تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: بم التعلل لا أهل ولا وطن ...

بم التعلل لا أهل ولا وطنولا نديم ولا كأس ولا سكن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

الوزن من أول البسيط.

قوله:

أريد من زمني ذا أن يبلغنيما ليس يبلغه من نفسه الزمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

جرى في هذا البيت على عادته من المبالغة, وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير.

وذهب أبو الفتح ابن جني ﵀ إلى معنى حسنٍ, ويجوز أن يكون الشاعر لم يذهب إليه, وذلك أنه ذهب إلى أن الزمان كالذي يعقل, فيختار أن يكون كلها ربيعاً؛ لأنه زمان طيب يظهر فيه من الزهر والرياض والريا الأرجة ما لا يظهر في غيره من الأزمنة.

وقوله:

لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍما دام يصحب فيه روحك البدن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

اكثرت: افتعل من قولهم: كرثه الأمر إذا شق عليه. قال رجل من قريش:

منع الرقاد فما ينام الحارثسقم ألم به وهم كارث

وجاء في شعر الصنوبري: شهر كريث بالثاء في معنى كريتٍ؛ فيقال إنه صحفه, ويجوز أن يكون ذهب إلى أن كريثاً في معنى كارثٍ؛ كما قالوا: عالم وعليم, وراحم ورحيم, فزعم أن الشهر شديد شاق عليه.

وقوله:

تحملوا حملتكم كل ناجيةٍفكل بين علي اليوم مؤتمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

كأنه دعا لنفسه بأن يتحملوا عنه وتحملهم النواجي من الإبل؛ أي السراع, وهذا ضد ما ذكره في قوله:

ليت الذي خلق النوى جعل الحصىلخفافهن مفاصلي وعظامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

وذكر أن البين مؤتمن عليه, لأنه سالٍ لا يلحقه من البين ضرر, ثم شرح ما ادعاه في هذا البيت بقوله:

ما في هوادجكم من مهجتي عوضإن مت شوقاً ولا فيها لها ثمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

يقول: سلوت عنكم كأن هوادجكم ليس لي فيها عوض من نفسي وإن هلكت شوقاً, وليس في الهوداج ثمن لها. والهودج كلمة قد تكلمت بها العرب قديماً؛ ويجوز أن يكون اشتقاقها من الهدجان والهداج وهو مشي متقارب الخطو. قال الشاعر:

ويأخذه الهداج إذا هداهوليد الحي في يده الرداء
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

فكأنهم أرادوا بالهودج أنه إذا حمل على البعير وركبت فيه المرأة ثقلت عليه فهدج تحتها.

وقوله:

قد كان شاهد دفني قبل قولهمجماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

هذا البيت فيه تهزؤ بالناعين له. يقول: زعموا أني دفنت ثم ماتوا قبلي. وقوله: دفنوا إنما يريد أنهم قالوا ذلك لأن المعنى يصح على هذا التأويل, وإذا قال الرجل: قتل فلان ثم علم أنه حي جاز أن يقال له: لم قتلته؛ أي لم قلت ذلك اللفظ.

وقوله:

رأيتكم لا يصون العرض جاركمولا يدر على مرعاكم اللبن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

قالوا: يدر ويدر إذا غزر وكثر, وهذا مثل ضربه بدر اللبن؛ وإنما جعله كناية عن الخير؛ أي مرعاكم لا يدر عليه اللبن؛ أي: إذا أصيب منكم خير لم تكن له عاقبة تحمد.

وقوله:

جزاء كل قريبٍ منكم مللوحظ كل محب منكم ضغن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

أي: إذا قرب الإنسان منكم مللتموه, وتجازون محبكم بأن تضطغنوا عليه. والضغن والضغن واحد.

وقوله:

وتغضبون على من نال رفدكمحتى يعاقبه التنغيص والمنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

أي: حتى يكون في عاقبته تنغيص بالمنن على أخذه. ويجوز أن يكون يعاقبه من تعاقب الراكبين على الدابة. يريد أن رفدكم والتنغيص لا يجتمعان فيسهل أحدهما الآخر؛ ولكن التنغيص يجيء ولا رفد معه.

وقوله:

فغادر الهجر ما بيني وبينكميهماء تكذب فيها العين والأذن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

اليهماء: الأرض التي لا يهتدى لها؛ كأنه يخبر الذين يخاطبهم أنه قد بعد عن بلادهم, فصار بينه وبينهم يهماء تكذب فيها العين والأذن لأنها بعيدة الأرجاء, والعين لا تتبين فيها الشخص على حقيقته, وكذلك الأذن ليس سمعها في هذه المقفرة بالصحيح.

وقوله:

تحبو الرواسم من بعد الرسيم بهاوتسأل الأرض عن أخفافها الثفن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

يقال: حبا البعير حبواً إذا عجز عن القيام فحبا وهو بارك. قال الراجز:

يا حكم الوارث عن عبدالملكهلكت إن لم تحب حبو المعتنك

يقال: اعتنك البعير إذا وقع في عانكٍ من الرمل, وهو رمل كثير يصعب المشي فيه.

والرواسم: نوق تسير الرسيم, وهو ضرب من السير سريع. قال حميد بن ثور:

أرسما: أي حملا البعيرين على الرسيم. يريد أن النوق حبت في هذه الأرض لأنها

عجزت عن السير. والثفن: جمع ثفنةٍ وهو ما يصيب الأرض من البعير إذا برك. يقول: قد ذهبت أخفاف هذه الإبل لطول السفر؛ فثفناتها تقول للأرض: ما فعلت أخفافي؟ أي إن ثفناتها قد باشرت الأرض لأنها تحبو للضعف.

وقوله:

سهرت بعد رحيلي وحشةً لكمثم استمر مريري وارعوى الوسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

أصل قولهم: استمر مريري أن يقال في الحبل الذي يفتل. والمرير: جمع مريرة وهي القوة من قوى الحبل. قال توبة بن الحمير:

لعلك يا تيساً نزا في مريرةٍمعذب ليلى أن تراني أزورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

فالإنسان يقول: استمر مريري أي استقام أمري. وارعوى الوسن؛ أي رجع النعاس إلى عيني.

وقوله:

وإن بليت بود مثل ودكمفإنني بفراقٍ مثله قمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

يقول: بليت بقوم ليس ودهم بالصحيح, وهو مثل: ودكم خؤون؛ فإني بفراقٍ مثل هذا الفراق جدير. ولو رويت: بفراقٍ مثله بنصبها لكان ذلك وجهًا قويا, وتكون الهاء راجعة إلى الود. يقال: فلان قمن وقمين بهذا الأمر, ويثنى هذا اللفظ ويجمع. فإذا قيل: قمن بفتح الميم لم تدخله التثنية ولا الجمع. قال الشاعر:

من كان يسأل عنا أين منزلنافالأقحوانة منا منزل قمن
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قد هاج قلبك بعد السلوة الوطن»

وقوله:

أبلى الأجلة مهري عند غيركموبدل العذر بالفسطاط والرسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

المهر: كلمة تقع على ولد الفرس منوقت نتاجه إلى أن يركب, وبعد الركوب. قال الشاعر:

يقذفن بالمهرات والأمهار

يريد أن الخيل تلقي أولادها في شدة الحرب والسير. وقال زيد الخيل وذكر فرساً أخذ منه:

عودوا مهري كما عودتهدلج الليل وإيطاء القتيل
لا تذيلوه فإني لم أكنيا بني الصيداء مهري بالمذيل
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

والعذر: جمع عذار الفرس. وقال: بدل العذر ولو أمكنه المجيء بالتاء لكان أحسن.

والأجلة: جمع جلالٍ وهو ما يجلل به الفرس.

وقوله:

عند الهمام أبي المسك الذي غرقتفي جوده مضر الحمراء واليمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

مضر: يقال إنه اشتق من اللبن الماضر وهو الحامض. ويقال: مضر مأخوذ من الشيء المضر وهو الشيء الحسن الرائق. ويقال: دنيا خضرة مضرة. وإنما قيل لمضر: الحمراء؛ لأن أباهم قسم ميراثه على أولاده: فأعطى مضر قبةً حمراء كانت له, وأعطى ربيعة فرساً, وأعطى إياداً شيئاً من بناءٍ كان يملكه. وإياد الشيء: ما حوله, ويقال للحائط: إياد.

وقوله:

وإن تأخر عني بعض موعدهفما تأخر آمالي ولا تهن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

تهن: من الوهن وهو الضعف, يقال: وهن يهن, ووهن يوهن. فالوهن بسكون الهاء مصدر

وهن بفتحها, والوهن بفتح الهاء مصدر وهن بكسرها. يقول: آمالي قوية في إكرامه لي.

وقوله:

هو الوفي ولكني ذكرت لهمودةً فهو يبلوها ويمتحن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

يقال: فلان يمتحن فلاناً إذا كان يختبر ما عنده ويستخرجه, ومنه قوله تعالى: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾. والقافية من المتراكب.

ومن أبيات أولها

صحب الناس قبلنا ذا الزماناوعناهم من شأنه ما عنانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

الوزن من الخفيف الأول.

قوله:

وكأنا لم نرض فينا بريب الدهــر حتى أعانه من أعانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
كلما أنبت الزمان قناةًركب المرء في القناة سنانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

هذا البيتان من أحسن ما قيل في إقامة الحجة على العالم وأن طباعه الشر. يقول: كأنا لم نرض بما يفعله الزمان, وإنما فعل الزمان منسوب إلى القضاء والزمان لاي فعل شيئاً, وإنما يفعل فيه. وكذلك يقال: هذا يوم سعيد, واليوم لا يحس بسعدٍ ولا نحسٍ وإنما يحس من يشتمل عليه اليوم. وأنكر القائل ما يفعله الأنيس؛ لأن الزمان إذا نبتت فيه قناة - إنما ينبتها بالطبع ولا يشعر لأي شيء تصلح - تكلف بنو آدم أن يتخذوا سناناً لتلك القناة يتوصلون به إلى هلاك النفوس.

وقوله:

ومراد النفوس أصغر منأن نتعادى فيه وأن نتفانى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

يقول: إنما يحصلون من دنياهم على الشيء التافه, فالذي يطلبون أصغر من أن يقع التفاني عليه, وأن تشب له العداوات المؤدية إلى الحروب.

وقد جمع هذا القائل ثلاث جملٍ في بيت يشتمل على آدابٍ ثلاثةٍ لو تأدب بها الناس لكانت المنفعة بها عظيمةً, ولكن الذاكر لها لم يأخذ بها فكيف يأخذ بها سواه؟ ! وذلك قوله: ذكر الفتى عمره الثاني

وقد وهب لأبي الطيب طول عمرٍ منع منه كثير من أهل الحكم. ثم قال:

وحاجته ما قاته

وقد يوجد خلق كثير عنده ما يقوته من المال لسنين كثيرةٍ لا يجوز أن يعيشها مثله, وهو شديد الحرص بين الرغبة في الازدياد, وقال بعد ذلك:

وفضول العيش أشغال

أي إن الإنسان إذا وصل إلى ما يكفيه ففضول عيشه أشغال يشغل بها نفسه وإنه عنها لغني.

وقوله:

غير أن الفتى يلاقي المناياكالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

ذكر أن النفوس يصغر مرادها عن إقامة الحرب وعظيم الكلف, ثم استثنى استثناءً كالاعتذار بطلبه ما لا يحتاج إليه, وزعم أن الذي يحمله على ذلك أنفته من الهوان؛ لأن لقاء المنية أخف من لقائه.

وقوله:

ولو أن الحياة تبقى لحيلعددنا أضلنا الشجعانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

يقول: لو أن الجبان يسلم من الحمام والشجاع يلقاه لكانت الشجاعة من الضلال. ثم أتبع هذا البيت بما هو له بيان فقال:

وإذا لم يكن من الموت بدفمن العجز أن تكون جبانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

حث بهذا البيت على الشجاعة ونهى عن الجبن؛ وإنما يكون الإنسان كما خلق؛ فإن جعل شجاعاً لم يكن موصوفاً بالجبن, وإن خلق جباناً فليس له إلى الشجاعة سبيل. وقد قال الأول:

لقد علمت فلا أنهاك عن خلقٍألا يكون امرؤ إلا كما خلقا

وقوله:

كل ما لم يكن من الصعب في الأنــفس سهل فيها إذا هو كانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

هذا البيت حث على الصبر عند المصيبة, والعامة يقولون: الصبر ينزل مع البلية, وقد قال أوس بن حجرٍ يأمر نفسه بالصبر إذا وقع ما تكره من الأمور:

أيتها النفس أجملي جزعاإن الذي تحذرين قد وقعا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أمسى سمير قد بان فانقطعا»

وقافيتها من المتاتر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.