من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: قد شغل الناس كثرة الأمل ... وأنت
قد شغل الناس كثرة الأملوأنت بالمكرمات في شغل
الوزن من المنسرح الأول.
قوله:
أهلًا وسهلًا بما بعثت بهإيها أبا قاسمٍ وبالرسل
أهلًا وسهلًا كلمة تقال للداخل على الإنسان إذا أراد إكرامه, كأنه يريد: أتيت أهلًا ومكانًا سهلًا, قال طفيل الغني:
وبالحزن ميمون النقيبة قولهلملتمس المعروف: أهل ومرحب
وقولهم: مرحبًا بالنصب يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون منصوبًا بفعلٍ مضمرٍ ليس من لفظ مرحبٍ.
والآخر: أن يكون في معنى: رحبت بلادك مرحبصا.
وحكى بعض أهل اللغة: مرحبك الله ومسهلك؛ كأنه دعا له أن يقول له الناس: مرحبًا فجاء بالميم, كما جاؤوا بها في قولهم: تمسكن الرجل, ولما جاء بها في مرحبًا جاء بها في قوله: مسهلك كأنه بناها على أنهم قالوةا: مرحبًا ومسهلًا. ولو لم يتبع أبو الطيب النصف الأول بقوله: إيهًا أبا قاسمٍ وبالرسل لكان قد جعل الترحيب بالهدية دون غيرها. وإيهًا تقال للإنسان إذا أمر بالتقصير عن الشيء والكف, وإيه تقال إذا أردت الزيادة, وكثرت هذه الكلمة حتى صار التنوين كأنه أكمل, وكان الأصمعي يعيب قول ذي الرمة:
وقفنا فقلنا إيه عن أم سالمٍوما بال تكليم الرسوم البلاقع
والقياس يوجب أن يكون قولهم إيه بغير تنوين مرادًا به المعرفة كأن قال: الزيادة, وإذا نون فكأنه نكرة, كأنه قال: زدني زيادةً, وقد أنشدوا بيتًا فيه إيهًا في معنى الأمر بالكف, وقد جعلت نونه ألفًا في القافية, قال الراجز:
إيهًا بني تغلب إيهًا إيهانحن بنو الحرب ربينا فيها
ويجوز أن يكون حذف النون للضرورة, وقال آخر فحذف الياء من إيها:
إهًا عد عن ذكر الشباب فإنمايقحمك الأهوال قلب متيم
وقال في هذه الأبيات: أبا قاسمٍ فحذف الألف واللام ولم تجر عادته بذلك؛ وقد مدح سيف الدولة وكنيته أبو الحسن فلم يخاطبه بحذف الألف واللام. ومن نظر في القصيدة التي أولها:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم
أجاز أن يكون زاد وسمها بقاسم؛ لأنها مدح في القاسم بن عبيد الله؛ ولعله ترك ذلك مخافة أن يحذف الألف واللام من الاسم لأن ثباتهما فيه أشد إكرامًا للممدوح. وقولك للرجل: يا أبا الحسين أجمل عند العامة من قولك: يا أبا حسينٍ. وقافيتها من المتراكب.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع