من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: لا الحلم جاد به ولا بمثاله ...
لا الحلم جاد به ولا بمثالهلولا ادكار وداعه وزياله
وزنها من الكامل الأول.
لا هاهنا في معنى ليس كما قال الشاعر:
قضت وطرًا من أرضها ثم آذنتركائبها ألا إلينا رجوعها
أي: ليس إلينا رجوعها, وكذلك أراد: ليس الحلم جاد به, وقد يجوز أن يريد: لا جاد به الحلم, وهم يستعملون لا فعل في معنى: لم يفعل, والوجه الأول أجود. قال الراجز:
لا هم إن عامر بن جبلهزنا على والده وقتله
وركب الشادخة المحجلهوكان في جارته لا عهد له
وأي شيء سمج لا فعله
أي لم يفعله. زنا على والده؛ أي ضيق عليه, وأصله الهمز, والهاء في: مثاله وبه عائدة إلى المحبوب, وأضمره قبل الذكر لأن المراد بين للسامع.
وقوله: لولا ادكار وداعه وزياله, يقول: لولا ادكارنا الوداع والزيال لم نره في النوم لأن الحلم لا يجود به ولا بمثله.
وقوله:
إن المعيد لنا المنام خيالهكانت إعادته خيال خياله
رفع المنام بفعله؛ لأن المراد: الذي أعاد لنا المنام خياله, وقوله: كانت إعادته خيال خياله: هذه مبالغة في هجران الخيال الأول؛ أي إن النوم لا يجود بخياله الأول؛ وإنما هذا الذي نراه خيال ذلك الخيال الذي كنا نعهده.
وقوله:
نجني الكواكب من قلائد جيدهوننال عين الشمس من خلخاله
ذكر أن النوم يريه أنه قد وصل إلى أشياء ليس يصلها في اليقظة؛ فكأنه إذا رأى في الرقاد أنه قد مس قلائد من يحب؛ فكأنه قد جنى الكوكب كما تجنى الثمرة, وكأنه ينال من خلخاله عين الشمس, وهذا ما لا يجوز أن يكون بحال الانتباه.
وقوله:
بنتم عن العين القريحة فيكموسكنتم ظن الفؤاد الواله
يقول: بنتم عن العين التي هي قريحة من البكاء عليكم, وسكنتم الفؤاد الواله؛ فكأنه جاء بالضدين في المصراعين, فجعل العين التي تبكيهم لا تصل إلى رؤيتهم, وهم مع ذلك قد سكنوا ظن الفؤاد الذي به الولد من فقدهم. والوله: ذهاب العقل والحيرة. وجاء بالهاء الأصلية وصلًا مع الهاء التي هي للضمير, وقد جاء ذلك في شعره مرارًا, وربما استعملت الشعراء ذلك, قال الشاعر:
أبلغ أبا عمرو أحيــحة والخطوب لها تشابه
أني أنا الليث الذيتخشى مخالبه ونابه
وقوله:
فدنوتم ودنوكم من عندهوسمحتم وسماحكم من ماله
الهاء في عنده وماله راجعة إلى الفؤاد؛ أي إنه تخطر به الأماني فيراكم في النوم, وأنه قد نال منكم ما لم يكن راجيًا؛ فالفؤاد كأنه يسمح بسماحتكم؛ إذ كانت أمانيه تجلب وصالكم إليه, وإذا منحتموه عطيةً فكأنها مال سمح به.
وقوله:
إني لأبغض طيف من أحببتهإذ كان يهجرنا زمان وصاله
قال في أول القصيدة: لا الحلم جاد به ولا بمثاله؛ فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال, ثم ذكر بعد ذلك أنه يبغض طيف من أحبه, وهذا يشبه أقوال الشعراء الشيء ثم رجوعهم عنه, وهو الذي يسمى الإكذاب, ومنه قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ثم قال:
بلى وغيرها الأرواح والديم
ونحو منه قول كثير:
ألم تسأل الربع القواء فينطقوهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
وذكر أبو الطيب ما أوجب بغضه الطيف, وهو أنه يهجره أيام الوصال, وشبهه بالصبابة والكآبة والأسى الكائنات عند الفراق, فقال:
مثل الصبابة والكآبة والأسىفارقنه فحدثن من ترحاله
وقوله:
وقد استقدت من الهوى وأذقتهمن عفتي ما ذقت من بلباله
استقدت: استفعلت من القود, وأصل ذلك أن الرجل يقتل الآخر؛ فيقاد قاتله إلى أهله؛ فربما قتلوه وربما عفوا عنه. يقول: إن كان الهوى قد لحقتني منه بلابل فقد استقدت منه, وأذقته من عفتي ما هو جزاء له.
والهوى في البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد به الهوى الذي هو عرض؛ فيكون هذا من مبالغة الشعراء التي ليس لها حقيقة, لأن القول لا يصح من شيء يخطر في القلب.
والآخر: يريد بالهوى المرأة التي شبب بها؛ لأنهم يقولون: فلانهة هواي؛ أي التي أهواها وهذا على حذف المضاف؛ كأنهم يريدون ذات هواي. والبلبال ما يجده الرجل في قلبه من حب أو حزنٍ, وأصل البلبلة: الحركة السريعة, وربما كان معها عنف, ويقال: قوم بلابل أي أصحاب سرعة وحركة, قال الشاعر:
سيمنع ما تحوي الحمارة وابنهاقلائص رسلات وشعث بلابل
والحمارة اسم حرةٍ.
وقوله:
ولقد ذخرت لكل أرضٍ ساعةًتستجعل الضرغام عن أشباله
يقول: ذخرت لكل أرضٍ مخوفةٍ ساعةً أكون فيها شجاعًا أفزع من أمر به؛ حتى إني لأفزع الليث فيفر عن الأشبال. وأستجفله أي: أحمله على أن يجفل. يقال: جفل الرجل وغيره وأجفل إذا هرب فزعٍ, قال أبو كبير الهذلي:
ومعي لبوس للبئيس كأنهروق بجبهة ذي نعاجٍ مجفل
وقوله:
تلقى الوجوه بها الوجوه وبينهاضرب يجول الموت في أجواله
الهاء في بها عائدة على الأرض, ولا يمتنع أن تكون عائدةً على الساعة المذخورة, واستعار الجولان للضرب, وإنما هو للحيوان كالخيل وغيرها. وأجوال الشيء جمع جولٍ وهو ناحيته, وكذلك جاله, يقال: جول البئر والقبر وجاله, وقالوا: ليس لفلانٍ جول ولا جال؛ أي ليس له عقل يعتمد عليه؛ لأن البئر إذا كان لها جول؛ أي طي بحجارةٍ كان ذلك آمن لها. قال طرفة:
وكائن ترى من ألمعي محظربٍوليس له عند العزائم جول
أي ليس له عقل يرجع إليه. وقالوا: رماه فلان من جول الطوي؛ إذا كاده فرجع كيده عليه, وهذا الشعر ينسب إلى ابن أحمر:
ولما رأى سفيان أن قد منعتهمن الماء مرأى الحائم الوحدان
رماني بأمر كنت منه ووالديبريًا ومن جول الطوي رماني
وقوله:
ولقد خبأت من الكلام سلافهوسقيت من نادمت من جرياله
سلاف الخمر أول ما يسيل منها عند العصار, ويقال: هو ما سال من غير عصارٍ وإنما أخذ من: سلف الشيء إذا تقدم. وسلاف الجيش الذين يتقدمونه, وكذلك السلف, قال أبو دواد:
عين ماءٍ يبين من سلف أرعن جلسٍ لرعنه قدام
والجريال يختلف في العبارة عنه, وربما قالوا: هو ماء الذهب, وقيل: هو صبغ أحمر يلقى في الخمر. وقيل: الجريال لون الخمر شبه بغيره؛ إما من ماء الذهب, وإما من الصبغ الأحمر. ويقال: جريال باللام وجريان بالنون؛ فأما قول الأعشى:
وسبيةٍ مما تعتق بابلكدم الذبيح سلبتها جريالها
فمعناه أنه شربها حمراء وبال بولًا أبيض فكأنه سلبها لونها.
وقوله:
وحكمت في البلد العراء بناعجٍمعتاده مجتابه مغتاله
الناعج من النعجان وهو ضرب من السير, وقيل: إن أصل الناعج أنه الذي يصطاد عليه نعاج الوحش لسرعته, ثم سمي بعض السير نعجانًا.
والعراء: ظهر الأرض, ويقال: هو المكان الواسع, والمعنيان متقاربان, ويجوز أن يكون قيل له: عراء لأنه لا شجر فيه كأنه عري منه. وفي الكتاب العزيز: ﴿لنبذ بالعراء وهو مذموم﴾, فأما العرى بالقصر فهو فناء الدار.
معتاده: من العادة, ومجتابه: من جاب البلد إذا قطعه, ومغتاله: أي يغوله ويفنيه, والهاءات الثلث في النصف الثاني راجعات إلى العراء, وقال الشاعر في العراء بالمد:
فرفعت رجلًا لا أخاف عثارهاونبذت بالبلد العراء ثيابي
وقوله:
وتراع غير معقلاتٍ حولهفيفوتها متجفلًا بعقاله
ادعى لبعيره أنه يسبق الأباعر المطلقة, وهو معقول, وهذا من المبالغة المقدم ذكرها, وأكثرها كذب.
وقوله:
وشركت دولة هاشم في سيفهاوشققت خيس الملك عن ريباله
أصل الخيس: الشجر المتلف, يقال لغابة الأسد: خيس؛ لأنه لا يكون إلا في موضع فيه قصباء وما هو جارٍ مجراها, فيكون ذلك سترًا له. قال الأفوه:
ويحضرون الناس يغشونهغشيان أسد الخيس آساد خيس
وقال آخر:
تغدو المنايا على الغضنفر في الــخيس وفيه الطرفاء والأسل
والريبال: أصله الأسد, يقال: رئبال بالهمز ويخفف؛ فيقال: ريبال, ويختلف في العبارة عنه؛ فيقال: الرئبال الكثير اللحم الشديده, وهو من قولهم: جسد ربل إذا كان كثير اللحم, قال القطامي:
وقد أبيت إذا ما شئت مال معيعلى الفراش الضجيع الأغيد الربل
وقيل: الريبال الذي يولد وحده لأن التوأم يضعف أخاه؛ ويقال: الرئبال في الأسد مثل القارح في الخيل, وإنما يريدون أنه قد أسن فكملت قوته؛ إلا أنه يلقي سنًا بعد سن, وكانوا يسمون تأبط شرًا والشنفرى ومن جرى مجراهما مثل السليك بن السلكة: رآبيل العرب؛ يريدون جمع ريبال, قال جرير:
رآبيل البلاد تخاف منيوحية أريحاء لي استجابا
يقول: شققت خيس الملك عن الملك الذي كأنه رئبال.
وقوله:
عن ذا الذي حرم الليوث كمالهينسي الفريسة خوفه بجماله
أصل الفرس: دق العنق, ثم سمي كل قتلٍ فرسًا, وأتى بعن في أول البيت؛ لقوله في آخر الذي قبله: عن ريباله وهم يفعلون ذلك كثيرًا, وفي الكتاب العزيز: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾, فجاء باللام مع من لما جاء بها في قوله: ﴿للذين استضعفوا﴾, ويفعلون ذلك في حروف الخفض لأنها تتصل بما بعدها كاتصال ما هو منه. وادعى للممدوح أنه ينسي الفريسة خوفه لماتشاهده من جمال وجهه, وهذا ادعاء لا يجوز أن يكون مثله.
وقوله:
وتواضع الأمراء حول سريرهوتري المحبة وهي من آكاله
وتواضع: أراد تتواضع فحذف إحدى التاءين؛ وجاء بالمستقبل في أل البيت لأنه عطفه على قوله: ينسي الفريسة, وذكر أن الأمراء تريه المحبة وهي من آكاله, يعني: جمع أكلٍ, وهو ما يأكله الإنسان, ويقال: لفلان أكل من السلطان إذا كان له رزق يأكل منه, وفلان ذو أكل إذا كان له حظ من دنياه, قال الأعشى:
حولي ذوو الآكال من وائلكالليل من بادٍ ومن حاضر
وقوله: وتري المحبة يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تري المحبة ولا تعلم ما يحدث من الأقضية, وجائز أن يسخط عليها فيكون كالذي أكلها إلا أنها لم تعلم بذلك.
والآخر: أن تكون تظهر محبةً وهي عالمة بأنه لها مهلك؛ فيكون هذا المعنى مثل قوله في الأخرى:
ومن شرف الإقدام أنك فيهمعلى القتل موموق كأنك شاكل
وقوله:
إن الرياح إذا عمدن لناظرٍأغناه مقبلها عن استعجاله
يقول: الرياح إذا عمدن للناظر لم يحتج إلى أن يستعجلها, وإنما ضرب هذا مثلًا لأن الممدوح ينيل قبل أن يسأل.
وقوله:
والله يسعد كل يومٍ جدهويزيد من أعدائه في آله
قوله: ويزيد من أعدائه في آله: آل الرجل في الأصل هم أهله الذين يؤول إليهم؛ أي يرجع, ويجوز بعد ذلك أن يقال لمن التجأ إلى الرجل, أو كان من محبيه وأصدقائه: هذا من آل فلان. وقال عبد المطلب بن هاشم:
نحن آل الله في كعبتهلم يزل ذاك على عهد ابرهم
أي نحن عبيده والمختصون بخدمته. وأجاز بعض النحويين أن يقال في تصغير آل الرجل: أويل وأهيل؛ لأن آلا عنده في معنى أهل؛ فجعلت الهاء الثانية همزةً, فلما اجتمعت الهمزتان جعلت الثانية ألفًا, وهذا قول قد يجوز مثله, ولكنه بعيد؛ لأنهم لا يجمعون في أول كلمة بين حرفين من جنس واحد إلا في ألفاظ نادرة, كقولهم للهو: ددن, وقولهم: ققت الدجاجة إذا صاحت. وإذا كان يفعلون ذلك في الحروف سوي الهمزة, فهم من الهمزة أشد نفارًا.
وكان بعض النحويين المتأخرين ينكر قول الناس: صلى الله على النبي وعلى آله؛ لأنه يرى أن «آلاً» ينبغي أن يضاف إلى اسم ظاهرٍ كقولك: آل محمدٍ وآل النبي وآل الرسول, ويكره
أن يضيفه إلى المضمر, وهذا قول يضعف. والذي أراد الشاعر بقوله: ويزيد من أعدائه في آله أنه دعاء للممدوح؛ أي ترغب أعداؤه في أن تصير من حزبه, أو يأسرهم فيصبحوا آله كالعبيد, وهذا موجود في الملوك؛ لأن سيف الدولة له غلمان أمراء كلهم روم ممن سباه أو اشتراه بماله.
وقوله:
فلمثله جمع العرموم نفسهوبمثله انفصمت عرى أقتاله
العرموم: الجيش العظيم, فعلعل من العرام وهو الشدة, ويقال للصبي إذا كانت فيه جرأة: هو عارم, قال الشاعر:
فيهم للملاينين أناةوعرام إذا يرام العرام
ويقال: نظر فلان عارم إذا كان ينظر إلى من لا يحسن أن ينظر إليه, قال ابن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصب من منىولي نظر لولا التحرج عارم
وانفصمت العروة إذا انقطعت, والأقتال: الأعداء واحدهم قتل, وهو فعل من القتل؛ لأن المتعاديين يود كل واحدٍ منهما قتل الآخر, قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
واغترابي عن عامر بن لؤيفي بلاد كثيرة الأقتال
وقوله:
وهب الذي ورث الجدود وما رأىأفعالهم لابن بلا أفعاله
هذا مأخوذ من قول اللهبي:
إنا وإن أحسابنا كرمتلسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
والهاء في أفعاله راجعة على الابن, و "لا" في معنى غير, ورأى هاهنا تؤدي معنى رضي واختار, كما يقال: فلان يرى أن يكون كذا؛ أي يشير به ويرضاه.
وقوله:
وبأرعنٍ لبس العجاج إليهمفوق الحديد وجر من أذياله
الأرعن: الجيش الذي له مقدمة كرعن الجبل, والهاء في أذياله تحتمل أن تكون عائدةً إلى الجيش وإلى العجاج.
وقوله:
كل يريد رجاله لحياتهيا من يريد حياته لرجاله
هذا البيت مبني على حكايةٍ تذكر عن سيف الدولة مع الإخشيد؛ وذلك أنه أراد أن يغلب على هذه البلاد, وجاء في جيش عظيم فطرد سيف الدولة ثم انصرف؛ فيقال: إن سيف الدولة وجه إليه بكلام مراده فيه: ابرز إلي ولا تقتل الناس بيني وبينك؛ فأينا غلب ملك. فوجه إليه الإخشيد: ما رأيت أعجب منك! إنما جمعت هذا الجيش العظيم لأقي به نفسي, أفتريد أن أبارزك؛ فهذا جهل.
ويقال للسيف: منصل ومنصل, وضم الصاد شاذ في القياس, وهو أكثر من منصلٍ, والقياس يدل على فتح الصاد, وأما منصل فهو على مثال: مدهنٍ ومسعطٍ, وهما على غير قياس.
وقافية هذه القصيدة من المتدارك وهي: اللام والهاء والياء, والقافية عند الخليل: واو واله من أهواله, وكذلك: تاله من أقتاله.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع