تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو

أفاضل الناس أغراض لذا الزمنيخلو من الهم أخلاهم من الفطن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الوزن من أول البسيط.

إذا قيل: هذا أفضل من فلانٍ فجاءت «من» بعد «أفعل» لم يثن, ولم يجمع, ولم يؤنث, فإذا حف حرف الخفض قيل: هذا أفضل القوم, ويجوز حينئذ أن يجمع فيقال: هؤلاء أفاضل الناس. وإذا قلت: هذا الأفضل فقلما تدخل عليه التثنية, والقياس يوجب دخولها عليه.

والناس: أصلهم أناس؛ فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال, وإنما يحذفون الهمزة إذا جاءت الألف واللام كقوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾, وغير ذلك من تردد هذه

الكلمة في الكتاب العزيز. ووزن أناسٍ: فعال, ووزن ناسٍ: عال لأن الهمزة فاء الفعل, قال القطامي:

والناس من يلق خيرًا قائلون لهما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍشر على الحر من سقمٍ على بدن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقال: قوم سواسية؛ أي مستوون في الضعة. وحكي: سواسوة. ومن أمثالهم: «سواسية كأسنان الحمار», وقال الشاعر:

سواسية سود الوجوه كأنمابطونهم من كثرة الزاد أوطب

وقال آخر:

لهم مجلس سود الوجوه أذلةسواسية أحرارها وعبيدها

وقوله:

حولي بكل مكانٍ منهم خلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن خفف همزة تخطئ, وقد فعل ذلك في غير موضع. والمعنى يحتمل وجهين:

أحدهما: أن تكون تخطئ فيه ضمير عائد على الخلق. يريد أنهم إذا قيل للرجل منهم: من أنت؟ لم يهتد للبيان في الجواب بل يخطئ فيه, وهذه مبالغة في الصفة بالجهل.

والآخر: أن يكون المعنى: تخطئ أيها الرجل إذا قلت لبعضهم: من أنت؟ لأن من إنما تكون لمن يعقل, وهذه الخلق ليست لها عقول.

وقوله:

لا أقتري بلدًا إلا على غررٍولا أمر بخلقٍ غير مضطغن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أقتري من قروت الشيء إذا تتبعته على غررٍ؛ أي إني أغرر بنفسي في المسير بين هؤلاء العالم.

والمضطعن: المفتعل من الضغن, وهذه الطاء تاء في الأصل. وقد مضى القول في أن تاء الافتعال وما تصرف منه إذا وقعت بعد طاءٍ أو ظاءٍ أو ضادٍ قلبت طاءً؛ فلو صغر مضطغن لقيل مضيغن.

وقوله:

ولا أعاشر من أملاكهم أحدًاإلا أحق بضرب الرأس من وثن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الوثن: الصنم, وهو معروف؛ يقال إنه من: وثن بالمكان إذا أقام به.

وقوله:

إني لأعذرهم مما أعنفهمحتى أعنف نفسي فيهم وأني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أني من قولهم: ونى الرجل يني إذا قصر في الأمر, والرجل وانٍ. قال الشاعر:

أناةً وحلمًا وانتظاراً بهم غداًفما أنا بالواني ولا الضرع الغمر

يقال: ونى يني ونياً. وزعم قوم أن الونا يمد ويقصر, وهو مقصور في قول امرئ القيس:

مسح إذا ما السابحات على الونىأثرن غباراً بالكديد المركل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقوله:

ومدقعين بسبروتٍ صحبتهمعارين من حللٍ كاسين من درن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

المدقعون: جمع مدقع وهو الذي قد افتقر حتى لحق بالدقع وهو التراب, ونحوه قولهم للفقير: مرمل أي قد افتقر حتى لصق بالرمل كأنه ينام عليه من غير وطاءٍ. والسبروت: الأرض المقفرة التي لا شيء بها. قال الأعشى:

سباريت أمراتاً قطعت بجسرةٍإذا الجبس أعيا أن يروم المسالكا

سباريت: جمع سبروت, ويقال للفقير: سبروت, وقيل لأعرابي: ما السبروت فقال: كأنا الغداة. ويقال: ما له سبروت أي ما له شيء. قال الراجز:

يا بنت شيخٍ ما له سبروت

وقوله: عارين من حلل, أي لا لباس عليهم. والحلة عندهم ثوبان. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه اشترى حلة ذي جدنٍ بثلثمائة دينارٍ فلبسها ساعةً ثم خلعها على أسامة بن زيد, وقال: «خشيت أن تفتنني». ويقال في جمع الحلة: حلل وحلال, كما يقال: جلة وجلل وجلال لقوصرة التمر. قال ذو الرمة:

نعوضه المئين مكملاتٍمع البيض الكواعب والحلالا

والدرن: الوسخ. يريد أن هؤلاء القوم لا ثياب عليهم وهم كاسون من الدرن. قال أبو الأخزر الحماني:

يعبق داري الإناب الأدكنمنه بجلدٍ طيبٍ لم يدرن

الإناب: المسك, وقيل: هو ضرب من الطيب.

وقوله:

خراب باديةٍ غرثى بطونهممكن الضباب لهم زاد بلا ثمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الخراب: جمع خاربٍ, وأصله الذي يسرق الإبل خاصة, ثم قيل لكل لص: خارب. قال الشاعر:

والخارب اللص يحب الخارباوتلك قربى مثل أن تناسبا

أن تشبه الضرائب الضرائبا

وقال آخر:

إن بها أكتل أو رزاماخويربين ينقفان الهاما

لم يدعا لمسلمٍ طعاما

ومكن الضباب: بيضها؛ يقال: ضبة مكون إذا كان في بطنها بيض. وفي حديث أبي وائل شقيق بن سلمة: «ضبة أحب إلي من دجاجةٍ سمينة».

وقوله:

يستخبرون فلا أعطيهم خبريوما يطيش لهم سهم من الظنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: إذا سألوني عن خبري كتمته لأني أريد حاجةً لا ينبغي لي أن أظهرها. ومن

كلام النبوة: «استعينوا على أموركم بالكتمام». وذكر أن هؤلاء القوم لهم ظنون صحيحة, فإذا رموا بسهام ظنونهم أصابوا.

وقوله:

وخلةٍ في جليسٍ أتقية بهاكيما يرى أننا مثلان في الوهن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقال: وهن ووهن أي ضعف, والخلة: الخصلة تكون المحمودة وتكون المذمومة, وهي هاهنا الذميمة.

والمعنى: أنه إذا رأى رجلًا فيه عيب أراه أن ذلك العيب فيه يتقرب إليه بذلك. وهذا يتفق كثيرًا للناس؛ ومنه أن الرجل العالم بالكلام والإعراب إذا جالس العامة لم يعرب في كلامه مخافة أن ينكروا عليه ذلك, وهو مثل قد سار في العامة: «إن زربت أرضاً إهلها كلهم عور فغمض عينك الواحدة».

وقوله:

وكلمة في طريقٍ خفت أعربهافيهتدى لي فلم أقدر على اللحن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقال: كلمة وكلمة؛ إلا أن فتح الكاف وكسر اللام هي اللغة الفصيحة. ويقال: كلمة بكسر الكاف وسكون اللام وهو مجانس لقولهم: كتف في: كتفٍ, وكبد في: كبدٍ. وأراد: خفت أن أعربها فحذف أن, وقد أكثر من ذلك في ديوانه.

ووصف الشاعر نفسه بالفصاحة, وزعم أنه لا يقدر أن ينقل طبعه عن الإصابة, وأنه ربما احتاج إلى إخفاء نفسه بترك الإعراب في كلامه فلم يقدر على ذلك.

واللحن الذي هو خطأ في الإعراب: المعروف فيه سكون الحاء, واللحن بفتحها: الفطنة. والكوفيون يرون أن الحرف الثلاثي إذا كان ساكن الأوسط, وهو مع سكونه حرف من حروف الحلق؛ جاز فيه السكون والفتح, ويجعلون ذلك مطرداً.

والبصريون يردونه إلى السماع.

وقوله:

كم مخلصٍ وعلاً في خوض مهلكةًوقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: كم خلاصٍ كان سببه خوض مهلكةٍ. إذا فتحت الميم فهي اسم لموضع الهلاك؛ فإذا ضمت الميم فهي الهلك بعينه. يقول: إن الإنسان إذا صبر على الشدائد جاز أن يصل إلى ما يؤثر وهو محمود, والجبان طال ما قتل وذم فجمع له جنسان من الشر: قتله وذمه.

وقوله:

لا يعجبن مضيماً حسن بزتهوهل يروق دفيناً جودة الكفن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

المضم الذي يقع به الضيم وهو الظلم والإذلال. يقول: لا يعجبن من هو ذليل حسن بزته - والبزة يراد بها ما يلبس من الثياب - فهو مثل الميت الذي دفن, والميت لا يروقه؛ أي لا يعجبه؛ حسن الكفن.

وقوله:

مدحت قوماً وإن عشنا نظمت لهمقصائداً من إناث الخيل والحصن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أظهر الندم على مدح رجالٍ, وزعم أنه إن عاش نظم لهم قصائد من الخيل؛ أي إنه يجمعها كما يجمع القصائد من الكلام. والحصن: جمع حصانٍ وهو الذكر من الخيل.

وقوله:

تحت العجاج قوافيها مضمرةًإذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

لما شبه الخيل بالقصائد أتبع ذلك بما يشبهه من الكلام فجعل لها قوافي, والهاء والألف في قوافيها ترجع إلى القصائد. وزعم أنهن إذا تنوشدن لم يدخلن في أذنٍ؛ فكأنه ألغز تناشد الضالة عن تناشد الشعر. يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها, وأنشدتها إذا عرفتها. وقولهم: أنشدت الشعر مأخوذ من قولهم: أنشدت الضالة؛ لأن المنشد له يعزوه إلى قائلة, فكأنه الضالة يردها عليه. يقال: نشد الراعي الناقة نشيداً, وأنشد الرجل الشعر نشيدًا أيضًا.

قال الشاعر:

وأنا نعم أحلاس القوافيإذا استعر التنافر والنشيد

وقال بعد يغوث الحارثي:

نشيد الرعاء المصدرين المتاليا

يقول: هذه الخيل ليست كالقصائد إذا تنوشدت تدخل في الآذان.

وقوله:

فلا أحارب مدفوعاً على حذرٍولا أصالح مغروراً على دخن

يقول: لا أمتنع من عدوي بحذارٍ, ولا أصالح, وفي قلبي حقد. والدخن ما يجده الرجل في قلبه من العداوة. وفي الحديث المأثور: «هدنة على دخنٍ وجماعة على أقذاء». وأصل الدخن تغير اللون, وأن يكون يضرب إلى لون الدخان, وإنما يعني تغير القلب بالعداوة.

وقوله:

مخيم الجمع بالبيداء يصهرهحر الهواجر في صم عن الفتن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

المخيم: المقيم, وأصل ذلك من نصب الخيام. ويجوز نصب مخيمٍ ورفعه؛ الرفع على إضمار المبتدأ والنصب على الحال. ويصهره؛ أي يذيبه, والصهارة ما أذيب من الشحم. قال الراجز:

لا تعدمن ضيفنا والحارهمن القدير ومن الصهاره

ويقال: فتنة صماء إذا وصفت بالشدة.

وقوله:

ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهمعلى الخصيبي عند الفرض والسنن
فهن في الحجر منه كلما عرضتله اليتامة بدا بالمجد والمنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: اعتمد الكرام الذين ذهبوا في حفظ المكارم على الخصيبي؛ فجعلوا أمرها إليه فهن في حجره يكفلهن كما يكفل أيتام الناس, وإذا عرضت اليتامى له ليحسن إليه بدأ بالمجد والمنن. خفف همزة بدأ للضرورة.

يقول: هذا الحاكم يرى المكارم عنده كالأيتام فيبدأ بالإحسان إليها قبل إحسانه إلى بني آدم.

وقوله:

غض الشباب بعيد فجر ليلتهمجانب العين للفحشاء والوسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يريد أنه شاب وهو مع ذلك ناسك يبعد فجر ليلته لأنه يتهجد ويقوم للصلاة فيطول عليه الليل؛ لأن الراقد لا يحس بأن الليل طويل.

وقوله:

شرابه النشح لا للري يطلبهوطعمه لقوام الجسم لا السمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

النشح أن يشرب الإنسان دون الري. قال ذو الرمة:

وقد نشحن فلا ري ولا هيم

وصفه بقلة الشرب والطعام؛ لأن العرب تذم ملء البطن من المأكول. قال عروة بن الورد:

أقسم جسمي في جسومٍ كثيرةٍوأحسو قراح الماء والماء بارد
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»

يعني أنه يقتنع بالشيء القليل ويقسم قوته بين من هو أحود إليه منه؛ ولو أكله لزاد في جسمه ولكنه يفرقه؛ وكأنه يجعل ما نقص من لحم جسم نفسه زيادةً في جسوم المحتاجين.

وقال أبو خراش الهذلي:

أرد شجاع البطن قد تعلمينهوأوثر غير من عيالك بالطعم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وأغتبق الماء القراح فأنتهيإذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وقوله:

القائل الصدق فيه ما يضر بهوالواحد الحالتين السر والعلن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: هذا الرجل يقول الصدق وإن كان مضرًا به, لا يمنعه خوف الضرر من قول الحق, وسره كعلنه, وذلك نهاية في وصف الإنسان؛ ونحو من ذلك قول القائل:

رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ماله حالي أسر كما جهر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

أي إنه أسر الإحسان إلي وأظهره لي.

وقوله:

الفاصل الحكم عي الأولون بهومظهر الحق للساهلي على الذهن
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عي الأولون أي عيوا؛ يقال: عيي الرجل بيائين, وعي على الادغام. يقول: هذا الحاكم يهتدي من فصل الأحكام إلى ما عجز عنه الأولون, والساهي: الذي به غفلة لا يدري كيف يناظر خصمه. والذهن: الفطن الجيد اللب.

وقوله:

أفعاله نسب لو لم يقل معهاجدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: أفعاله نسب تدل على أن أصله كريم فلو لم ينتسب إلى الخصيب لعلمنا أنه ولده؛ كما أنا إذا رأينا الغصن من الشجرة أخبرنا ذلك عن عرقها الذي هو متوارٍ في الأرض.

وقوله:

العارض الهتن ابن العارض الهتنابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقال: هتن الغيم وهتل إذا جاء بالمطر, والعارض: السحاب الذي يعرض, وفي الكتاب

العزيز: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾, وبعض الناس يعيب هذا البيت على أبي الطيب فينبغي أن يقال له ما قال أبو عبادة:

إذا محاسني اللاتي أدل بهاكانت ذنوبي فقولي كيف أعتذر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

وهذا البيت قلما يوجد مثله لأنه وصف الممدوح بوصفين, ثم وصف ثلاثةً من آبائه بمثل ما وصفه به؛ وقلما يتفق مثل هذا النظام؛ وهو يشابه قوله:

وحمدان حمدون وحمدون حارثوحارث لقمان ولقمان راشد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وقوله:

قد صيرت أول الدنيا وآخرهاآباؤه من مغار العلم في قرن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: آباؤه قد أغارت حبلًا في العلم قرنت به أول الدنيا وآخرها فجعلها معلومة الأمور. والقرن: الحبل الذي يقرن به البعير إلى غيره, وكل ما قرن به شيئان فهو قرن. قال الشاعر:

فلو عند غسان السليطي عرسترغا قرن منها وكاس عقير
للشاعر الأعور النبهاني، اقرأ القصيدة

يعني بالقرن: البعير المقرون بالحبل. وقال جرير:

وقطعوا من حبال الوصل أقرانا

أي حبالًا كثيرةً.

وقوله:

كأنهم ولدوا من قبل أن ولدواوكان فهمهم أيام لم يكن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: كأن هؤلاء القوم علموا بالأشياء فكأنهم داروا في الدهر الأقدم قبل أن تولد شخوصهم, وكأن علمهم كان قبل كونه. وكان ها هنا في معنى حدث تكتفي باسمٍ واحد.

وقوله:

الخاطرين على أعدائهم أبداًمن المحامد في أوقى من الجنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الجنن: جمع جنة, وهي ما تتقى به الحرب من درعٍ وغيرها. والخاطرين: جمع خاطرٍ من قولهم: خطر الرجل في مشيته إذا ظهر فيها بعض الاختيال؛ وذلك مما يحمل الصديق على أن يتكلم في الإنسان. وهؤلاء القوم يمرون بأعدائهم وهم خاطرون؛ فلا يقدر عدو أن يعيبهم بكلمةٍ؛ فالمحامد لهم أوقى من الدروع والترسة وغيرها من العدد.

وقوله:

للناظرين إلى إقباله فرحيزيل ما بجباه القوم من غضن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: هذا الممدوح يفرح الناظرون إلى إقباله حتى تنبسط أبشارهم فيزول ما بجباههم من الغضن, وهو تكسر في الجلد. والإقبال ها هنا يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون من أقبل شخص الرجل ضد أدبر.

و: من أقبل إذا أريد به إقبال السعود.

وقوله:

كأن مال ابن عبدالله مغترفمن راحتيه بأرض الروم واليمن

يقول: مال هذا الرجل مفرق على الناس فكأن البعيد منه قريب؛ فأهل اليمن ومن بأرض الروم كأنهم يغترفون ماله من راحتيه.

وقوله:

لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍولا من البحر غير الريح والسفن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

المزن: جمع مزنةٍ, وهو من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء, كقولك: برة وبر, ويقال: إن المزنة السحابة البيضاء, وربما قالوا: المزنة السحاب مرسلًا. ومن قال: المزن فسكن الزاي جاز له أن يضم الزاي كما يقال: شغل وشغل؛ لأن هذا الجمع يجري مجرى الواحد؛ فيجوز أن يقال في الجمع: مزن, مثل: ظلمة وظلم, ويقال للهلال: ابن مزنةٍ. قال ابن قميئة:

كأن ابن مزنته ماثلًافسيط لدى الأفق من خنصر

واللثق: ما يحدث عن المطر من طينٍ ليس بكثيرٍ. وقيل: لا يكون اللثق إلا مع سكون ريح. زعم أن الممدوح لا يفتقد معه من الغيث إلا لثقه, ولا من البحر إلا ريحه وسفنه.

وقوله:

ولا من الليث إلا قبح منظرهومن سواه سوى ما ليس بالحسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

جمع في هذا البيت كل الأشياء المستحسنة, وادعى أنه لا يفتقد مع هذا الممدوح شيئًا يستحسن من جميع الأشياء.

وقوله:

منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلتحتى كأن ذوي الأوتار في هدن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الاحتباء: مصدر احتبى الرجل إذا شد حبوته, وقد مر ذكرها. يقول: منذ أقمت بأنطاكية اعتدلت؛ أي تعادل أمرها وتساوى في الخير؛ حتى كأن ذوي الأوتار - أي الحقود - في هدنٍ: جمع هدنةٍ وهي الموادعة والسكون.

وقوله:

ومذ مررت على أطوادها قرعتمن السجود فلا نبت على القنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الأطواد: الجبال, وجبل أنطاكية يقال له: الأقرع. ادعى الشاعر أن هذا الرجل مذ مر بأجبال هذا البلد قرعت من السجود لله سبحانه؛ لأنها استعظمت ما شاهدته, فليس في رؤوسها نبت. والقنن: جمع قنةٍ وهو أعلى الجبل. قال الراجز:

إن لنا لكنهسمعنه نظرنه
كالريح حول القنهإلا تره تظنه

وقوله:

أخلت مواهبك الأسواق من صنعٍأغنى نداك عن الأعمال والمهن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الصنع: كل من يباشر صناعةً كالحديد والصياغة وجميع الأشياء. فادعى الشاعر أن مواهب الممدوح قد أغنت الصناع عن الصنائع وأن يخدم بعض الناس بعضاً. والمهن: جمع مهنةٍ وهي الخدمة, وقال بعض أهل العلم: المهنة بفتح الميم أفصح, وأما المهن فجمع مهنةٍ بكسر الميم.

وقوله:

فمر وأوم تطع قدست من جبلٍتبارك الله مجري الروح في حضن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

مر: أمر من أمر يأمر, وهو أحد الحروف التي جاءت شاذةً لأن الأصل أن يقال: أومر؛ فاستثقلوا ذلك فحذفوا الهمزة الأصلية والزائدة, وردوها مع الواو والفاء؛ فقالوا: قل وأمر بما شئت, وفي الكتاب العزيز: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾, وقالوا: خذ وكل فلم يردوا الهمزتين إذا اتصل بهما كلام.

وقدست من جبل: أصل القدس الطهارة, وهذا اللفظ يحتمل أن يكون دعاءً زخبراً, ومذهب الشاعر أن يجعله إخباراً لأن الدعاء بالشيء إنما يكون قبل كونه, والإخبار يكون مع الوقوع والحضور. فقوله: قدست من جبلٍ إنما هو في معنى: قد كان ذلك. وإذا دخلت «قد» في الكلام الذي يحتمل أن يكون دعاءً وخبراً صيرته للخبر لا غير.

وحضن: اسم جبل بنجد. ومن أمثالهم: «أنجد من رأى حضناً»؛ أي: من رأى هذا الجبل فقد حصل بنجدٍ, ويقال ذلك للرجل الذي قد بلغ حاجته, وإن كان ليس في بلاد نجد ولا قريباً من حضن. وقافيتها من المتراكب.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.