تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: عدوك مذموم بكل لسان ... ولو كان

عدوك مذموم بكل لسانولو كان من أعدائك القمران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الوزن من ثالث الطويل]

يقول: عدوك يذمه الناس, ولو كان القمران من أعدائك لكانا بين البشر مذمومين, وأراد بالقمرين: الشمس والقمر فغلب اسم القمر لأنه مذكر. وقيل في قول الفرزدق:

أخذنا بآفاق السماء عليكملنا قمراها والنجوم الطوالع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل»

أراد إبراهيم ومحمداً ﵉ فضرب لهما المثل بالشمس والقمر.

وقوله:

ولله سر في علاك وإنماكلام العدى ضرب من الهذيان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لله سر لا يشعر به المخلوقون, وهو فيما ظهر من علاك؛ وكأن في هذا البيت تعريضًا لأن المخاطب قد أعطي ما ليس له بمستحق. وجعل كلام العداة كالهذيان ليس له تأثير.

وقوله:

رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلىبغدر حياةٍ أو بغدر زمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

فرق بين غدر الحياة وغدر الزمان, وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن. والزمان غدره على

ضربين: أحدهما: هلاك النفوس, والآخر: هلاك المال وزوال الدول وموت الأعزاء. وغدر الحياة داخل في غدره.

وقوله:

برغم شبيبٍ فارق السيف كفهوكانا على العلات يصطحبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

شبيب العقيلي كان من قوم يعرفون بالمستأمنة استأمنوا إلى سيف الدولة, وكانوا قبله مع القرامطة. وولي شبيب معرة النعمان دهراً طويلًا, ثم سار إلى مصر, ورأى أن يخرج على كافورٍ, واجتمعت إليه طائفة, وهجم بها دمشق ومعه عسكر. واختلف الناس في حديثه؛ فقيل: إن امرأةً ألقت عليه رحى يدٍ فصرعته, فلما صرع انصرف العسكر منهزماً. وقال من يدعي الخبرة بأمره: إنه كان قد حدث به صرع من شرب الخمر, وإنه عرض له في تلك الساعة فلم يدر أصحابه ما شأنه فانصرفوا وتركوه. وكان كافور قد أعد عسكراً ليجهزه إليه فكفي بالإقبال مؤونته.

وفي هذا البيت معنى حسن لطيف, وذلك أن الشاعر قال: كأن رقاب الناس قالت لسيفه: رفيقك من قيس عيلان وأنت منسوب إلى اليمن, فأفسدت بين شبيبٍ وبين السيف؛ لأن عادة من ينسب إلى قيس عيلان أن يتعصب على اليمن.

وقوله:

وما كان إلا النار في كل موضعٍتثير غباراً في مكان دخان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

شبهه بالنار التي تحرق, وإنما أراد أنه كان يوقد نار الحرب فكأن غبارها دخان نارٍ.

وقوله:

فنال حياةً يشتهيها عدوهوموتاً يشهي الموت كل جبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

أي إنه مات موتةً وحيةً ولم يمت حتف أنفه فيعاني العلل والأمراض.

وقوله:

نفى وقع أطراف الرماح برمحهولم يخشن وقع النجم والدبران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

أي كان شبيب يقاتل أمثاله من الناس. والنجم هاهنا يعني به الثريا دون غيرها, ويدل على ذلك ذكره الدبران معها. والعرب تتشاءم بالدبران لأنه يدبر الثريا, واسمه كأنه مشتق من الإدبار. قال عنترة:

يا دار ماوية بالسهببنيت على خطبٍ من الخطب
بنيت على سعد السعود ولمتبن على الدبران والقلب

وإنما قالت العرب للدبران: حادي النجم لأنهم يزعمون أنه خطب الثريا ليتزوجها؛ فطلبت منه مهراً فذهب فجاءها بنجوم تسمى القلاص ودفعها إلى الثريا فكرهته هربت منه. وقد ذكرت العرب ذلك, قال بعض الشعراء:

أما ابن طوقٍ فقد أوفى بذمتهكما وفى بقلاص النجم حاديها
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أما ابن طوق فقد أوفى بذمته »

وقوله:

وقد قتل الأقران حتى قتلتهبأضعف قرنٍ في أعز مكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

حكى الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد العلوي نضر الله وجهه: أنه كان بحضرة كافور, وأبو الطيب ينشد هذه القصيدة, فقال أبو الطيب:

بأضعف قرنٍ في أذل مكان

فقال كافور وهو يتكلم كلام الخدم: لا والله إلا بأشد قرنٍ في أعز مكان. فروى الناس: بأضعف قرنٍ, وجعلوا مكان أذل: أعز.

وقوله:

ودى ما جنى قبل المبيت بنفسهولم يده بالجامل العكنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

ودى من قولهم: ودى القتيل يديه إذا حمل ديته؛ أي ودى شبيب ما جناه بنفسه, ولم

يده بالجامل, وهو جمع جملٍ على غير قياسٍ. ويقال: إبل عكنان وعكنان بسكون الكاف وتحريكها؛ أي كثير. قال الراجز:

إن ابنة القيسي سامت مهراوعكناناً بازلًا وبكرا

وقوله:

أتمسك ما أوليته يد عاقلٍوتمسك في كفرانه بعنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

هذا استفهام على معنى الإنكار. والتقدير أنه يقول: أحسنت إليه إحساناً أمسكته يده, وكان لا ينبغي أن يمسك في كفران ما صنع معه بعنانٍ. يقال: أمسك الشيء وأمسك به, وقد بين الغرض في قوله:

ثنى يده الإحسان حتى كأنها - وقد قبضت - كانت بغير بنان

يقول: ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائها, فكأنها لما قبضت ما وهبت لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.

وقوله:

وعند من اليوم الوفاء لصاحب؟شبيب وأوفى من ترى أخوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

قوله: وعند من اليوم الوفاء استفهام يدل على النفي؛ أي لم يبق في الناس وافٍ لمن يصحبه. وابتدأ في النصف الثاني: بشبيبٍ وجعل أوفى من ترى عطفاً عليه؛ والخبر قوله: أخوان؛ أي شبيب في الغدر وأوفى العالم سواء.

وقوله:

فما لك تختار القسي وإنماعن السعد يرمي دونك الثقلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول: ما لك تخير القسي لترمي عنها الأعداء وعن السعد يرمي الثقلان دونك؟ يعني بالثقلين: الجن والإنس. وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه قال: «أخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي». فالثقلان في الحديث تثنية ثقلٍ من قولهم: حط فلان ثقله؛ أي متاعه الذي يحمله؛ فأراد صلى الله عليه أن كتاب الله وعترته ثقلاه الذي يهمه حفظهما.

وقوله:

وما لك تعنى بالأسنة والقناوجدك طعان بغير سنان

يقول: لم تعن بالقنا والأسنة وجدك - أي حظك - يطعن أعداءك بغير سنان؟ وأنكر عليه حمل السيف, وهو غني عنه لما يسعده من حدثان الدهر, فقال:

ولم تحمل السيف الطويل نجادهوأنت غني عنه بالحدثان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

وقوله:

أرد لي جميلًا جدت أو لم تجد بهفإنك ما أحببت في أتاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول: الأقدار جارية بحكمك فإذا أردت شيئاً كان, وإذا نويت أن تعطيني شيئاً وصل إلي؛ وإن لم تجد به؛ لأن الأقضية تجري بمحبتك.

وقوله:

لو الفلك الدوار أبغضت سعيهلعوقه شيء عن الدوران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الناس يرفعون الفلك ولا بأس برفعه لأنه مؤد معنى قولك: لو الفلك الدوار مبغض أنت سعيه, لعوقه شيء منعه أن يدور. وكان ابن جني ﵀ يختار النصب وهو مذهب النحويين, وليس الرفع بخطأ. ويجوز أن يضمر للفلك فعل ما لم يسم فاعله ويفسره ما بعده. والقافية من المتواتر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.