تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ...

إن يكن صبر ذي الرزية فضلاتكن الأفضل الأعز الأجلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

وزنها من أول الخفيف.

قوله:

أنت يا فوق أن تعزى عن الأحــباب فوق الذي يعزيك عقلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قوله: يا فوق يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون قد حذف المنادى لعلم السامع بما يريد؛ كأنه قال: أنت يا سيف الدولة, أو يا ملك, أو يا أمير, أو نحو ذلك. وحذف المنادى يكثر في شعر العرب, قال الشاعر:

ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلميثلاث تحياتٍ وإن لم تكلمي

والآخر: أن يكون جعل فوق نعتًا لسيف الدولة؛ فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء, وهذا القول أحسن في نقد الشعر, لأن فوق الأولى والثانية في الوجه الأول: ظرفان, وفي الوجه الآخر: الأول منهما اسم, والثاني ظرف. ولو كان فوق في موضع رفع على هذا الوجه لرفع فقيل: أنت فوق أن تعزى, وقد أدخلوا الباء على فوق وأنشدوا بيتًا ينسبونه إلى

سحيمٍ عبد بني الحسحاس وليس في ديوانه:

لقيت النساء الحارثيات غدوةًبوجه براه الله غير جميل
فشبهنني كلبًا ولست بفوقهولا دونه إن كان غير بخيل

وقوله:

وبألفاظك اهتدى فإذا عززاك قد الذي له قلت قبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

العرب تستعمل قبل مضافةً, فإذا فعلوا ذلك نصبوها على الظرف, فإذا حذفوا المضاف إليه فأكثر ما يستعملونها مضمومةً يجعلونها غايةً, وفي الكتاب العزيز: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾, وقل ما يستعملونها غير ظرف إذا انفكت من الإضافة, قال الشاعر:

فلذ لي الشراب وكنت قبلًاأكاد أغص بالماء الحميم

أراد بالحميم هاهنا: البارد, وإنما شبهه بحميم الإنسان الذي يحتم له أي يهتم, والاحتمام مثل الاهتمام, وقيل: إنه يكون مع سهرٍ, وقد جاؤوا ببعد مضمومة منونة وذلك قليل شاذ, وأنشد الفراء:

ونحن قتلنا الأزد أزد شنوءةٍفما شربت بعد على لذاةٍ خمرا

وقوله:

وقتلت الزمان علما فما يغـرب قولًا ولا يجدد فعلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

ادعى للممدوح أنه قد قتل الزمان علمًا, فالزمان لا يغرب عليه قولًا, ولا

يجدد فعلًا لم يمرر به, وهذه الدعوى توجب الاستغفار, ولا يحل أن يوصف بها مخلوق, ولكن الشعراء مصطلحون علي هذه المبالغات.

وقوله:

إن خير الدموع عينًا لدمعبعثته رعاية فاستهلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: استهل الدمع إذا تهيأ لأن ينهل, وانهلاله انصبابه بالمطر, واستفعل يستعمل على هذا الوجه, يقال: استسر الهلال إذا حصل في السرار, واستجد الرجل صديقًا إذا أخذه جديدًا, وربما قال المفسرون: الاستهلال رفع الصوت؛ وإنما قالوا ذلك لأن السحاب إذا استهل طال ما سمع معه رعد, وقالوا: أهل الرجل إذا رفع صوته بدعاءٍ أو تسبيح, قال ابن أحمر:

يهل بالفرقد ركبانهاكما يهل الراكب المعتمر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

وإنما قيل لرافع الصوت مهل؛ لأن الهلال إذا طلع فمن شأن من رآه أن يذكر الله؛ فيرفع لسانه بذلك, وقالوا: استهل الصبي إذا بكى بعد ولاده, وأصله ما تقدم. وقال الشاعر:

أهل به لما استهل بصوتهحسان الوجوه ناعمات الأنامل

وقوله:

قاسمتك المنون شخصين جورًاجعل القسم نفسه فيه عدلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كان لسيف الدولة أختان؛ إحداهما التي رثاها أبو الطيب بالقصيدة التي أولها:

يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أب

وكانت الكبرى من أختيه فماتت الصغرى قبلها, وهي المرثية بهذه القصيدة, وفضل أبو الطيب الباقية على الذاهبة في هذه القصيدة وفي الأخرى فقال:

قد كان قاسمك الشخصين دهرهماوعاش درهما المفدي بالذهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

وقوله:

فإذا قست ما أخذن بما أغــدرن سرى عن الفؤاد وسلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقال: أغدر بالشيء وغادره إذا تركه. ويقال: أخذ فلان كذا وترك منه غدارة, قال الأفوه الأودي:

في مضر الحمراء لم يتركغدارةً غير النساء الجلوس

وقال الراجز:

هل لك والعائض منك عائضفي مائةٍ يغدر منها القابض

وقوله:

وكم انتشت بالسيوف من الدهــر أسيرًا وبالنوال مقلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقال: انتشت الشيء أنوشه إذا تناولته, وربما قيل: نوش الشيء أخذه بعد طلبٍ, قال الراجز:

فهي تنوش الحوض نوشًا من علانوشًا به تقطع أجواز الفلا

والسباع تنوش القتيل؛ أي تأخذ لحمه, قال عنترة:

فتركته جزر السباع ينشنهمما بين قلة رأسه والمعصم

ويقال: انتاش فلان الرجل من الهلكة إذا خلصه منها, قال القطامي:

فانتاشني لك من غبراء مظلمةٍحبل تضمن إصداري وإيرادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

عدها نصرةً عليه فلماصال ختلًا رآه أدرك تبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

في عدها ضمير يعود على الدهر, والهاء والألف في عدها عائدة على أفعال سيف الدولة التي هي تخليص الأسرى بالسيوف, وإراحة المقلين من العدم بالنوال؛ فكأن الدهر رأى ذلك نصرةً عليه, فلما ختل الممدوح, فأخذ بعض أهله, ظن أنه قد أدرك ثأرًا.

وقوله:

قارعت رمحك الرماح ولكنترك الرامحين رمحك عزلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: قارعت الرماح رمحك فترك الرامحين عزلًا؛ أي لا سلاح معهم, والواحد أعزل, وإنما قيل له ذلك لأنه إذا فقد السلاح انعزل عن الحرب, وأكثر ما يستعمل فيمن فقد الرمح, [و] يقال له: أجم, والأجم الذي لا قرن له, والرماح يقال لها: قرون الخيل, قال عنترة:

ألم تعلم لحاك الله أنيأجم إذا لقيت ذوي الرماح
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «إذا لاقيت جمع بني أبان»

ويقال: فرس جماء إذا لم يكن مع فارسها رمح, وكذلك خيل جم, قال الأعشى:

متى تدعهم للقاء الصباحتأتك خيل لهم غير جم

ويقال في جمع الأعزل: عزل, وكذلك في المصدر, وهو مثل قولهم: أحمق للواحد, والجمع: حمق, وقالوا: هو بين الحمق, قال الهذلي:

فما هو إلا بزه وسلاحهوما بكم فقر إليه ولا عزل

والعزل هاهنا مصدر أعزل, قال النابغة في الجمع:

فوارس من منولة غير ميلٍولا عزل إذا هفت العقاب

وقوله:

لو يكون الذي وردت من الفجــعة طعنًا أوردته الخيل قبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

توصف الخيل بالقبل؛ فيقول قوم: القبل حول خفي. وقال آخرون: القبل ضد الحول, لأن الحول أن تخالف إحدى العينين الأخرى, والقبل أن تقبل إحداهما على الأخرى, وقيل: القبل أن يقبل أعلى العين على أسفلها. قال الهذلي:

فلو سمعوا منه دعاءً يروعهمإذًا لأتته الخيل أعينها قبل

وقوله:

خطبة للحمام ليس لها ردوإن كانت المسماة ثكلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

ذكر أن خطبة الحمام نفوس بني آدم وغيرها لا يمكن ردها؛ إذ كانت الخطبة طال ما ردها المخطوب إليه. وأصل الخطبة في التزوج, ويجوز أن يقال لكل من طلب شيئًا قد خطبه. قال الراجز:

قد خطب النوم إلي نفسيهمسًا وأدنى من خفي الهمس

وما بأن أطلبه من بأس

وحسن ذكر الخطبة هاهنا لأن المرثاة امرأة, وبين ذلك الشاعر بقوله:

وإذا لم تجد من الناس كفوًاذات خدرٍ أرادت الموت بعلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

أبدًا تسترد ما تهب الدنـ .. ـيا فياليت جودها كان بخلا

فكفت كون فرحةٍ تورث الغمــم وخل يغادر الوجد خلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

وهذ يشبه قول أبي الطيب في موضعٍ آخر:

ولولا أيادي الدهر في الجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذنوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»
وللترك للإحسان خير لمحسنٍإذا جعل الإحسان غير ربيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

يقول: لولا أيادي الدهر, أي نعمه, في الجمع بيننا لم ن شعر بذنوبه التي هي فراق وغيره من حوادث الدهر, ثم قال: ترك الإحسان أجمل بالمحسن إذا جعل إحسانه غير مربوبٍ؛ أي

غير مرهون, بما ينقضه؛ فإنما مثل الدهر فيما فعل مثل رجلٍ وهب لآخر شيئًا فرح به, ثم أخذه منه, فكان أسفه عليه أضعاف فرحه به إذ أعطي.

وقوله:

وهو الضارب الكتيبة والطعــنة تغلو والضرب أغلى وأغلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: الطعن وإن كان صعبًا على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛ لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه, كما أن الرامي أبعد من الطاعن, وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقافية هذه القصيدة من المتواتر, ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيرًا, وأين منها قصيدة البحتري التي أولها:

إن سير الخليط لما استقلا

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر ما جاء على حرف اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.