تنسب الرماح الخطية؛ لأن السفن من الهند ترفأ إليه.
وقال قوم: كل سيفٍ خط. والمعروف في الخطي فتح الخاء, وذكر ابن درستويه في شرحه «كتاب الفصيح» أن الكسر جائز.
وقوله:
فصبحته رعالها شزبًابين ثباتٍ إلى عباديد
الرعال: جمع رعلة, وهي القطعة من الخيل والإبل والنعام وقالوا: أراعيل كأنهم جمعوا رعيلًا على أرعلٍ, ثم جمعوه ثانيةً. وشزبًا: جمع شازبٍ, وهو الضامر, والشاسب أشد ضمرًا من الشازب, ثم الشاسف أشد ضمرًا منه. والناس يقولون: شزب جمع شازب على المجاز, وإنما الحقيقة أنه جمع شزوبٍ مثل قولك: رجل صبور وقوم صبر. والثبات: جمع ثبةٍ, وهي جماعة ليست بالكثيرة, ويقال في جمعه: ثبات وثبون وهو من قولهم: ثبيت الشيء إذا جمعته, ويقال: ثبة من الرجال وثبة من المال, وهذا الرجز يروى لأحيحة بن الجلاح:
بنيته بثبةٍ من مالياأخشى رجيلًا أو ركيبًا غاديا
وفي كتاب ينسب إلى الخليل يعرف بكتاب الأبنية أن الثبة من الناس تصغيرها ثبية, وأن ثبة الحوض, وهي وسطه, تصغيرها ثويبة, فهذا يدل على أن الاشتقاقين مختلفان. وأكثر العرب يجروز قباتٍ في النصب والخفض مجرى مسلماتٍ. وبعضهم ينصب التاء في موضع النصب وكذلك أنشدوا قول الهذلي:
فلما جلاها بالأيام تميزتثباتًا عليها ذلها واكتئابها
يروى بفتح التاء وكسرها, ولابد في الحالين من التنوين. والعباديد: الأفراد, ولا واحد له من لفظه, وقد ادعى قوم أن الواحد عبديد.
وقوله:
تحمل أغمادها الفداء لهمفانتقدوا الضرب كالأخاديد
يريد أنه وعدهم المال, فأقام الخيل التي هي ناصرة مقام الأموال. فانتقدوا ضربًا كالأخاديد؛ أي جعلوا ذلك كنقد المال, وهذا على سبيل الهزء. والأخاديد: جمع أخدودٍ, وهو حفرة في الأرض مستطيلة.
وقد جاء الأخدود في الكتاب الكريم, وفي الشعر القديم, قال الشاعر:
ولو يمر بصفوانس على عجلٍإذًا لغادر في الصفوان أخدودا
وقوله:
موقعه في فراش هامهموريحه في مناخر السيد
الفراش: عظام رقاق تكون في الرأس بين عظامه, قال النابغة:
تطير فضاضًا بينهم كل قونسويتبعها منهم فراش الحواجب
والمناخر: واحدها منخر, بكسر الميم والخاء, وهو من الشواذ, وقالوا منخر, بفتح الميم, وهو القياس, وحكي منخر, بكسر الميم وفتح الخاء, ويقال لمثل المنخر من الإبل نخرة ونخرة.
وقالوا نخر في جمع نخرةٍ. وأنشد أبو عمرو الشيباني:
كأن رداءيه إذا قام علقاعلى جعلٍ يغشى المآزف بالنخر
المآزف: المواضع التي يتغوط فيها. والسيد: الذئب, وحكي في جمعه سيدان, وهو مما وافق جمعه لفظ التثنية إلا في كسر النون, وبعض العرب يسمي الأسد سيدًا.
وقوله:
سقيم جسمٍ صحيح مكرمةٍمنجود كربٍ غياث منجود
يقال: رجل منجود إذا كان غي غم وعرقٍ, فيريد أن هذا المرثي اعتل فكان في كربٍ وجهدٍ وهو مع ذلك غياث للمنجود, قال أبو زبيد:
صارخًا يستغيث غير مغاثٍولقد كان عصرة المنجود
وقوله:
ثم غدا قده الحمام وماتخلص منه يمين مصفود
جعل الحمام كالقد الذي يشد به الأسير, وهذا مثل قول لبيدٍ:
تراك أمكنةٍ إذا لم أرضهاأو يرتبط بعض النفوس حمامها
جعل الحمام كالرباط. وإذا رفع القد والحمام ففي غدا ضمير يرجع على المرثي, وإذا نصب أحد المرفوعين فلا ضمير في الفعل. والمصفود الذي يشد بقد أو غيره, والاسم الصفاد.
وقوله:
تهب في ظهرها كتائبههبوب أرواحها المراويد
يقال في صفات الرياح المراويد, والقياس أن يكون الواحد مروادًا إلا أنه قليل في الاستعمال, قال ذو الرمة:
يا دار مية لم يترك لها علمًاتقادم العهد والهوج المراويد
وهو من قولهم: راد يرود إذا ذهب وجاء, ويجب أن يكون من ذلك قولهم: ريح رادة وريدة, فإن قيل: كيف قالوا ريدة وهو من ذوات الواو؛ فالجواب أن الأصل ريدة مثل ميتةٍ, ثم خففوه فقالوا: ميتة, وهي من مات يموت, ومن هذا النحو قولهم: ريحان, وهو من الروح, فتقديره أن يكون في الأصل بتشديد الياء كأنه ريحان أو ريحان, فخفف.
وقوله:
أول حرفٍ من اسمه كتبتسنابك الخيل في الجلاميد
سنابك الحوافر: مقاديمها, ويقال للأرض الغليظة: سنبكة تشبيهًا بسنبك الحافر, وفي حديث أبي هريرة: «يخرجكم الروم منها كفرًا كفرًا كما أخرجتموهم منها كفرًا كفرًا إلى
سنبكٍ من الأرض, قيل: وما ذاك السنبك؟ قال: هو حسمى جذامٍ». والجلاميد: جمع جلمودٍ, والقياس إثبات الياء كما قال الأفوه:
يغشى الجلاميد بأمثالهامركباتٍ في وظيف نهيس
وقد قالوا: جلامد, وهم يجترئون على حذف هذه الياء كثيرًا, فيقولون: مصابح في مصابيح, ومفاتح في جمع مفتاح, ولا يعرف أنهم قالوا: جلمد بغير واوٍ, قال حميد بن ثور:
جلبانة ورهاء تخصي حمارهابفي من بغى خيرًا لديها الجلامد
إلا أنهم قالوا جلمد للواحد, فيجوز أن تكون جلامد جمع جلمدٍ, وهذه الياء تثبت في الجمع إذا كان المجموع على خمسة أحرف وقبل آخره ياء أو واو أو ألف, كما يقال: ثؤلول والجمع تآليل, ودهليز والجمع دهاليز, وقرطاس والجمع قراطيس.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع