من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: أزائر يا خيال أم عائد ... أم
أزائر يا خيال أم عائدأم عند مولاك أنني راقد
وهي ما لم يذكره الخليل من الأوزان؛ لأن العرب عنده لم تستعمله, وقد ذكره غيره.
وخروجه من ثاني المنسرح.
وقوله: أزائر: خبر مقدم محذوف المبتدأ, كأنه قال: أزائر أنت يا خيال؟
وقوله: أم عند مولاك أنني راقد؛ يقول: أظنني نائمًا فجاءني كما يجيء الخيال الطارق, وليس عادة الخيال أن يزور اليقظان.
وقوله:
ليس كما ظن غشية لحقتفجئتني في خلالها قاصد
يقول: هذا الذي ظننته نومًا ليس بنومٍ, وإنما هو غشية عارضة ظننتها رقادًا, فجذبتني في خلالها قاصدًا وأنت في ذلك محطئ.
وقوله:
عد وأعدها فحبذا تلفألصق ثديي بثديه الناهد
الهاء في قوله: وأعدها عائدة على الغشية, والهاء في ثديه عائدة على المولى في قول من ذكر, ومن أنث جعل الهاء عائدة إلى المرأة, وذكر على معنى الشخص وإن كان يريد المرأة, والناهد الذي قد نهد؛ أي: نهض.
وقوله:
وجدت فيه بما يشح بهمن الشتيت المؤشر البارد
ويقال: شح يشح ويشح, وحكي يشح, بفتح الشين, وقالواة: شحيح وشحاح, وقال ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زندًا شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراءوملبسةٍ بيض أخرى جناحا
والمؤشر: الذي به الأشر, وهو تحزيز في أطراف الأسنان يدل على حداثة السن. ويقال: أشر وأشر, فإذا قالوا مؤشر جاز أن تجعل الهمزة واوًا خالصةً؛ لأنها مفتوحة, وقبلها ضمة.
وقوله:
إذا خيالاته أطفن بناأضحكة أنني لها حامد
جمع خيالًا بالألف والتاء لأنه لما لا يعقل, قال زهير:
تطالعنا خيالات لسلمىكما يتطلع الدين الغريم
وقالوا: خيالة بالهاء, ويجوز أن تكون خيالات جمع خيالةٍ. ويروى لحاجز بن عوف الأسدي:
ألا طرقت خيالة أم كرزٍوأصحابي بعيهم من تباله
يقول: هذا المحبوب إذا ألمت بي خيالاته فبلغه ذلك ضحك من أنني أحمدها؛ لأنه يعلم أنها ساخرة, فيعجب من خديعتها إياي, وهذه من الدعوى التي ليس لها حقيقة, ومثلها كثير في الشعر المحدث والقديم.
وقوله:
ما تعرف العين فرق بينهماكل خيال وصاله نافد
قال: فرق بينهما؛ فخبر عن اثنين, كأنه يعني الخيال والذي هو متخيل منه, ثم قال: كل خيال, ولو أمكنه الوزن لكان هذا من مواضع كلا؛ لأن القائل إذا قال: جاءني رجلان فالأحسن أن يقال: كلاهما فاضل, ولا يقول: كل, على أن ذلك جائز, ويحتمل أن يدعى أن كلا هاهنا واقعة على جميع الشخوص المرئية من بني آدم؛ أي: كل الإنس خيالات, وهذا الوجه يسلم فيه القائل من أن يكون قد استعمل كلًا في اثنين.
وقوله:
يا طفلة الكف غيلة الساعدعلى البعير المقلد الواخد
الطفلة: الناعمة. ويقال: بنان طفل, والغيل: الساعد الممتلئ, وأدخل الهاء لأنه وصف به المؤنث, وبعضهم ينشد قول النابغة:
بمخضبٍ غيلٍ كأن بنانهعنم على أغصانه لم يعقد
وقوله:
حكيت ياليل فرعها الواردفاحك نواها لجفني الساهد
الفرع: الشعر, والوارد: يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه قد طال حتى ورد إلى الكفل.
والآخر: أنه يعل بالأدهان الطيبة, فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها. وقوله: حكيت ياليل فرعها, أي: أنك طويل شديد السواد. وقوله: فاحك نواها لجفني الساهد, أي: ابعد عني كما بعدت هي؛ فإنك ثقيل علي.
وقوله:
لو رعت الوحش وهي تذكرهما راعها حابل ولا طارد
الحابل: الذي ينصب الحبالة ليصيد, يقال: حبل الصيد فهو محبول. قال الراجز:
آذن بالبين صريد الضالهفظل منه القلب في بلباله
ينزو كنزو الظبي في الحباله
وأما قول لبيد:
ولقد أغدو وما يعدمنيصاحب غير طويل المحتبل
صاحب هاهنا: فرس, ويقالإنه أراد الرسغ؛ لأنه ربما شد فيه حبل, ويروى: المختبل مأخوذ من قولهم: أخبلته إذا أعرته.
وله:
وموضعًا في فتان ناجيةٍيحمل في التاج هامة العاقد
الموضع: الذي يحمل الناقة على الوضع. والفتان: إشاء الرحل. قال الشاعر:
كأني ورحلي والفتان ونمرقيعلى يرفئي ذي زوائد نقنق
يرفئي: لا فؤاد له. والناجية: ناقة تنجو براكبها. يقول: كل ساعة تمر بهذا الممدوح تهدي له خبرًا عن جيشٍ قد انهزم وقتله جنوده, وراكب ناقة يحمل هامة مخالفٍ من الملوك والتاج عليها معقود.
وقوله:
يا عضدًا ربه به العاضدوساربًا يتعب القطا الهاجد
يقال: إن بعض الناس أنكر على أبي الطيب كثرة التصريع في هذه القصيدة؛ إذ كانت لم تجر العادة بمثله, وإن كانت الشعراء قد استعملته على ضروب, منهم من يستعمله في أول القصيدة ثم لا يصرع إلى آخرها, وبعضهم يترك التصريع في أول القصيدة, ومن المعروفين بذلك الفرزدق وذو الرمة, ومما ترك فيه الفرزدق التصريع قوله:
سمونا لنجران اليماني وأرضهونجران أرض لم تديث مقاوله
تديث: تذلل. وقال ذو الرمة:
أأن ترسمت من خرقاء منزلةًماء الصبابة من عينيك مسجوم
ومنهم من يبتدئ القصيدة غير مصرعة, ثم يجيء بعد ذلك بالأبيات المصرعة, ومنه
قال امرئ القيس:
لا وأبيك ابنة العامريلا يدعي القوم أني أفر
ثم قال بعد أبيات:
تروح من الحي أم تبتكروماذا يضرك أن تنتظر
أمرخ خيامهم أم عشرأم القلب في أثرهم منحدر
وشاقك بين الخليط الشطروفيمن أقام من الحي هر
فجاء بثلاثة أبيات متوالية مصرعةٍ, وهذا من طريق ما جاء عنهم. وبعض الناس يجعل أول هذه القصيدة مصرعًا, وهو قوله:
أحار بن عمروٍ كأني حمرويغدو على المرء ما يأتمر
وربما جعلوا التصريع في آخر القصيدة, وأخلوا منه الأول, من ذلك قول أبي زبيدٍ:
لمن العيس لابن أروى على ظهــر المرورى حداتهن عجال
ثم قال في آخرها:
كل شيءٍ تحتال فيه الرجالغير أن ليس في المنايا احتيال
ولم يأت عن الطبقة المتقدمة مثل الخليل وأصحابه فرق بين التصريع وغيره, وبعض الناس يفرق بين التقفية والتصريع, فيجعل التقفية لما اعتدل شطراه من الشعر؛ كقول طرفة:
لخولة أطلال ببرقة ثهمدٍوقفت بها أبكي وأبكي إلى الغد
وكقول لبيد:
عفت الديار محلها فمقامها
والاعتدال عندهم في الأصل لا فيما يحدث من الفروع كنقصان الحركة والحرف الساكن, والتصريع لما كان أحد شطريه أزيد من الآخر؛ كقول جرير:
بان الخليط ولو طوعت ما بانا
والبيت الثاني يزيد في الأصل على البيت الأول بحركةٍ واحدةٍ لا غير. والهاجد: النائم. ومن كلامهم القديم: هو يبعث القطا الهاجد, يريدون أنه يسرى ليلًا في الأرض المقفرة؛ لأن القطا لا يتخذ أفاحيصه على الغالب إلا في أرضٍ بعيدةٍ من الإنس, ولذلك قالوا: لو ترك القطا لنام. وقال الشاعر, والبيت يروى لابن مقبل ولرجلٍ من ثقيفٍ:
وإني وإياهم كمن نبه القطاولو لم تنبه باتت الطير لا تسري
وقوله:
وليت يومي فناء عسكرهولم تكن غائبًا ولا شاهد
يقول: جهزت جنودك الذين دبرتهم برأيك فكنت كأنك شاهد لما كان من تلك الوقعة وشخصك غائب عن الحرب. وأملي تفسير هذا البيت قبل أن يقرأ الذي بعده, وقد فسر أبو الطيب ما
أراد بالغائب والشاهد, وهو قوله:
ولم يغب غائب خليفتهجيش أبيه وجده الصاعد
وقوله:
ما كانت الطرم في عجاجتهاإلا بعيرًا أضله ناشد
الطرم: اسم قلعة أو موضع فيه القلعة, والهاء في عجاجتها عائدة على سوافك.
والسوافك: يجوز أن يعني بها الخيل أو السيوف والرماح, ويستغنى عن تقدم ذكرها بعلم السامع ما يراد, ويجوز أن تكون الهاء في عجاجتها عائدةً على الطرم, أي: في العجاجة التي ثارت عليها كأن وهسوذان كان قد ملك هذه القلعة, واستردت منه فكانت كالبعير الذي أضله الناشد.
وقوله:
تسأل أهل القلاع عن ملكٍقد مسخته النعامة الشارد
يقول: هذه القلعة تسأل عن وهسوذان؛ لأنها لا تعلم ما كان منه. وقوله: قد مسخته يعني القلعة التي هي الطرم, أي لما أخذها أداه ذلك إلى طرده وانهزامه, فكأنه قد مسخ نعامةً, والنعام توصف بالشرود والنفار, قال الشاعر:
ليث علي وفي الحروب نعامةربداء تنفر من صفير الصافر
وقال أسامة بن الحارث الهذلي:
لعمري لقد أمهلت في نصح خالدٍإلى الشام إما يعصينك خالد
وأمهلت في أصحابه فكأنمايسمع بالقول النعام الشوارد
وقوله:
تستوحش الأرض أن تقر بهفكلها آنه به جاحد
يجوز أن تضم التاء في تقر, وهي من الإقرار الذي هو ضد الجحد, ويجوز أن تفتح التاء, ويكون من القرار في الموضع.
وادعى أن الأرض, التي هي مستخفٍ فيها, تستوحش أن تقر به, كأنها تخاف أن تلحقها من ذلك عقوبة من هذا الممدوح, وهذه من الدعوى الباطلة. فكلها آنه به, أي: قد استثقل كونه فيه؛ فهو آنه بما حمل.
والآنه: مثل الآنح, وهو الذي يخرج من صدره صوتًا ليس بشديد يدل على أنه قد حمل ثقلًا أو نالته شدة, فالمكان يستثقل كون وهسوذان به, ويجحد أنه فيه خوفًا ممن هزمه.
وقوله:
فلا مشاد ولا مشيد حمىولا مشيد أغنى ولا شائد
الإشادة: تستعمل في الحديث, يقال: أشاد بذكره, يقول لم يحمه ذكر له رفيع, ولا رافع لذلك الذكر. والمشيد: الأحسن هاهنا أن يكون ما رفع من الأبنية, والشائد الذي يرفعه.
وبعض الناس يقول: المشيد: المطلي بالشيد؛ أي: الجص, والمشيد: المرفوع من البناء, والوجه الأول أشبه بهذا البيت, ومن نون مشيدًا في النصف الأول فما فعله جائز إلا أنه يحدث في الوزن شيئًا تنكره الغريزة, وقد استعمل مثله المحدثون كثيرًا, إلا أن تركه أحسن, ولعل من روى هذه الرواية يريد أن يعطف على المرفوع مثله كما جاء في الكتاب
العزيز: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾. والخروج إلى حال النصب أحسن من تغيير الوزن, وفي الآية: ﴿ولا جدال في الحج﴾.
وقوله:
فاغتظ بقوم وهسوذ ما خلقواإلا لغيظ العدو والحاسد
رخم وهسوذان فحذف الألف والنون لأنه جعله كالاسم الواحد, وهذه الأسماء الأعجمية التي تجيء على سبعة أحرف وما زاد الأشبه بها أن تكون مركبةً من اسمين؛ فأبو الطيب جعل وهسوذان بمنزلة اسم واحد, مثل زعفران وما جرى مجراه. ولو قال قائل في ترخيم وهسوذان وهسو أو وهس لم يبعد ذلك؛ لأنه يجعل ذان بمنزلة اسمٍ قرن بالأول, أو يجعل الواو به متصلة في بعض النسخ.
وقوله:
رأوك لما بلوك نابتةًيأكلها قبل أهله الرائد
الرائد: الذي يبعثه القوم يرود لها مواضع الكلأ, والمعنى أنه يرود فيها؛ أي: يذهب ويجيء لينظر كيف هي الخصب والإمراع. ثم قالوا رادها يرودها فاستغنوا عن حرف الخفض, ومن أمثالهم: «لا يكذب الرائد أهله»؛ لأنه إن كذبهم غرهم وغر معهم نفسه, يقول: كان هذا المنهزم كالعشبة النابتة يسبق إليها الرائد فيأكلها من قبل أهله, وذلك لهوانها عليهم, ولأن أكله إياها ليس بمؤد إلى الإضرار بمن وراءه.
وقوله:
وخل زيا لمن يحققهما كل دامٍ جبينه عابد
أي أردت أن تكون ملكًا ولست من أهل المملكة, فاترك هذا الأمر لمن يحققه, كما أن بعض الناس يؤثر السجود في وجهه لكثرة ما يتعبد ويضع وجهه على الأرض, ومنه قوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾. وقال الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود بهيقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
وبعض من يريد أن يتظاهر بالدين, وليس هو من أهله, يؤثر في موضع سجوده بشيء حتى يظن أن ذلك من السجود, وقيل: إنهم يدلكون الموضع بثومٍ.
وقوله:
ومتقٍ والسهام مرسلةتحيص من حابضٍ إلى صارد
الحابض: من صفات السهام, فقيل: هو الذي يقع بين يدي الرامي, وقيل: بل الذي يتعلق في الغرض تعلقًا يسيرًا. والصارد من السهام: الذي ينفذ الرمية, قال اللعين المنقري:
فما بقيا على تركتمانيولكن خفتما صرد النبال
وقوله:
ولا يبل قاتل أعاديهأقائمًا نال ذاك أم قاعد
لا يبل: كلمة شاذة, وهي من بالى يبالي, وإنما القياس: ولا يبالي مثل لا يرامي, ولكن بعض العرب إذا وقف على مثل أبالي وأرامي, وما كان في آخره ياء من المضارعة مثل يقضي ويأتي يحذف آخر الفعل فيقول: نقض ولا أبال فيسكن اللام, فلما كثر ذلك توهموا أن الألف يجوز حذفها في الجزم, كما يقال: لم يقل, ولم يبل.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع