تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أود من الأيام ما لا توده ...

أود من الأيام ما لا تودهوأشكو إليها بيننا وهي جنده
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذه القصيدة من الطويل الثاني ولا تعرف قصيدة للعرب على هذا الوزن والقري, ولم يستعمله أحد من فحول المحدثين استعمالًا ظهر عنه, وقد جاء حبيب بن أوس بقصيدة على هذا النحو إلا أن رويها لام, وهي التي أولها:

أبا الفضل أنت الدهرمن لا ندلهعلى الحزم في التدبير بل نستدله

والبين هاهنا: الفراق, وقد استعمل في معنى الوصل.

وقوله:

يباعدان حبًا يجتمعن ووصلهفكيف بحب يجتمعن وصده

زعم أن الأيام يباعدان الحبيب المواصل, فكيف بحب موصوفٍ بالصدود؟ أي: هذا

الحب المذكور صاد عنا فذلك أجدر بمعونته الأيام على الفراق. وعطف وصله وصده على الضمير المرفوع في يجتمعن, والأحسن أن يؤكد الضمير المرفوع إذا عطف عليه مثل أن يقول: يجتمعن هن ووصله.

وقوله:

رعى الله عيسًا فارقتنا وفوقهامهى كلها يولى بجفنيه خده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

يولى: من الولي الذي هو مطر بعد الوسمي؛ أي: هذه المها قد بكت بكاءً أولًا, فهو من الدموع وسمي, ثم بكت بكاءً ثانيًا, فهو كالولي من المطر. يقال: وليت الأرض فهي مولية, ووليت وليةً ووليًا, قال الشاعر:

لني وليةً تمرع جنابي فإننيلما نلت من معروف سيبك شاكر

وقوله:

بواد به ما بالقلوب كأنهوقد رحلوا جيد تناثر عقده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

ادعى أن الوادي إذا ساروا عنه يجد لفراقهم, كما يجد الآدميون فيه من الأسف, كما في قلوب الإنس, وكأنه لما رحلوا جيد انتثر عقده فقد بقي عاطلًا, فهذا المعنى الواضح, وقد يجوز أن يعني بقوله: بوادٍ به ما بالقلوب أنهن في الوادي ممثلات كما أنهن في قلوبنا كذلك.

وقوله:

إذا سارت الأحداج فوق نباتهتفاوح مسك الغانيات ورنده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الأحداج: جمع حدجٍ, وهو مركب من مراكب النساء, ومن أمثالهم: فخر الأمة بحدج ربتها, يقال ذلك للرجل يفخر بشيء ليس له. وتفاوح: تفاعل من فاح يفوح, وأكثر ما يكون التفاعل من اثنين, وهما ها هنا المسك والرند. وذكر أبو زيدفي «كتاب الشجر» أن الرند من العضاه, وقال غيره: هو شجر طيب الرائحة.

وسموا العود الذي يتبخر به رندًا على معنى التشبيه, وقال قوم: الرند الآس, وقيل: الحنوة.

وقوله:

وحالٍ كإحداهن رمت بلوغهاومن دونها غول الطريق وبعده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

يقول: رب حالٍ كإحدى هذه المها جليلةٍ عظيمةٍ بعيدةٍ على الطالب رمت بلوغها, والغول: يكون في معنى البعد, فيجوز أن يكرر المعنى لاختلاف اللفظين, ولا يمتنع أن يكون الغول في المعنى الهلاك من قولهم: غاله يغوله: إذا أهلكه.

وقوله:

يرى جسمه يكسى شفوفًا تربهفيختار أن يكسى دروعًا تهده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الشفوف هاهنا: الثياب الرقاق التي يشف ما تحتها؛ أي: يبين للناظر, ويقال للستر الرقيق شف وشف, وقال الشاعر:

زانهن الشفوف والمحض والقيــظ وعيش مفانق وحرير

وقالت الكلبية:

للبس عباءةٍ وتقر عينيأحب إلي من لبس الشفوف
للشاعر نصر الله الحائري، اقرأ القصيدة

وتربه: أي تصلحه وتحسن حاله, من قولهم: رببت الصبي؛ إذا أحسنت القيام عليه,

وقد ردد أبو الطيب هذا المعنى في شعره, من ذلك قوله:

فإني أستريح بذي وهذاوأتعب في الإناخة والمقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

وقوله:

يكلفني التهجير في كل مهمهٍعليقي مراعيه وزادي ربده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

يكلفني: فيه ضمير يرجع إلى قلبه. والتهجير: السير في الهاجرة. ويقال: هجر النهار؛ إذا صار إلى وقت الهجير, وأكثر ما تستعمل الهاجرة في نصف النهار مع شدة الحر, قال امرؤ القيس:

فدعها وسل الهم عنك بجسرةٍذمولٍ إذا صام النهار وهجرا

وقوله: عليقي مراعيه؛ بمعنى أنه قد أقام مراعي هذه المهمه مقام العليق الذي يعلقه على خيله, وزادي ربده: أي أني أصطاد الربد, وهي النعام, وأقيمها مقام الزاد.

وقوله:

ونمتحن النشاب في كل وابلٍدوي القسي الفارسية رعده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

النشاب: مأخوذ من قولهم: نشب في الشيء إذا علق به, وقد جاء في الشعر القديم, وينشد لعمر بن أبي ربيعة:

فسمعت ما قالت فبت كأنماشك الحشى بنوافذ النشاب

وقوله:

سبائك كافورٍ وعقيانه الذييصم القنا لا بالأصابع نقده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

السبائك: جمع سبيكة, وهي قطعة من الذهب أو الفضة تسبك بالنار, قال غالب بن الحر:

نبائت أنصابًا كأن وليعهاسموط العذارى علقت في السبائك

يصف نخلًا, والوليع: طلع الفحال, والعقيان: خالص الذهب, وكأنهم يريدون به الذي يخرج من المعدن, ثم صار ذلك اسمًا عامًا, قال الشاعر:

كل قوم] خلقوا من آنكٍوبنو العباس عقيان الذهب

والأصابع: يقال في واحدها: إصبع وإصبع وأصبع وأصبوع. وقال بعض الناس: يجوز في الإصبع أن تأتي على وزن كل فعلٍ يخبر به المتكلم عن نفسه. ويقال: لفلان إصبع على المال؛ إذا كان حسن القيام عليه, قال الراعي النميري:

صليب العصا بادي العروق ترى لهعليها إذا ما أمحل الناس إصبعا

وقوله:

بلاها حواليه العدو وغيرهوجربها هزل الطراد وجده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

بلاها: اختبرها, ويقال: هو حواليه وحوليه وأحواله وحاله وحوله, قال امرؤ القيس:

ألست ترى السمار والناس أحوالي

فهذا جمع حولٍ, كأنه جعل كل جانبٍ حولًا, وقال النابغة:

حولي بنو دودان لا يعصوننيوبنو بغيضٍ كلهم أنصاري
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نبئت زرعة والسفاهة كاسمها»

وقال الراجز من العرب على لسان الضب, وهذا الرجز ينشد مطلقًا وموقوفًا:

أهدموا دارك لا أبالكاوزعموا أنك لا أخالكا

وأنا امشي الدألى حوالكا

وقال كعب بن زهير:

يمشي الوشاة حواليها وقولهمإنك يا بن أبي سلمى لمقتول

والهزل: ضد الجد. يقال: هزل الرجل يهزل؛ إذا جاء بالهزل. وهزل دابته يهزلها, بضم الزاي, كأنهم أرادوا أن يفرقوا بين الفعلين, وأصلهما واحد؛ لأن الهزل في القول مأخوذ من هزل الدابة إذا كان الهزل كلامًا لا طلاوة له ولا قوة.

وقوله:

فيا أيها المنصور بالجد سعيهويا أيها المنصور بالسعي جده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

أراد أن الممدوح قد جمع بين الجد الذي هو حظ وبين السعي في طلب المكارم, فكل واحد من الخلتين تنصم الأخرى؛ لأن المجدود إذا اتكل على جده ولم يسع في طلب المكارم كان ذلك نقصًا عليه, وإذا سعى وهو غير مجدود لم يصل إلى خير؛ لأن المثل السائر: عش بجدك لا بكدك.

وقوله:

وليتك ترعاني وحيران معرضفتعلم أني من حسامك حده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

يجب أن يكون أراد بحيران هذا الموضع الذي هو قريب من حمص ومعرض: أي بادٍ, يقال: أعرض لك الشيء إذا بدا. قال عمرو بن كلثومٍ:

فأعرضت اليمامة واشمخرتكأسيافٍ بأيدي مصلتينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

والحسام: السيف, أخذ من الحسم؛ أي: القطع, وربما قالوا: حسامة بالهاء. وقال الشاعر:

وعندي حساما سيفه وحمائله

أراد بحساميه حديه, والحد: أصله المنع, وفيه اشتقاق كل لفظة فيها حاء ودالان أصليتان, وهي ثلاثية في الأصل, مثل الحديد والحداد, وحدان اسم أبي حي من العرب. وقيل لحرف السيف حد؛ لأنه يمنع من العدو, أو لأنه إذا لمس حد اليد أن تقبض عليه.

وقوله:

وأني إذا باشرت أمرًا أريدهتدانت أقاصيه وهان أشده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

أصل المباشرة أن تكون من اثنين يلصق أحدهما بشرته ببشرة الآخر, والبشرة: ظاهر الجلد, ثم كثر ذلك حتى قيل: باشر فلان كذا, وإن لم يكن للمفعول بشرة, مثل أن يقول باشر الشدة فجعل لها بشرةً مستعارة, وإنما ذلك مجاز ليست له حقيقة.

وقوله:

وألقى الفم الضحاك أعلم أنهقريب بذي الكف المفداة عهده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

ذي: في معنى هذي, يريد أن الفم إذا قبل كف الممدوح ظهر في المقبل فرح وسرور يضحك, وهذا أحسن من أن تجعل ذي في معنى صاحبٍ, كأنه قال: بصاحب الكف المفداة يعني الممدوح, وإن كان ذلك سائغًا, فالوجه الأول هو الصواب.

وقوله:

وكن في اصطناعي محسنًا كمجربٍيبن لك تقريب الجواد وشده

الشد: العدو الشديد, يقال: شد يشد شدا, وكذلك شد الحبل, وحكوا شد المرس يشده ويشده, وقال بعضهم: إذا عدى شد ضم الشين في أول المضارع وإذا جعلها غير متعدية كسر, مثل أن يقول: شد على العدو يشد, والأصل واحد. وجاء في الحديث: «فأشد حسابه»؛ أي: جعله شديدًا, كأنهم فرقوا بينه وبين شد الحبل, ومن ذلك اشتقاق

الأشد, فهو على رأي قوم جمع شدةٍ على حذف الهاء, كما قالوا: نعمة وأنعم, وقيل: أشد: يجوز أن يكون واحده شدًا وشدًا وشدًا, وقيل: هو اسم على أفعلٍ. وزعم سيبويه أن أفعلًا لم يجئ في الآحاد, وتأنيثهم الأشد يدل على أنه جمع, قال الراجز:

بلغتها فاجتمعت أشديوشذب الباطل عني جدي

وذكر ابن عباس في الأشد أنه يقال للغلام إذا بلغ ثماني عشرة سنة, وقال غيره: الأشد ثلاث وثلاثون, وقيل: ست وثلاثون, وقال بعضهم: أربعون سنة.

وقوله:

وكل نوال كان أو هو كائنفلحظة طرفٍ منك عندي نده
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: هو نده ونديده ونديدته؛ أي مثله. قال لبيد:

لئلا يكون السندري نديدتيوأشتم أعمامًا عمومًا عماعما

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الدال

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.