من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: قالوا ألم تكنه فقلت لهم: ... ذلك
قالوا ألم تكنه فقلت لهم:ذلك عي إذا وصفناه
الوزن مثل الوزن الذي قبلها, وكذلك قافيتها.
قد جرت العادة بأن حرف الاستفهام إذا دخل على حرف النفي صار المستفهم كالمخبر المقرر, يقول القائل: لم أعطك درهماً فيكون نافياً للإعطاء, فإذا قال: ألم أعطك درهماً؟ فالمعنى قد أعطيتك, ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم:
إليكم يا بني بكرٍ إليكمألما تعلموا منا اليقينا
أي قد علمتم منا ذلك. وفي الكتاب العزيز: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾؛ أي قد شرحناه, وكذلك قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى﴾ أي قد وجدك, ومثل هذا في القرآن كثير. وقلما يجيئون بهذه الهمزة مع حرف النفي وهم يريدون استخباراً خالصاً. وقد ذهب بعض الناس في قول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداوبت كما بات السليم مسهدا
إلى أنه استفهام محض. وقد اختلفوا في الآية وهو قوله تعالى: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾؛ فقيل المعنى معنى الاستفهام الذي لا تقرير فيه, كما قالت امرأة من العرب:
أما في بني حصنٍ من ابن كريمةٍمن القوم طلاب التراث غشمشم
فهذه مستفهمة لم يستقر عندها أن في القوم من يفعل بها ما يريد. وقيل إن قوله [تعالى]: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾؛ أي قد كان بعث إليكم نبي. وقيل: إنه يعني نفسه, فإذا حمل على هذا الوجه فالكلام على معنى التقرير. وقوله: ألم تكنه؟ ! يقال كنوت الرجل وكنيته, وينشد:
وإني لأكنو عن قذور بغيرهاوأعلن أحياناً بها فأصارح
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع