من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا
نعد المشرفية والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال
وزنها من أول الوافر. وسكن الياء من العوالي للضرورة, وذلك من أسهل الضرورات؛ لأنهم قد سكنوا هذه الياء في حشو البيت, والقافية أحمل لما يحذف من جميع ألفاظ الموزون.
وقوله:
ونرتبط السوابق مقرباتٍفما ينجين من خبب الليالي
مقربات: جمع مقربةٍ وهي الفرس الأنثى تكون قريبةً من البيت, ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك خيفة أن ينزو عليها فحل ليس بكريمٍ, والشعر يدل على أنهم كانوا يدنون الخيل من بيوتهم ليتيسير ركوبها عليهم إذا أغار مغير أو صرخ صارخ, فالذكر والأنثى فيه سواء, قال المقنع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنماديوني في أشياء تكسبهم حمدا
فمن فرسٍ نهدٍ عتيقٍ جعلتهحجابًا لبيتي ثم أخدمته عبدا
وقالت أم تأبط شرًا وهي ترثيه:
وابناه ... وابن الليل ... ليس بزميل ... شروبٍ للقيل ... يضرب بالذيل ... كمقرب الخيل
وابناهليس بعلفوف ... تلفه هوف ... حشي من صوف
فقولها: كمقرب الخيل: يدل على أنهم كانوا يقربون الذكور كما يقربون الإناث, والزميل: الضعيف الذي يتزمل في ثيابه وينام. والعلفوف: الجافي, والهوف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن, والقيل: شرب نصف النهار. يقول: إن الخيل وإن كانت سوابق نواجي فإن الليالي تدركها وتدرك فوارسها بالسير الذي ليس بشديدٍ؛ لأن الخبب عندهم أول العدو وأخفه.
وقوله:
وهان فما أبالي بالرزايالأني ما انتفعت بأن أبالي
سكن الياء في أبالي, وقد مضى القول في ذلك. وأصل المبالاة: أن تستعمل في النفي, كما قال الأعشى:
إن يعاقب يكن غرامًا وإن يعــط جزيلًا فإنه لا يبالي
وربما استعملوه باليت في غير النفي؛ وذلك إذا جاء في آخر الكلام نفي, كما قال زهير:
لقد باليت مظعن أم أوفىولكن أم أوفى لا تبالي
ولا يمتنع أن يكون قولهم: باليت مأخوذًا من بال الإنسان, وهو خلده, وما يجري فيه, ويكون محمولًا على القلب, كأن أصله باولته أي جرى على بالي, ثم قلبوا كما قالوا: لائث بالمكان أي مطيف به, ثم قالوا: لاثٍ وهي من باب قولهم: سلاح شائك وشاكٍ, قال العجاج:
لاثٍ به الأشاء والعبري
الأشاء: صغار النخل, والعبري: ما نبت من السدر على الأنهار.
وقوله:
وهذا أول الناعين طرًالأول ميتةٍ في ذا الجلال
الناعين: جمع ناعٍ, وأصل النعي: رفع الصوت بالشيء وإظهاره, ويقولون: نعاء على مثال حذار, قال الفرزدق:
نعاء ابن ليلى للسماحة والندىوأضياف ليلٍ مقفعلي الأنامل
مقفعلي: جمع مقفعل, وهو الذي قد تقبضت يده من البرد. ونصب طر في مذهب قومٍ على الحال, وعلى مذهب آخرين على المصدر. واستعملوا قولهم: طرًا في معنى قولهم: جميعًا, وهو من قولهم: طر الإبل يطرها إذا جمعها من أطرارها؛ أي: نواحيها, وكذلك طررت النصل إذا أحددته.
وقوله:
صلاة الله خالقنا حنوطعلى الوجه المكفن بالجمال
حنوط الميت: ما حنط به, ويقال: إنه من قولهم: حنط الرمث إذا ظهر ورقه, كأنهم يريدون أن الحنوط يشبه لونه لون الرمث إذا حنط, وقد يجوز أن يكون اشتقاق الحنوط من الحنطة وألوانها تختلف.
وقوله:
وزلت ولم تري يومًا كريهًاتسر الروح فيه بالزوال
معنى هذا البيت أن الإنسان تمر به شدائد يتمنى معها الموت, ومن كلام العامة: شر من الموت ما يتمنى منه الموت؛ فكأن هذه المرثاة لو مات ولدها لكان ذلك عليها أشد من موتها. والروح تذكر وتؤنث.
وقوله:
رواق العز فوقك مسبطروملك علي ابنك في كمال
الرواق مأخوذ من رواق البيت, وهو ما قدامه, والمسبطر: الممتد, وهو مشتق من السبطر,
يقال: رجل سبطر؛ أي: طويل, ويقال: اسبطرت الخيل إذا امتدت في الجري, وكذلك غيرها, قال عمرو بن معدي كرب:
ولما رأيت الخيل زورًا كأنهاجداول زرعٍ أرسلت فاسبطرت
وقال عمر بن أبي ربيعة:
قالت لها قد غمزته فأبىثم اسبطرت تمشي على إثري
وقوله:
لساحيه على الأجداث حفشكأيدي الخيل أبصرت المخالي
الساحي: الذي يسحى الأرض؛ أي: يقشرها, ويقال: حفش الغيث الأرض إذا استخرج ما فيها من ترابٍ أو نبتٍ, وحفش الفرس جريه إذا استخرج أقصى ما عنده, وقال زهير:
فأدبر آثار الشبام وليدناكشؤبوب غيثٍ يحفش الأكم وابله
والمخالي: جمع مخلاةٍ, مفعلةٍ من الخلا, وهو الرطب المرعي, وأصلها مخلية, فقلبت الياء ألفًا.
وقوله:
أسائل عنك بعدك كل مجدٍوما عهدي بمجدٍ منك خال
جعل المجد كأنه ربع للمفقودة فهو يسأل عنها. وخالٍ في القافية يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون في موضع خفضٍ؛ لأنه نعت لمجد, ويكون المعنى ليس لي عهد بمجدٍ خالٍ منك, والآخر أن يكون خالٍ في موضع نصبٍ على الحال, كأنه قال: وما عهدت مجدًا منك خاليًا.
وقوله:
نزلت على الكراهة في مكانٍبعدت على النعامى والشمال
قد حذف من هذا البيت ضمير, والتقدير بعدت على النعامى والشمال فيه لأنهما لا تصلان إليك, والنعامى: الجنوب, وقيل: الصبا, قال أبو ذؤيبٍ الهذلي:
مرته النعامى فلم يعترفخلاف النعامى من الشام ريحا
وقوله:
تحجب عنك رائحة الخزامىوتمنع منك أنداء الطلال
الطلال: جمع طل, وهو المطر الضعيف, ويقال: خزامى طلة, أي: قد بلها الطل أو الندى, قال جميل:
كأن الخزامى طلةً في ثيابهابعيد الكرى أو فأر مسكٍ يذبح
ويقال لامرأة الرجل: طلته؛ لأنه ينتفع بها كما ينتفع النبت بالطل, ويجوز أن تكون مأخوذةً من قولهم: طل على الشيء إذا أشرف عليه, كأنها تطل على زوجها, ويطل عليها, قال الشاعر:
ألا يا أم عمرو لا تلوميإذا اجتمع الندامى والمدام
أفي بكرين نالهما سوافتأوه طلتي ما إن تنام
وقوله:
يعللها نطاسي الشكاياوواحدها نطاسي المعالي
النطاسي: الطبيب, وإنما قيل له: نطاسي؛ لأنه يتنطس في الأشياء, أي: يجتهد في معرفتها ودوائها. قال الشاعر:
إذا آسها الآسي النطاسي أرعشتأنامل آسيها وجاشت كلومها
ويقال: رجل نطيس في معنى نطاسي, قال الراجز:
وقد أكون مرةً نقريسا
طبًا بأدواء الصبى نطيسا
ويقال: عللت المريض: إذا قمت عليه في مرضه. والمعنى: أن المرأة يعللها النطاسي الذي يداوي المرضى, وابنها نطاسي المعالي؛ أي: إذا خاف عليها المرض فدواؤها عنده, ثم شرح الشاعر كيف تداوى المكارم بقوله:
إذا وصفوا له داءً بثغرٍسقاه أسنة الأسل الطوال
لما كان الطبيب يسقي المريض الأشربة استعار الشاعر السقيا للأسنة, فجعل مداوي الثغر يطلب شفاءه بالأسنة كطلب النطاسي شفاء العليل بالأدوية.
وقوله:
وليست كالإناث ولا اللواتيتعد لها القبور من الحجال
الحجال: جمع حجلةٍ, وهو بيت صغير في البيت الكبير من أبيات البادية, وقيل: هو الخدر, قال الراجز:
يارب بيضاء ألوف للحجلتسأل عن جيش سبيع ما فعل
جيش سبيعٍ سالم وقد قفل
وقال ذو الرمة:
كأن الناس حين تمر حتىعواتق لم تكن تدع الحجالا
قيامًا ينظرون إلى بلالٍرفاق الحج تنتظر الهلالا
وقوله:
ولا من في جنازتها تجاريكون وداعها نفض النعال
يقال: جنازة وجنازة, قال الكميت:
كان ميتًا جنازةً خير ميتٍغيبته حفائر الأقوام
وقال قوم: الجنازة الميت, والجنازة النعش.
وقوله::
مشى الأمراء حوليها حفاةًكأن المرو من زف الرئال
المرو: حجارة محددة, ويقدح منها النار, والزف صغار الريش, والرئال: جمع رألٍ, وهو ولد النعامة, وخصها؛ لأن الرأل أنعم ريشًا من النعامة.
وقوله:
وأبرزت الخدور مخبآتٍيضعن النقس أمكنة الغوالي
أي: جواري هذه المفقودة أبرزتهن الخدور, وكن يضعن الغالية على وجوههن فصرن يضعن النقس, وهو المداد, في مواضع الغالية.
وقوله:
أتتهن المصيبة غافلاتٍفدمع الحزن في دمع الدلال
أراد أن هؤلاء الجواري كن في غفلة عما جاءهن, وكن يتدللن فيبكين؛ فوردهن الحزن آمناتٍ منه فبكين حزنًا لا دلالًا, فاختلط منهن الدمعان.
وقوله:
ولو كان النساء كمن فقدنالفضلت النساء على الرجال
إذا رويت على ما لم يسم فاعله فهو أبلغ في المدح, وأقوى في السمع؛ لأن التفضيل عام, وإذا قال: لفضلت, بفتح الفاء, فقد جعل التفضيل إنما يقع من نفسه خاصةً, وليس لفضلت في المسمع قوة فضلت, وإنما حاد أبو الطيب عن الضم؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد فضل أم سيف الدولة عليه.
وقوله:
وما التأنيث في اسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
احتج لتفضيل المرأة على الرجل بحجةٍ ما سبقه إليها شاعر؛ لأنه زعم أن الشمس مؤنثة, وهي النور الذي يزعم بعض الناس أنها تنير في السماء كما تنير في الأرض, ووصف الهلال بالتذكير, وهو كثير التنقل, يستسر, ويصيبه المحاق, فجعل ذلك كالنقص فيه.
وقوله:
يدفن بعضنا بعضًا وتمشيأواخرنا على هام الأوالي
أراد الأوائل, فقلب, كما قالوا: الليايل, والليالي, قال الشاعر:
ولدنك والبدر بن عائشة التيأضاء ابنها مسحنككات الليايل
وحكى أبو عبيدة: التراقي والترائق, وأنشد:
هم زودوني يوم قو حرارةًمكان الشجا تجول بين الترائق
وقوله:
وأنت تعلم الناس التعزيوخوض الموت في الحرب السجال
يقال: حرب سجال؛ أي: تكون مرةً لهؤلاء ومرةً لغيرهم, وهي مأخوذة من قولهم: ساجل المستقي غيره إذا استقى كل واحد منهما لينظر أيهما أكثر استخراجًا للماء, قال الشاعر:
من يساجلني يساجل ماجدًايملأ الدلو إلى عقد الكرب
والسجل: مذكر, وهو الدلو الملأى ماءً.
وقوله:
فلا غيضت بحارك يا جمومًاعلى علل الغرائب والدخال
غيضت: أي: نقصت. يقال: غاض الشيء وغاضه غيره, قال الأسود بن يعفر:
إما تريني قد كبرت وغاضنيما نيل من بصري ومن أجلادي
والجموم: الذي يجم ماؤه؛ أي: يكثر. والغرائب: جمع غريبةٍ من الإبل, وهي التي ترد الحوض وليست من إبل صاحبه, يقولون في المثل: «ضربه ضرب غريبة الإبل». قال المثقب العبدي:
كأن نفي ما ترمي يداهاقذاف غريبةٍ بيدي معين
والدخال: من قولهم: ناقة مداخل, وذلك أن الرجل إذا أورد إبله الماء فظن أن بعضها لم يستكمل الشرب أخذه فجعله بين بعيرين لم يشربا فيقال: أورد إبله دخالًا.
قال لبيد:
فأوردها العراك ولم يذذهاولم يشفق على بعض الدخال
ويروى نغض الدخال, والنغض من تنغيض الشرب, والنغض من كثرة الحركة, وقال آخر:
ولا عيب في إيرادها غير أنهاإذا أوردت كانت قليل دخالها
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكًاكأنك مستقيم في محال
فإن تفق الأنام وأنت منهفإن المسك بعض دم الغزال
أصل المستقيم والمحال في الكلام؛ فمستقيمه كقولك: اليوم الجمعة, وفلان كريم, والمحال
يحتمل وجهين:
أحدهما: ما كان غير صادق؛ وذلك يقع على مكذوبٍ, وإن كان يجوز مثله؛ لأنك إذا قلت: قدم فلان من سفره فمثل هذا لا ينكر أن يكون, فإن كان كذبًا فهو محال.
والآخر: مثل قولهم: أكلت غدًا عنبًا, فهذا مستحيل من وجهين؛ لأنه لم يأكل العنب, ولأنه زعم أنه فعل شيئًا ماضيًا في زمانٍ مستقبلٍ, وكذلك قول الرجل للآخر: سوف أزورك أمس قد جمع جمع تناقضًا من وجهين.
وحديث المسك وأخذه من الظباء مشهور. وبعض الفقهاء لا يرى أن يطيب به الميت لأن أصل الدم النجاسة, ولذلك مالوا إلى الكافور؛ لأنه يؤخذ من شجرٍ, وقد روي أن بعض من هلك في الإسلام قد طيب بالمسك ولكن الميل إلى الكافور.
والقافية من المتواتر, وهي اللام والياء, وعلى رأي الخليل: زالي من الغزال.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع