من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن قطعة أولها (٢)
قالوا لنا مات إسحق فقلت لهمهذا الدواء الذي يشفي من الحمق
ووزنها من البسيط الأول.
والمعنى أن الحمق لا دواء له إلا الموت, وروى بعضهم أن المسيح ﵇ لما أبرأ الأكمه والأبرص جاؤوه بأحمق فقالوا: أبرئ لنا هذا, فقال: هو من عمل الأب, فإذا صح أنه كان يعبر عن الله جلت عظمته بالأب, فإنما أراد أنه يفعل أشياء لا يفعلها غيره, ومن شأنهم إذا ظهر من الإنسان خلق كالسماحة والشجاعة جعلوه أبًا لذلك الخلق, كما قالوا للذي يضيف الناس: هو أب الأضياف, فجعله أباهم وإن كانوا غربا لم يروه قط, ولم يرهم, وقد أبان ذلك القائل في صفة الأضياف:
أدعى أباهم ولم أقرف بأمهموقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا
وجعل امرأته أما لهم, فقال:
وقلت لما غدوا أوصي قعيدتناغدي بنيك فلن تلقيهم حقبا
وقوله:
تستغرق الكف فوديه ومنكبهوتكتسي منه ريح الجورب العرق
تستغرق: تستفعل من الغرق في الماء, ثم قيل: استغرق الرجل كذا إذا أخذه أجمع فصار المأخوذ كأنه غريق في الماء باحتواء الآخذ عليه, والفودان جانبا الرأس, وأسرف القائل في صفة هذا المذكور بصغر الرأس وضؤولة الخلق. والجورب يوصف بكراهة الرائحة, وأنشد ابن السكيت:
ومؤولقٍ داويت نخوة رأسهوتركته ذفرًا كريح الجورب
ومؤولقٍ: أي: به أولق, وهو الجنون. وقافية هذه الأبيات من المتراكب وهو ثلاثة أحرف
متحركة بعدها ساكن, كقوله: خرقي, ونحو ذلك. واللام في الخرق من القافية عند الخليل وأول حرف فيها الفاء من في.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع