من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: أحلمًا نرى أم زمانًا جديدا ... أم
أحلمًا نرى أم زمانًا جديداأم الخلق في شخص حي أعيدا
وهي من المتقارب الأول في رأي الخليل. قد كثر في الشعر قولهم للرجل: كأنه الخلق, وكأنه الناس كلهم, ومن ذلك قول القائل:
وليس لله بمستنكرٍأن يجمع العالم في واحد
وهذا مما يخرج على العموم, والمراد به الخصوص؛ لأنه لو عم به الخلق كلهم لكان ذلك منقصةً عظيمةً على الممدوح؛ إذ كان العالم فيه المجنون, والأحمق, والأخرس, وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
وقوله:
رأينا ببدرٍ وآبائهلبدرٍ ولودًا وبدرًا وليدا
إنما شبه الممدوح بالبدر إذ كان اسمه بدرًا, ادعى أنه قد رأى للبدر ولودًا؛ أي: أبًا, وللبدر وليدًا؛ أي: مولودًا, وهذه من الدعاوي الباطلة؛ لأنه لا يعني إلا بدر السماء, وقوله: لبدرٍ نكرة, ولا يحتمل أن يكون معرفةً؛ لأنه لو كان ذلك لم يكن فيه مدح.
وقوله:
وربتما حملةٍ في الوغىرددت بها الذبل السمر سودا
إذا جاءت بعد رب وربت فالأحسن الخفض, وتكون ما زائدةً, فيقال: ربما رجلٍ مررت به, وربتما خيلٍ شهدتها. قال ضمرة بن ضمرة:
ماوي يا ربتما غارةٍشعواء كاللذعة بالميسم
ولو رفع الاسم بعد ما وجعلت كافة لم يبعد ذلك. فأما قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾ فما وما بعدها في موضع خفضٍ كأنه قال: رب ودادٍ للذين كفروا. وقد يجيء في الشعر بعد ربما ما فيه الألف واللام فقال أبو دؤاد:
ربما الجامل المؤبل فيهموعناجيج بينهن المهار
فيجوز أن يكون أشمر يكون كأنه قال: ربما يكون الجامل. ويجوز أن يجعل ما نكرة ويوقعها على زمان كأنه قال: رب زمانٍ الجامل في هؤلاء القوم فيه. وجعل الذبل تصير سودًا؛ لأن بعض الدم يكون أسود.
وقوله:
بهجر سيوفك أغمادهاتمنى الطلى أن تكون الغمودا
إلى الهام تصدر عن مثلهترى صدرًا عن ورودٍ ورودا
البيت الأول قد كمل معناه وهو غير محتاجٍ إلى ما بعده. وقوله: إلى الهام: يفتقر إلى فعلٍ مضمرٍ يكون راجعًا إلى السيوف كأنه لما جرى في البيت الأول ذكر الهجر أضمر يهجر في البيت الثاني, يريد تهجر سيوفك أغمادها إلى الهام, كما قال: (هجرت إليه الغيث) أي: تركت الغيث لتتصل به, وكذلك سيوفه تهجر الأغماد لتقع في الهام.
وقوله:
قتلت نفوس العدى بالحديدحتى قتلت بهن الحديدا
يريد أنه يحطم السيوف في الأعداء, وهذا نحو من قول البعيث:
وإنا لنعطي المشرفية حقهافتقطع في أيماننا وتقطع
وقوله:
فأنت وحيد بني آدمٍولست لفقد نظيرٍ وحيدا
ادعى له الوحدة في أول البيت, ثم قال: ولست لفقد نظيرٍ وحيدًا؛ أي: أن الناس يشاركونك في الصورة الإنسية, وفي الأشياء التي يشترك فيها العالم, كالنوم والطعام والشراب, فإذا جاء السؤدد والشجاعة والكرم وما يحمد الرجل عليه كنت الأوحد.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع