تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد

أيا خدد الله ورد الخدودوقد قدود الحسان القدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

وهي من أول المتقارب.

يقال: تخدد لحم الرجل, وخدده المرض أو الكبر؛ إذا جعل فيه طرائق كأنها خدود في الأرض؛ أي: شقوق. قال الراجز:

إني على ما كان من تخدديودقةٍ في عظم ساقي ويدي

أروي على ذي العكن الضفندد

أروي: أي: أشد عليه بالرواء, وهو الحبل. والضفندد: الضخم الذي لا غناء عنده, وقال جرير:

أفنى عرائكها وخدد لحمهاألا تذوق مع الشكائم عودا

وقوله:

فهن أسلن دمًا مقلتيوعذبن قلبي بطول الصدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الشعراء يستعلمون هذه الدعوى كثيرًا, فيزعمون أن المحب يبكي دمًا, ومنه قول الطائي:

فأجرى لها الإشقاق دمعًا موردًامن الدم يجري فوق خذ مورد

وقوله:

وكم للهوى من فتى مدنفٍوكم للنوى من قتيلٍ شهيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقال: رجل مدنف ومدنف ودنف ودنف, وهو الذي قد طال مرضه حتى أشفى على الموت, قال أبو كبيرٍ الهذلي:

ولقد وردت الماء لون جمامهلون الفريقة صفيت للمدنف

وقال العجاج:

والشمس قد كات تكون دنفاأدفعها بالراح كي تزحلفا

أي: قد دنت من الغروب, فهي كالمريض المدنف الذي قد دنا من الموت, وجعل قتيل الحب شهيدًا؛ لأنه عنده مظلوم, فهو كالشهيد الذي قتل في سبيل الله, وقد استعملت

الشعراء ذلك قديمًا, قال جميل:

يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍوأي جهادٍ غيرهن أريد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
لكل حديثٍ بينهن بشاشةوكل قتيلٍ بينهن شهيد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

والنوى: البعد.

وقوله:

رمى حلبًا بنواصي الخيولوسمرٍ يرقن دمًا في الصعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الصعيد: يدل الاشتقاق على أنه ما صعد من الأرض على التراب, ومنهم من يقول: هو ظاهر الأرض, وقيل: هو التراب الخالص الذي لا يخالطه شيء غيره. قال ذو الرمة:

وفتيةٍ مثل النشاوى غيدقد استحلوا قسمة السجود

والمسح بالأيدي على الصعيد

يريد أنهم يقصرون الصلاة للسفر, ويتيممون لفقد الماء. وسموا الطريق صعيدًا, وعلى ذلك فسروا الحديث: «إياكم والقعود على الصعدات»؛ أي: الطرق. وقال الشاعر, ويروى لامرأةٍ:

ونائحةٍ تنوح بجنح ليلٍعلى رجلٍ بقارعة الصعيد

وقوله:

فولى بأشياعه الخرشنيكشاءٍ أحسن بزأر الأسود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الشاء: يستعملونه مذكرًا, ولو أنث لم يبعد ذلك, واختلفوا في أصله؛ فقالوا: همزته بدل من هاء, واستدلوا على ذلك بأنهم يقولون في تصغيره شاةٍ: شويهة, فيظهرون الهاء, ويقولون في الجمع: شياه, فإذا أخذ بهذا القول فقد جمع في الكلمة بين ألفٍ مقلوبةٍ عن واو وهمزةٍ تبدل من الهاء.

وقيل: هو مأخوذ من شاء يشوء إذا شاق, كأنه يشوق من يقرم إلى اللحم. وزعم قوم أنه مأخوذ من (شويت), واستدلوا بقولهم في الجمع: شوي, فيلزم هؤلاء أن يكونوا قد جاؤوا في الثلاثي بحرفين معتلين؛ وذلك مفقود, فكأن أصله شوي فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها, ثم قلبت الواو إلى الألف؛ لأنها وسط وقبلها فتحة.

فإن ادعي أن قلب الواو كان قبل الياء فيلزمهم أن يجعلوا الألف الأصلية المنقلبة تجري مجرى الألف الزائدة, فيقلبون الياء إلى الهمزة, كما قالوا: سقاء, وهو من سقيت, وإن زعموا أن الياء قلبت قبل الواو فكأنهم قالوا شوى, فأعلوا الواو بعدما اعتلت الياء, فجمعوا بين علتين.

وقوله:

فمن كالأمير ابن بنت الأميــر أم من كآبائه والجدود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قالوا: بنت وابنة. فانبة وزنها إفعة؛ لأن ألفها زائدة, وهي مأخوذة من البنوة, وإذا قالوا بنت فمن جعل التاء بدلًا من واوٍ فوزنها عنده فعل, ومن جعلها بدلًا من هاء التأنيث التي كانت في ابنة فوزنها فعت, ومما يشبه قولهم: ابنة وبنت قولهم: اثنتان وثنتان, إلا أنهم لم يحكوا اثنةً ولا ثنتًا, وقد حكى النحويون: اليوم الإثن, فإن حكى اثنة وثنت لم يبعد.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الدال

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.