تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من

أينفع في الخيمة العذلوتشمل من دهرها يشمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوزن من المتقارب الثالث.

الخيمة التي تذكرها العرب في الشعر إنما هي عيدان تنصب وتظلل وتظلل بالثمام, ولم يكونوا يعرفون هذه الخيم, ويجوز أن يكون اسمها مولدًا, وهي مأخوذة من الاسم الأول على التشبيه, ويدلك على ذلك قول امرئ القيس:

أمرج خيامهم أم عشرأم القلب في إثرهم منحدر

فدد ذلك على أن خيامهم شجرية. ويجوز أن يكون اشتقاق الخيمة أنها تخيم الحر عن المستظل بها أو البرد, من قولهم: خام الجبان عن الشيء إذا حاد, ثم اشتقوا من الخيمة اسمًا للإقامة, وقالوا: خيم بالمكان إذا أقام به, وأصل ذلك أن يبني به خيامًا, ثم قالوا: خيم إذا أقام وإن لم تكن له خيمة.

والعذل هاهنا جمع عاذل. وقد يقال عذل في جمع عاذلةٍ, ولم يرد هاهنا إلا الرجال

, وتشمل أي تضم, وتشتمل بمن يشمل دهرها يعني الممدوح, ويجوز رفع وتشمل على العطف ونصبها على إضمار أن؛ لأن الاستفهام قد تقدم في أول البيت, ويكون التقدير: أيجتمع عذل العذل واشتمال هذه الخيمة على الذي يشمل دهرها. والمراد أنه لا ينبغي أن تعذل لأنها قد بنيت لأمرٍ عظيم لم تطقه.

وقوله:

فلم لا تلوم الذي لامهاوما فص خاتمه يذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يذبل جبل معروف, ويقال: فص الخاتم بالفتح وهو أفصح, ويقال بالكسر.

يقول: لم لا تلوم هذه الخيمة من لامها على السقوط, والذي لامها ليس فص خاتمه يذبل, وهذه مبالغة عظيمة؛ لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة يجب أن يكون فص خاتمه مثل هذا الجبل المستعظم, وكيف يلومها وهو حقير, إنما شخصه كشخص غيره من الناس.

وقوله:

رأت لون نورك في لونهاكلون الغزالة لا يغسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقال: إن أصل الغزالة ارتفاع الشمس وهو وقت, ثم سميت الشمس غزالةً, قال ذو الرمة:

فأشرفت الغزالة رأس حوضىلرامتهم فما أغني قبالا

وقال الراجز:

قالت له وارتفقت ألا فتىيسوق بالقوم غزالات الضحى

وقيل: إنما سميت الشمس غزالةً لأنهم جعلوا حبالها كالغزل الذي تغزله المرأة. وأراد أن لون هذا الممدوح لا يلحقه التغير كلون الشمس الذي لا يزول عنها بالغسل.

وقوله:

وأن لها شرفًا باذخًاوأن الخيام بها تخجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

الخجل في بني آدم استرخاء يلحق من الحياء فاستعاره للخيام؛ أي هذه الخيمة إذا نظرت الخيام إلى عظيم شرفها خجلت, وعلمت أنها مفتضحة إذا قيست بهذه الخيمة, وإنما أخذ خجل بني آدم من قولهم: خجل الوادي إذا كثر نبته وطال, ومن شأن النبت إذا طال أن ينعطف ويضعف. وذكر ابن السكيت في كتاب «الأضداد» أن الخجل يكون النشاط ويكون الكسل, وأنشد في الخجل إذا أريد به النشاط, عن أبي تمام الباهلي:

إذا دعا الصارخ غير المتصلجاءك منهم كل ذيالٍ خجل

وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال للنساء: «إذا جعتن دقعتن, وإذا شبعتن خجلتن», وقال أصحاب اللغة: الدقع سوء احتمال الفقر, والخجل سوء احتمال الغنى, وينشد قول الكميت:

ألم يدقعوا عندما نابهملعض زمانٍ ولم يخجلوا

وقوله:

ولما أمرت بتطنيبهاأشيع بأنك لا ترحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

تطنيبها مد أطنابها, وأشيع الشيء إذا ظهر؛ يقال: شاع الخبر وأشاعه الناس, وقولهم: أشاع الخبر بغير باء أحسن من قولهم: أشاع بالخبر.

وقوله:

فما العاندون وما أثلواوما الحاسدون وما قولوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقال: أثل الرجل الشيء إذا جعل له أصلًا, وبناء أثيل إذا أحكم؛ وإنما أخذ ذلك من الأثلة. والأثل شجر عظيم؛ فشبه ما يؤثله الرجل ويسعى له في الزيادة بالأثلة لأنها شجرة قوية. وقولوا: من كثرة القول, ومنه قولهم: تقول فلان كلامًا إذا اختلقه.

وقوله:

وملمومة زرد ثوبهاولكنه بالقنا مخمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

جعل الزرد ثوبًا وجعل القنا خمله, وتشبيههم الدرع بالثوب قديم. قال قيس بن الخطيم:

ولما رأيت الحرب حربًا تجردتلبست مع البردين ثوب المحارب
مضاعفةً يغشى الأنامل ريعهاكأن قتيريها عيون الجنادب

وقال القطامي:

نقريهم لهذمياتٍ نقد بهاما كان خاط عليهم كل زراد

فجعل الزراد خياطًا للدروع, وصير الشاعر القنا خملًا للزرد, استعاره من خمل القطيعة وغيرها, وهو ما يظهر من الهدب. وهذا البيت يقارب معنى البيت الآخر:

فلو أنا شهدناكم نصرنابذي لجبٍ أزب من العوالي
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

فقال: أزب أي كثير الشعر. وزعم أن الزرد والقنا كالثوب الذي يكون له خمل.

وقوله:

يفاجئ جيشًا بها حينهوينذر جيشًا بها القسطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يفاجئ أي يلاقي لقاءً على غفلة, وينذر جيشًا بها قسطلها؛ أي غبارها. يقول: مرة يفجأ الجيش فيكون حينه قد حضر, ومرة ينذر أعداءه بالقسطل المثار؛ أي الغبار.

وقوله:

جعلتك بالقلب لي عدةلأنك باليد لا تجعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: جعلتك في قلب الجيش لي عادة؛ لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب, فهذا وجه.

ووجه آخر, وهو أجود, أن يريد الشاعر قلب نفسه؛ أي جعلتك عدتي بقلبي لأنك أجل من أن تجعل بايد؛ لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء, والقلب يتسع في الضمير حتىإنه يضمر ما لا يدرك.

وقوله:

فإن طبعت قبلك المرهفاتفإنك من قبلها المقصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقال: أرهف السيف إذا حدد وأرق, والمقصل من: قصل الشيء إذا قطعه.

وقوله:

وكيف تقصر عن غايةٍوأمك من ليثها مشبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقال: أسد مشبل إذا كان له أولاد, وكذلك لبؤة مشبل, يستوي في ذلك الذكر والأنثى, وقال تأبط شرًا:

كأن الذي يأوي إلى بنفسهيلوذ بصنعاء الذراعين مشبل

والأضبط الذي يعمل بكلتي يديه؛ وإنما أخذ ذلك من قولهم: ضبطت الشيء إذا أمسكته فلم يقع من يدك, ويقال في المثل: " هو أضبط من عائشة بن عثمٍ ", وهو رجل أورد إبله ماءً فوقعت منها بكرة في البئر, فأدرك ذنبها فأخذه ومنعها من الوقوع. والأسد يوصف بالضبط, ويقال إن نادبة روح بن حاتمٍ المهلبي قالت:

أسد أضبط يمشيبين طرفاء وغيل
لبسه من نسج داود كضحضاح المسيل

وقوله:

وقد ولدتك فقال الورىألم تكن الشمس لا تنجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقال: نجل الرجل ولده, وكذلك المرأة إذا ولداه, قال الأعشى:

أنجب أزمان والداه بهإذ نجلاه فنعم ما نجلا

يفسر هذا البيت على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: أنجب والده به أزمان إذ نجلا.

وقوله:

فتبًا لدين عبيد النجومومن يدعي أنها تعقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

تبًا: أي خسرانا لقوم يعبدون النجوم ويزعمون أنها تعقل, وقد ادعت الصائبة ذلك وغيرها؛ فكان في الجاهلية من يعبد الشعرى. وقوله: تأمل في آخر القصيدة لا يجوز ترك همزة؛ لأنه يصير سنادًا, وكذلك همز مأسلٍ في قول امرئ القيس:

وجارتها أم الرباب بمأسل

والقافية من المتدارك.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر ما جاء على حرف اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.