تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن

عواذل ذات الخال في حواسدوإن ضجيع الخود مني لماجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وهي من الطويل الثاني على قول الخليل, ومن السحل الثاني على قول غيره. وقافيتها من المتدارك.

وهي من الطويل الثاني على قول الخليل, ومن السحل الثاني على قول غيره. وقافيتها من المتدارك.

الخال هاهنا يحتمل أن يكون الشامة, وهو الذي أراد القائل, ولو حمل على أن الخال الاختيال لم يبعد؛ أي: أن هذه المرأة فيها تكبر واختيال.

والخود: الناعمة الجسم, وجمعها فيما قيل خود, وهو أحد ما جاء على فعلٍ في جمع فعل كما قالوا: فرس ورد, وخيل ورد, وسقف وسقف, ورجل ثط وقوم ثط, وصدق في معنى صلبٍ, والجميع صدق, ويجوز أن يكون قولهم: خود الظليم والرأل مشتقًا من الخود كأنه يسير سيرًا لا يجهد نفسه فيه, فكأنه ينعمها بذلك. وقالوا: خود فحله في الإبل؛ إذا أرسله فيها, كأنه ينعمه بذلك؛ لأنه يجعل النوق بمنزلة النساء.

والماجد, قيل: إن الذي له شرف في نفسه, وقيل: المجد شرف الآباء, وهو مأخوذ من: أمجدت الدابة علفًا؛ إذا أكثرته لها, ومنه قولهم في المثل: «في كل شجرٍ نار, واستمجد المرخ والعفار»؛ أي: استكثرا منها.

وقوله:

متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشىمحب لها في قربه متباعد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

اللاعج: الشوق الذي يؤثر في القلب, يقال: لعج الضرب في جلده إذا أثر فيه, قال عبد مناف بن ربعٍ الهذلي:

إذا تجاوب نوح قامتا معهضربًا أليمًا بسبتٍ يلعج الجلدا

وقوله:

إذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍفلم تتصباك الحسان الخرائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

تتصباك: أي تجذبك إلى الصبى وتخرجك إليه. والخرائد: جمع خريدةٍ, وهي الحيية, وقيل: الناعمة, ويقال: تخردت الجارية إذا صارت من جملة الخرائد, وأكثر ما تستعمل الخريدة بالهاء, وقد قال كثير في صفة السحاب والبرق:

كما أومضت بالطرف ثم تحجبتخريد بدا منها جبين وحاجب

وقوله:

مررت على دار الحبيب فحمحمتجوادي وهل تشجو الجياد المعاهد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

الحمحمة: صوت يردده الفرس في صدره وعنقه, يقال: حمحم ويحمحم, وأنشد أبو زيد:

فلا وأبيك خيرٍ منك إنيليؤذيني التحمحم والصهيل
للشاعر سُمَيْر بن الحارث الضبي، اقرأ القصيدة

والجواد: يستعمل في صفه الذكر والأنثى. وهذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجرٍ وامرئ القيس بن عابسٍ, وهو قوله:

وأعددت للحرب خيفانةًجواد المحثة والمرود

والمعاهد: المنازل التي عهد فيها القوم.

وقوله:

وما تنكر الدهماء من رسم منزلٍسقتها ضريب الشول فيها الولائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

الضريب: لبن إبلٍ يحلب بعضه على بعض, قال ابن أحمر:

وما كنت أخشى أن تكون منيتيضريب جلاد الشول خمطًا وصافيا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «لعمري ما خلفت إلا لما أرى»

والشول: الإبل التي قلت ألبانها, وذلك إذا مرت عليها بعد النتاج سبعة أشهر أو ثمانية, وجعلها تسقى ضريب الشول؛ لأن الإبل إذا شالت قل اللبن, وإذا سقوه الفرس دل ذلك على كرمها عندهم. والولائد: جمع وليدة, وهي الأمة الشابة, ويقال للغلام المسعبد وليد ما دام شابًا مقتبلًا, إلا أن الوليد من الأحرار يشركه في هذا الاسم, ولا يقال وليدة للحرة.

وقوله:

وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍسبوح لها منها عليها شواهد
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

يريد أن هذه الفرس في خلقها أشياء تشهد بأنها من كرائم الخيل, مثل: قصر الظهر, وطول العنق, وانضمام الأذن, ونحو ذلك مما يحمد في خلق الخيل. والسبوح التي كأنها تسبح لشدة جريها, وإنما يشبهون أيدي الخيل بأيدي الرجال الذين يسبحون؛ لأنهم يسرعون نقلها في الماء. ومن ذلك قول النعمان بن بشيرٍ:

واليد سابحة والرجل ضارحةوالعين قادحة والبطن مقبوب

وقوله:

تثنى على قدر الطعان كأنمامفاصلها تحت الرماح مراود
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

يريد أنها كالتي تعلم ما يراد منها؛ فهي تتقي الطعن كما يتقيه الفارس, وهذه من الدعوى المستحيلة, ويجوز أن يريد أنها تطيعه إذا ثناها لجهةٍ من خوف الطعن. والمفاصل: واحدها مفصل, وقد حكى مفصل, بفتح الميم وكسر الصاد. فأما اللسان فمفصل بالكسر لا غير. وبيت حسان ينشد على وجهين:

كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجةٍ أرخاهما للمفصل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

إذا روي بكسر الميم احتمل أن يراد اللسان واحد مفاصل الإنسان, وإذا روي مفصل بفتح الميم فهو ما بين العضوين, والأشبه أن يكون المراد المفصل من مفاصل الجسد؛ لأنهم يصفون الخمر بإرخاء المفاصل ودبيبها في الأعضاء. وشبه مفاصل الفرس بالمراود؛ لأن المرود من شأنه أن يدور ويتصرف, وهو من راد يرود إذا ذهب وجاء.

وقوله:

خليلي إني لا أرى غير شاعرٍفلم منهم الدعوى ومني القصائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

كان الناس في هذا الشام يروون: فلم منهم الدعوى, ولا يمتنع ذلك, ولكن الذي يؤثرون تهذيب الكلام يختارون «كم» في هذا الموضع؛ لأن «لم» قد جاءت في أول القصيدة, وكم أحسن في المعنى وأشد مبالغةً؛ لأنها تدل على كثرة فعلهم ذلك, ويجوز أن يكون الشاعر قالها لم ثم غيرها من بعد, أو غيرها سواه؛ لأن الشعراء ربما وضعت الرواة في كلامهم الكلمة التي هي أوقع من التي نظمها القائل, وفي كلام يروى عن ابن مقبل: «إني لأرسل القوافي عوجًا فتقومها الرواة بألسنتها».

وقد مضى الكلام في اشتقاق القصيدة, وبقي منه أنه يجوز أن يكون اشتقاقها من القصيد, وهو مخ السمن؛ أي أنها قوية قد اجتهد فيها الناظم فلها فضل كما أن مخ السمين أفضل من مخ المهزول.

وقوله:

له من كريم الطبع في الحرب منتضٍومن عادة الإحسان والصفح غامد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

انتضى السيف إذا أخرجه من عمده, وغامد: على مذهب من يقول غمدت السيف, وهي حكاية أبي زيد, وكان الأصمعي ينكر ذلك, وسئل عن اشتقاق «غامدٍ» أبي هذا الحي من الأسد فقال: هو من غمدت الركية إذا كثر ماؤها, فأما أصحاب النسب فيزعمون أنه سمي بقوله:

تغمدت ذنبًا كان بينه عشيرتيفسماني القيل الحضوري غامدا

وهذا كله راجع إلى غمد السيف, وهو دليل على قول من قال: إن «غمدت» لغة صحيحة.

وقوله:

أحقهم بالسيف من ضرب الطلىوبالأمر من هانت عليه الشدائد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الناس ينشدون: أحقهم بالرفع, وهو وجه حسن, والنصب أيضًا وجه قوي, كأنه قال: رأيت أحقهم بالسيف, والطلى: جمع طليةٍ, وهي صفحة العنق. وقال قوم: واحد الطلى طلاة,

ومنه قول الأعشى:

متى نسق من أنيابها بعد هجعةٍمن الليل شربًا حين مالت طلاتها

وقال ذو الرمة:

أضله راعيا كلبيةٍ صدراعن مطلبٍ وطلى الأعناق تضطرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقوله:

شننت بها الغارات حتى تركتهاوجفن الذي خلف الفرنجة ساهد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

شننت الغارة إذا فرقتها, وعندهم أن الغارة لا تكون إلا في وجه الصبح وأول النهار.

ومنه قول امرئ القيس:

ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحىعلى هيكلٍ عبل الجزارة جوال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وقد جاءت الغارة في الليل, جاء بها عبيد الله بن قيس الرقيات, وهو ممن يضعف شعره عن شعر غيره؛ وذلك قوله في صفة الخيل:

بدلت بالشعير والقت والتبــن ومسح الغلام تحت الجلال
غارة الليل والنهار فما تصــبح إلا معدة للقتال

ويجوز أن يكون لما ذكر النهار أشرك معه الليل فيكون ذلك نحوًا من قول الحطيئة:

سقوا جارك العيمان لما جفوتهوقلص عن برد الشراب مشافره
سنامًا ومحضًا أنبت اللحم فاكتستعظام امرئٍ ما كان يشبع طائره

لما ذكر المحض أضاف السنام إليه, وقال قوم: بل يذاب من السنام دهن فيخلط باللبن فيسقاه الإنسان. وقد يجوز مثل ذلك, ولا بأس بالوجه الأول؛ لأنهم يتسعون في المجاز والاستعارة.

والفرنجة: اسم أعجمي, والذين يقربون من تلك البلاد يقولون: إفرنجة بزيادة الهمزة في أولها, والشعراء يجترئون على تغيير الاسم المنقول إلى العربية فلا يحفلون كيف جاؤوا به.

وقوله:

تنكسهم والسابقات جبالهموتطعن فيهم والرماح المكايد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

يقال: نكس الفارس ونكت؛ إذا ألقاه عن فرسه على رأسه, وجعل الجبال ها هنا كالسابقات من الخيل؛ لأنهم يحلون بها فكأنهم فرسان عليها. والمكايد: جمع مكيدة, من قولهم: كاده إذا مكر به, ولا يجوز همز المكايد كما لا يجوز همز المعايش.

وقوله:

وتضربهم هبرًا وقد سكنوا الكدىكما سكنت بطن التراب الأساود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

الهبر: ضرب يلقي هبرةً من اللحم؛ أي: قطعةٍ, والكدى: جمع كديةٍ, وهي الغلظ من الأرض.

يريد أن لهم مغارًا في الجبال والأماكن الغليظة, فهم يسكنونها من خوف الأسر والقتل, كما تسكن أساود الحيات بطن التراب. وإذا كان الاسم الذي على أفعل صفةٍ لم تقرب من الأسماء جمع على فعلٍ, مثل: أسود وسود, وأحمر وحمر, فإذا صار كالاسم للشيء جمع على أفاعل, من ذلك قولهم في جمع الأسود من الحيات أساود, ولا يقولون سود, ولا يستعملون قولهم: رجال أساود إلا في ضرورةٍ.

وقوله:

وتضجي الحصون المشمخرات في الذرىوخيلك في أعناقهن قلائد

المشمخر: المرتفع من الجبال, والذرى: جمع ذروةٍ, وهي أعلى الشيء, ويقال: ذروة بكسر الذال, والقياس يوجب أن يقال ذرى, كما يقولون في نصل السهم: سروة وسرًى.

والهاء في أعناقهن راجعة على الحصون, وهذه مبالغة في وصف الخيل؛ لأنها تدرك أعناق الحصون المبنية على أعالي الجبال, وهذا مأخوذ من قول أوس بن حجر:

جزين بني عوار الإفك عناودمخًا يوم هز له نطاق

وقوله:

عصفهن بهم يوم اللقان وسقنهمبهنزيط حتى ابيض بالسبي آمد

ذكر آمد على معنى الموضع والمكان, وهو اسم أعجمي وقد وافق من العربية فاعلًا من أمد إذا غضب. وحكي عن أبي عمرو الشيباني: سفينة آمد؛ إذا كانت ملأى, ويقال: إن علي بن حمدان الملقب بسيف الدولة أمر بإطلاع السبي على سور آمد لينظر إليه عسكر الروم, وسورها أسود الحجارة, فذلك معنى قوله: ابيض بالسبي آمد.

وقوله:

وألحقن بالصفصاف شابور فانهوىوذاق الردى أهلاهما والجلامد

الصفصاف, وشابور: حصنان. وانهوى انفعل من هوى يهوي إذا انهدم, وهو فعل المطاوعة, وأكثر ما يجيء في فعلته فانفعل, مثل: كسرته فانكسر, ودفعته فاندفع, ولا يعرف هويته في معنى أهويته. وقوله: انهوى يشبه قولهم: إدخلت يدي في الوعاء فاندخلت ولا يقولون: دخلت يدي. وقال الكميت:

ولا يدي في وعاء القوم تندخل

وقال يزيد بن الحكم الكلابي:

وكم موطنٍ لولاي طحت كما هوىبأجرابه من قلة النيق منهوي
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وثنى الأهل في قوله: أهلاهما ليحسن الوزن, ولو وحد لكان جائزًا على مذاهب العرب إلا أنه تقويم اللفظ في الغريزة, وأصلأهلٍ ألا يثنى ولا يجمع؛ لأنه يقع على الواحد والاثنين والجمع؛ لأنه يقال: أهل الخير, وأهل الكرم, قال حاتم الطائي:

ظلت تبكي على بكرٍ شربت بهإن الرزية في الدنيا ابن مسعود
غادرة القوم بالمعزاء منجدلًاوكان أهل الندى والخير والجود
وربما جمعوا أهلًا بالمعزاء منجدلًاوكان أهل الندى والخير والجود

وربما جمعوا أهلًا جمع السلامة, قال الجعدي:

لبست أناسًا فأبليتهموأبليت بعد أناسٍ أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهموكان الإله هو المستآسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

وقوله: وذاق الردى أهلاهما والجلامد, يريد أنهما أحرقا, فذاق الردى الصخر والحجارة؛ لأن النار عملت فيهما.

وقوله:

وغلس في الوادي بهن مشيعمبارك ما تحت اللثامين عابد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

غلس: إذا سار في الغلس, وهو اختلاط ظلام الليل بضوء الصبح. والوادي مأخوذ من قولهم ودى إذا سال, إلا أنهم تركوا استعمال الودي إلا في قولهم: ودى البائل. قال الشاعر:

ترى ابن أبيرٍ خلف قيسٍ كأنهحمار ودى خلف است آخر قائم
للشاعر مالك بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

ويقال في جمع الوادي: أودية, وذلك جمع شاذ, ومثله: جائز البيت, وجمعه أجوزة, والجائز الخشبة التي تجعل عليها أطراف القواري. ومن كان من لغته أن يقول ناصاة الفرس يريد الناصية وما الدنيا بباقاةٍ؛ أي: بباقية؛ فإنه يقول في أوديةٍ أوداة, وتلك لغة طائية؛ قال الشاعر:

بريحٍ من الكافور والطلح أبرمتبه شعب الأوداة من كل جانب

والمشيع: يراد به الشجاع الجريء كأنه يشيعه غيره؛ أي: يصحبه. وعابد: يحتمل أن يكون من العبادة, ومن الأنفة؛ لأنهم يقولون عبد إذا أنف, وقد فسرت الآية على الوجهين, وهي قوله تعالى: ﴿فأنا أول العابدين﴾.

وقوله:

فلميبق إلا من حماها من الظبىلمى شفتيها والثدي النواهد

الظبى: جمع ظبةٍ, وهي حد السيف, وهي من المنقوص الذي ذهب منه حرف, كأنها ظبية في الأصل, فلما جمع ترجعت الياء وانقلبت ألفًا لوقوعها طرفًا وقبلها فتحة, وقالوا في جمعها: ظبين, وكذلك يفعلون في المنقوص يقولون: عزة وعزين وعزون, وثبة وثبين

وثبون, قال الكميت:

يرى الراؤون في الشفرات منهاكنار أبي الحباحب والظبينا

وقال الأسود بن يعفر:

فغظناهم حتى أتى الغيظ منهمقلوبًا وأكبادًا لهم ورئينا
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ألا يا أسلمي قبل الفراق ظعينا»

يريد جمع رئةٍ. واللمى: سمرة شديدة في الشفتين, ويقال: ظل ألمى؛ إذا كان واسعًا بعيدًا من الشمس, وهو مأخوذ من السمرة والسواد, قال حميد بن ثور:

إلى شجرٍ ألمى الظلال كأنهرواهب أحرمن الشراب عذوب
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

والثدي: جمع ثدي, وما جمع على فعولٍ من ذوات الياء والواو مثل: دلي وثدي جاز في أوله الضم والكسر. والنواهد: جمع ناهدٍ, يقال: نهد الثدي إذا ارتفع حجمه, والمرأة ناهدز

وقوله:

ومن شرف الإقدام أنك فيهمعلى القتل موموق كأنك شاكد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

الشاكد: المعطي من غير مسألة وقيل: هو الذي يعطي ولا يريد عوضًا, يقال: شكده شكدًا, والاسم الشكد, بضم الشين. وادعى لسيف الدولة أن الروم تمقه مع ما يفعل بهم من القتل والأسر؛ وذلك من الدعوى الباطلة.

وقوله:

وكل يرى طرق الشجاعة والندىولكن طبع النفس للنفس قائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

يقول: كل العالم يعرف طريق الشجاعة وطريق الجود ولكنه لا يسلكه؛ لأن طبعه يقوده إلى غيره, وهذا تفضيل للمدوح على سواه؛ لأنه جعله يأتي ما لا يأتيه الأنام.

وقوله:

وأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا بنهتشابه مولود كريم ووالد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
وحمدان حمدون وحمدون حارثوحارث لقمان ولقمان راشد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

اتفق له في هذين البيتين ما لم يتفق لغيره من تشبيه الممدوح بأبيه وتشبيه أبيه بجده ثم كذلك حتى استوفى سبعةً في النسب وعشرةً في المقابلة. وحمدون اسم لم تتسم به العرب في القديم وقلما بنوا اسمًا على فعلونٍ. وقد ذهب قوم إلى أن وزن زيتونٍ فعلون, وقد ذكر فيما أغفله سيبويه من الأبنية, وكان الزجاج يذهب إلى أنه جمع سلامةٍ لزيت, ومثل هذا يبعد.

والأعاجم يقربون الألف من الواو, والواو من الألف, فيقولون حمدان فيشيرون بالألف إلى الواو, وقد حكي عن العرب نحو من ذلك في الصلاة والحياة والزكاة, فيجوز أن يكون حمدون مما فعل به ذلك, ومثله علون كأنهم نحوا بألف علان إلى الواو, فلما سمعتها العرب في الإسلام جعلتها واوًا خالصة فقالوا علون؛ وهذا يقوي ترك الصرف في حمدون وما كان مثله. وحذف التنوين من حارثٍ, وحذفه في الشعر جائز. وكان محمد بن يزيد ينكر جوازه, ويغير أبياتًا أنشدها النحويون, منها قول عبيد الله بن قيس الرقيات:

ومصعب حين جد الأمــر أكثرها وأطيبها

فينشد:

وأنتم حين جد الأمر

وأنشد النحويون:

وما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس في مجمع

وكان المبرد ينشد:

يفوقان شيخي في مجمع

وأقبح ما يكون حذف التنوين في الخفض؛ لأنه إذا حذف في الرفع والنصب شبه بما لا ينصرف, وإذا حذف في الخفض لم يكن له شيء يشبهه فيما يمتنع عن الصرف؛ لأنما لا ينصرف لا ينخفض إلا أن يضاف أو تدخل عليه الألف واللام. وكان الكوفيون يرون في مثل البيت المنسوب إلى تأبط شرًا:

قالت أميمة ما لثابت شاحبًاعاري الأشاجع ناحلًا كالمنصل

أن تفتح التاء في ثابت, وكذلك الراء من دوسر في قول الآخر:

وقائلةٍ ما بال دوسر بعدناصحا قلبه عن آل ليلى وعن هند
للشاعر دَوسَر القُرَيعي، اقرأ القصيدة

ويقال: إن مذهب البصريين كسر الراء في دوسر, والتاء في ثابتٍ.

وقوله:

وذاك لأن الفضل عندك باهروليس لأن العيش عندك بارد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

أشار بذاك إلى الحب الذي دل عليه بقوله: أحبك, وكذلك يفعلون في كثير من الكلام فيقولون: أعطيت فلانًا دراهم؛ وذاك لأنه فقير, يشيرون بذاك إلى الإعطاء, ويقولون عيش بارد إذا وصفوه بالخفض والطيب, وإنما فعلوا ذلك لأن الغالب على بلاد العرب شدة الحر, فكانوا يرون للمكان البارد فضيلة, قال الشاعر:

خليلي بالبوباة عوجا ولا أرىبها منزلًا إلا جديب المقيد
نذق بردها من بعد ما لعبت بناتهامة في حمامها المتوقد

فقال آخر:

فما وجد أعرابيةٍ قذفت بهاصروف النوى من حيث لم تك ظنت
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فما وجد أعرابية قذفت بها»
إذا ذكرت ريح العضاه وطيبهوبرد الحصى من أرض نجدٍ أرنت

وقد يكون البارد في معنى الساكن: فأما أبو الطيب فلم يرد إلا وصف الممدوح بالفضل, فيجوز أن يحمل على أن العيش عنده بارد؛ أي: طيب؛ إلا أنه لا يحبه لأجل ذلك. ويمكن أن يكون نفى عنه العيش البارد؛ لأنه صاحب حربٍ وغزوٍ. وجاء في الحديث: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»؛ أي: لا يكون فيها حر ولا عطش, وهو نحو من قولهم: «عيش بارد». وكانت العرب في الجاهلية تقول: غنيمة باردة؛ أي: لا يحتاج فيها إلى قتال ولا سفك دم. فهذا يجوز أن يكون من السكون أو من الحرب تشبه بالنار, وتوصف بأنها تتقد فيراد أنها لا حرراة فيها.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الدال

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.