من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
السيفيات (٣)
الثكل: فقد المحبوب! يخاطب الولد على لسان سيف الدولة فيقول: كأنك أبصرت قبل موتك ما بي الآن من الحزن عليك، فرأيته أشد من الموت! وخفت أنك إن عشت تبتلى بثكل ولد كما ابتليت أنا بثكلك! ويصيبك من ألم الحزن مثل ما أصابني، فاخترت الموت على الثكل.
تركت خدود الغانيات وفوقهادموعٌ تذيب الحسن في الأعين النّجل
يقول: تركت النساء الغانيات يبكين عليك، حتى قرحت أجفانهن وذهب حسن عيونهن، وإنما اختار لفظ الإذابة، لأن حسن العيون لما كان كأنه يذهب بالبكاء على تدرج الأيام، ولم يذهب دفعة واحدة كان لفظ الإذابة أبلغ من قوله تزيل الحسن أو تذهب الحسن.
وقيل: إنما قال تذيب؛ لأن الذوب في معنى السيلان، والدمع سائل، فكما أن الحسن سال مع الكحل، فيزول حسن الكحل ويبقى حسن الكحل، وكأن الحسن قد ذاب ونقص.
تبلّ الثّرى سوداً من المسك وحدهوقد قطرت حمراً على الشّعر الجثل
تبل أي من الدموع. والشعر الجثل: الكثير المجتمع. والهاء في وحده يرجع إلى المسك.
معناه: أن دموعهن كانت تقطر من أجفانهن حمراً؛ لامتزاجها بالدم، فإذا سقطت على شعورهن الكثيرة المنتشرة، لأجل المصيبة، المسترسلة على خدودهن، خالطها ما في شعورهن من المسك، فاسودت، فوصلت إلى الترب سوداء من المسك.
وقوله: من المسك وحده فيه وجوه.
قيل: معناه أن سواد دموعهن ليس لأجل الكحل، لأنهن مستغنيات عن التكحل بالكحل، فليس ذلك السواد إلا لأجل المسك فقط.
والثاني: أنهن يستعملن الكحل لأجل المصيبة، فاسودت دموعهن بالمسك الذي استعملته قبل المصيبة وكان قد بقيت رائحتها وأجزاؤها على شعورهن.
والثالث: أنه إشارة إلى أنهن من بنات الملوك، فلم يستعملن من الطيب إلا المسك الخالص، دون ما يخلط به من أنواع الطيب.
فإن تك في قبر فإنّك في الحشاوإن تك طفلاً فالأسى ليس بالطّفل
يقول: إن مت، ودفنت في القبر، فقلوبنا معمورة بذكرك، وأحشاؤنا محترقة بحزنك! فكأنك حال في قلوبنا، وإن كنت طفلا، فإن حزننا عظيم عليك!
ومثلك لا يبكي على قدر سنّهولكن على قدر المخيلة والأصل
المخيلة: الفراسة، وقيل: العلامة، وأصله في السحاب الذي يطمع منه المطر.
يقول: ليس نبكي عليك على مقدار سنك، ولكن على مقدار أصلك، وكرم منصبك وعلى ما يتفرس منك من الخصال الحميدة، وما كنا نتوقعه منك من الملك.
ألست من القوم الألى من رماحهمنداهم ومن قتلاهم مهجة البخل؟
ألست: استفهام، ومعناه التقرير. والألى: بمعنى الذين. وروى: من القوم الذي. ورده إلى لفظ القوم. وقيل: أراد الذين، فحذف النون.
قيل: في هذا البيت معنيان: أحدهما: ما قال ابن جني ومعناه: ألست من القوم الذين يقتلون البخل بنداهم؟ فكأن نداهم من جملة رماحهم، يطعنون به في مهجة البخل. وعلى هذا روى من رماحهم نداهم.
والثاني: أن سخاءهم؛ لأنهم يغيرون برماحهم على أعدائهم، ويغنمون أموالهم ويهبون منها المواهب. ثم استأنف معنى وقال: البخل من جملة قتلاهم. يعني: أنهم يهبون المواهب العظيمة حتى يكون البخلاء أسخياء، فلا يكون في الدنيا بخيل ولا بخيلة.
بمولودهم صمت اللّسان كغيرهولكنّ في أعطافه منطق الفضل
روى: منطق الفضل، والفصل. بالضاد والصاد: وهو الكلام الفاصل بين الحق والباطل.
يقول: مولودهم لا يتكلم في المهد، كسائر الأطفال، ولكن دلائل الفضل ناطقة من أعطافه! ومخايل النجابة موجودة في شمائله، فكأنها مقام النطق.
تسلّيهم علياؤهم عن مصابهمويشغلهم كسب الثّناء عن الشّغل
يقول: إذا أصابتهم مصيبة فإن علياءهم وسلامتها، تسليهم عن المصيبة، ويشغلهم اكتساب الثناء عن كل شغل سواه.
أقلّ بلاءً بالرّزايا من القناوأقدم بين الجحفلين من النّبل
أقل بلاء: أي أقل مبالاة، وأقدم: من قدم يقدم إذا سبق، وفي القرآن: يقدم قومه وإن كان من أقدم فعلى حذف الزوايد.
يقول: إنهم أقل مبالاة بالمصائب من الرماح التي لا يتصور فيها المبالاة، ولا تخشى من الكسر، وإنهم أشد تقدما بين الجيشين من السهام التي هي أسبق الأسلحة.
عزاءك سيف الدّولة المقتدى بهفإنّك نصلٌ والشّدائد للنّصل
عزاءك: نصب على الإغراء أي الزم عزاءك، والمقتدى به: نعت لسيف الدولة يعني يا سيف الدولة الذي يقتدى به. وقيل: نعت للعزاء المقتدى به.
يقول: أنت قدوة لنا في صبر أو جزع، فالزم صبرك، فإن سيف الدولة من شأنه ملاقاة الشدائد، وقلة المبالاة بالضرب والثلم، وترك الجزع عند لقاء الكرائه.
مقيمٌ من الهيجاء في كلّ منزلٍكأنّك من كلّ الصّوارم في أهل
المقيم: ضد المسافر.
يقول: إنك مقيم في حروب، في كل منزل، فكل حرب كأنها منزلك! وكأنها عشائرك وأهلك؛ لأنك سيف والسيوف منازلها الحروب، وعشائرها السيوف، فأنت أبداً في دارك، وبين قومك. وقيل: معناه أنك من قلة مبالاتك بالحروب كأنها منزلك، وكأن السيوف أهلك، حيث تسكن إليها سكون الرجل إلى أهله؛ لأنها تحيد عنك ولا تعمل فيك بل تعمل في أعدائك.
ولم أر أعصى منك للحزن عبرةًوأثبت عقلاً والقلوب بلا عقل
يقول: ما رأيت إنساناً أصبر على المصائب منك! وأعصى عند الحزن عبرة منك، ولا أثبت عقلا عند شدة؛ لأنه أبداً ثابت لا يعتريه الطيش والخفة.
تخون المنايا عهده في سليلهوتنصره بين الفوارس والرّجل
السليل: الولد.
يقول: إن المنية عاهدته على أن تنصره في الحروب، ثم تخون عهده في ولده، فكيف تجمع بين الإحسان والإساءة؟! لولا تقلب أحواله!!
ويبقى على مرّ الحوادث صبرهويبدو كما يبدو الفرند على الصّقل
الفرند: ماء السيف، وجوهره.
يقول: إن الحوادث تظهر صبره، وكرم أصله، كما يظهر الصقل جوهر السيف ورونقه.
ومن كان ذا نفسٍ كنفسك حرةٍففيه لها مغنٍ وفيها له مسلى
حرة: صفة لنفس، والتذكير: لمن والتأنيث: للنفس.
يقول: من كانت له نفس حرة مثل نفسك، ففيه ما يغنى نفسه عن تعزية غيره عليه، وعن كل شيء، وفي نفسه ما يسليه عما يجده من الهموم والمصائب.
وما الموت إلا سارقٌ دقّ شخصهيصول بلا كفٍ ويسعى بلا رجل
يقول: لا عيب لك، فالموت. كالسارق الذي دق شخصه دقة، ليس له يد ولا رجل، ولو كان أراد أن يجاهرك وظهر شخصه لم يقدر على غضبك، وقيل: معناه أن السارق يستحق القطع، والموت ليس له محل القطع من اليد والرجل.
يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنهويسلمه عند الولادة للنّمل
أبو الشبل: الأسد، والشبل ولده. ويقال: إن ولد الأسد يجتمع عليه النمل - ما لم ينبت عليه الشعر - فيقتله، ولهذا لا تلد الأسدة إلا في ثجة؛ هرباً من ذلك.
فيقول: مثلك ومثل الموت، كمثل الأسد والنمل، فإنه يدفع الجيش عن ولده، ولا يقدر أن يمنعه من النمل، وليس ذلك لعجز الأسد، ولكن لقلة قدر النمل ودقة شخصه، وكذلك أنت، لو ظهر لك الموت لمنعته، ولكنه يأتي من حيث لا يراه أحد، ولا يدل ذلك على عدم شجاعتك.
بنفسي وليدٌ عاد من بعد حملهإلى بطن أم لا تطرّق بالحمل
طرقت المرأة بالولد: إذا نشب فيها، ثم يتسع فيقال: طرقت: أي ولدت.
يقول: نفسي فداء لهذا المولود الذي انفصل عن بطن أمه إلى بطن أم ليست كالأمهات في الولادة، أي أنا ليست بأم على الحقيقة. وقيل: معناه عاد إلى بطن أم لا تلد أبداً، يعني أنه لا يخرج منها، فكأنه يقول: لقصر أيامه كأنه انتقل من بطن أمه إلى القبر.
بدا وله وعد السّحابة بالرّوىوصدّ وفينا غلّة البلد المحل
الروى بالفتحة على المصدر من روى يروي روى، وبالكسر هو الماء الكثير.
يقول: كانت مخايله تعدنا بجوده وأفضاله، كما تعدنا السحابة بالغيث، فمضى عنا وخيب آمالنا. شبهه بسحابة نشأت على بلد خرب ثم أقلعت! من غير شيء.
وقد مدّت الخيل العتاق عيونهاإلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل
يقول: كانت الخيل تنتظر كبره، لتتشرف بركوبه إياها، وبتنقله رجله إلى الركاب.
وريع له جيش العدوّ وما مشىوجاشت له الحرب الضّروس وما تغلى
ريع: أفزع. وروى: جاش العدو: أي قلبه، وجيش العدو، وجاش: أي هاج وارتفع. والضروس: الشديد.
يقول: إن أعداء أبيه خافوا منه وهو بعد في المهد لم يمش! وهاجت له الحروب الشديدة وارتفعت قبل غليانها، وروى وما يقلى من قليت بالقلة أقلى بها، وقلوت أقلو يعني أنهم خافوه قبل أن يبلغ إلى أن يقلى بالقلة.
أيفطمه التّوراب قبل فطامهويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
التوراب: لغة في التراب. قال الأصمعي: التراب والتوراب، والتيرب والتورب، والترباء كل ذلك بمعنى.
يقول: فطمه التراب قبل أوان فطامه! وأكله التراب قبل وقت أكله! يقول ذلك على معنى الإنكار والتأسف.
وقبل يرى من جوده ما رأيتهويسمع فيه ما سمع من العذل
قبل: مضاف إلى يرى. وإنما جاز إضافة الظرف إلى الفعل لقلة تمكنها. وفي القرآن: " يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُل "، " يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ". وقيل: إن فيه إضمار أن وتقديره: وقبل أن يرى. فيكون في معنى المصدر: أي وقبل رؤيته، فتجرى الإضافة على بابها. فعلى هذا يجوز. في يسمع الرفع، والنصب.
يقول: كيف جآءت قبل أن يرى من جوده ما رأيته من جودك؟! من قصد العفاة، وعذل العذال، فيه ما رأيت وسمعت.
ويلقى كما تلقى من السلم والوغىويمسى كما تمسى مليكاً بلا مثل
معناه: أكله التراب قبل أن يلقى من الصلح والوغى مثل ما نلقى، وكذلك قبل أن يسمى مليكاً بلا مثل، كما أنت تسمى كذلك الآن.
تولّيه أوساط البلاد رماحهوتمنعه أطرافهنّ من العزل
فاعل توليه: رماحه، ومفعوله الأول الهاء من توليه، والثاني أوساط البلاد.
يقول: مات قبل أن توليه أطراف الرماح أوساط البلاد والممالك، وتمنعه أطراف الرماح من العزل. طابق بين أوساط البلاد، وأطراف الرماح، وبين الولاية، والعزل.
نبكّى لموتانا على غر رغبةٍتفوت من الدّنيا ولا موهبٍ جزل
يقول: نبكي على من مات منا، ولم يفته من هذه الدنيا حظ له خطر يوجب الأسف على مفارقته.
إذا ما تأمّلت الزّمان وصرفهتيقّنت أنّ الموت ضربٌ من القتل
يقول: إذا تأملت أحوال الزمان، رأيت أنه عدو للإنسان، فلذا يحاربه، فإذا مات الإنسان فكأن الزمان قتله وظفر به.
وقيل: معناه أن الموت كله قتل! وأسبابه مختلفة، فلاختلاف الأسباب اختلفت تسميته، فبعضه يسمى قتلاً، وبعضه موتاً: وهو ما كان على الفراش.
هل الولد المحبوب إلاّ تعلّةوهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل؟
التعلة: ما يعلل به الإنسان.
يقول: السرور بالولد ليس شيئاً يدوم، وإنما هو شيء يعلل به المرء نفسه ثم ينقطع! فإن الخلة بالمرأة الحسناء ليس إلا أذى البعل، من حيث يؤدي إلى أذى شديد؛ لأن غم موت الولد أكثر من السرور بهذه اللذة، فسمى تلك الخلوة بأسرها أذى لما يؤدي إليها.
وقيل: معناه أن الذى فيها أكثر من حيث المؤن والكلف والغيرة عليها، والاشتغال بذلك يمنع من اكتساب المجد والأجر، فإذا كان هاتان اللذتان لا حقيقة لهما، فما سواهما أولى بذلك.
وقد ذقت حلواء البنين على الصّبافلا تحسبنّي قلت ما قلت عن جهل
الحلواء: الحلاوة.
يقول: قد ولدت في حداثة سني، وجربت حلاوة الأولاد فلا تظنن أني قلت ذلك عن جهل.
وما تسع الأزمان علمي بأمرهاوما تحسن الأيّام تكتب ما أملي
يقول: علمي بالدهر أكثر من أحواله، فأزمانه لا تسع علمي بما أعلمه منه، ولو أمليت ما أعلم من أحوالها لم تحسن أن تكتبه.
وما الدّهر أهلٌ أن يؤمّل عندهحياةٌ وأن يشتاق فيه إلى النّسل
يقول: الدهر ليس بأهل أن يؤمل عنده حياة؛ لقلة وفائه! وليس بأهل أن يشتاق فيه إلى الولد.
وقال يمدحه ارتجالا، وقد سئل عن وصف فرس يهديه إليه.
موقع الخيل من نداك طفيفولو أنّ الجياد فيها ألوف
الطفيف: اليسير الحقير.
يقول: الخيل عند جودك لا قدر لها، ولو وهبت منها ألوفا لاستقللتها، ولم تعتد بها.
ومن اللفظ لقطةٌ تجمع الوصف وذاك المطهّم المعروف
الفرس المطهم: هو الحسن التام الخلق، الذي كل عضو منه حسن على انفراده.
يقول: من الألفاظ لفظ يجمع جميع الأوصاف، وهو المطهم المعروف. أتى بوصفه على وجه الإجمال، فجمع الوصف في أقل الألفاظ وأوجزها، ولم يذكر الوصف على سبيل التفصيل.
ما لنا في النّدى عليك اختيارٌكلّ ما يمنح الشّريف شريف
يقول: ما لنا في الندى اختيار: أي ليس الاختيار في ذلك إلينا فأنت كريم، وكل ما تمنحه شريف مثلك.
وقال يمدحه وقد خيره بين فرسين: دهماء وكميت:
اخترت دهماء تين يا مطرومن له في الفضائل الخير
دهماء: مضاف إلى تين أي: دهماء هاتين.
يقول: اخترت الدهماء من هاتين الفرسين، وسماه مطرا على المبالغة في الجود. أي يا من له في الفضائل الاختيار. والخير: جمع خيرة.
وربّما فالت العيون وقديصدق فيها ويكذب النّظر
فالت: أي أخطأت وضعفت، والهاء في فيها للدهماء المختار، أو لجملة الخيل.
يقول: أنا اخترت منها هذه الدهماء؛ لأنها أحسن في عيني، وربما لم تكن كذلك بل غيرها خير منها؛ فإن العين ربما كذبت في النظر، وربما صدقت، وقد قلت ما رأيت.
أنت الّذي لو يعاب في ملإٍما عيب إلاّ بأنّه بشر
الملأ: جماعة الأشراف، والسادة.
يقول: لو عابك عائب فيما بين الملأ، لم يجد لك عيباً إلا كونك من البشر، ومعناه لا عيب فيك؛ لأن هذا ليس بعيب.
وأنّ إعطاءه الصّوارم والخيل وسمر الرّماح والعكر
العكر: جمع عكرة: وهي ما بين الخمسين إلى المئة من الإبل.
يقول: لو عابك عائب ما وجد فيك عيبا! إلا كونك من البشر، وأنك تعطى السيوف، والخيل، والرماح، والإبل الكثيرة. وهذا ليس مما يعاب. ومثله قول الآخر:
ولا عيب في أخلاقه غير أنّهجوادٌ فما يبقى من المال باقيا
فاضح أعدائه كأنّهمله يقلّون كلّما كثروا
يقول: يفضح أعداءه بالقهر، وإظهار عجزهم، وكلما اجتمعوا عليه كان على كسرهم أقدر، فكأنهم عند كثرتهم يقلون له، وكأن كثرتهم سبب قلتهم.
وقيل: معناه أنهم كلما كثروا وازدادوا فضلاً، إذا قيسوا به صاروا إلى الإضافة إليه في حد القلة، وصار فاضحاً لهم.
أعاذك الله من سهامهمومخطئٌ من رميّه القمر
وقال يشكره وقد أمر سيف الدولة بإنفاد خلع إليه:
فعلت بنا فعل السّماء بأرضهخلع الأمير وحقّه لم نقضه
الهاء في أرضه للسماء، ذكره لأنه أراد السقف، وقيل: أراد به المطر.
وقيل: إنه كناية الأمير، فأضمره قبل الذكر، كقوله تعالى: " فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَار ".
يقول: إن خلع الأمير قد زينتنا وكستنا بأنواع الوشى، كما يكسو المطر، الأرض، ويزينها بأنواع الأنوار، وألوان الأزهار، ونحن لم نقض حق الأمير من الخدمة، ولم أقدر على أن أمدحه بما يليق بأوصافه، لقصور المدائح عن أوصافه.
فكأنّ صحّة نسجها من لفظهوكأنّ حسن نقائها من عرضه
شبه صحة نسج هذه الخلع بصحة معاني الممدوح في لفظه، وشبه نقاءها من الدنس بعرضه. والعرض: يمدح به الرجل، أو يذم.
وإذا وكلت إلى كريمٍ رأيهفي الجود بان مذيقه من محضه
المذيق: المشوب. والمحض: الخالص.
يقول: إذا جعلت إلى كريم رأيه، وفوضته إليه، في الجود والكرم، ظهر لك الخالص من المشوب، والطبيعي من التكلفي.
وقال يمدح سيف الدولة:
لا الحلم جاد به ولا بمثالهلولا ادكار وداعه وزياله
الزيال: المزايلة: وهي المفارقة. وقيل: هو الزوال. يقال: زال زوالا وزيالاً. والكناية في به ومثاله ووداعه وزياله للخيال. وقيل: إن الكنايات ترجع إلى الحبيب. والمثال: مثال الحبيب.
يقول: إن النوم لم يسمح لي برؤية هذا الحبيب، ولا أهدي النوم إلي مثاله: أي خياله، لولا أني أطلت الفكرة بذكر وداعه ومفارقته، فرأيت في النوم ما كان هاجساً في خاطري، من ذكره وذكر وداعه.
فإن كان الضمير للكناية، فمعناه لولا تذكري لوداعه ليلاً ونهاراً، لكان النوم لا يسمح لي بهذا الخيال، لا مثال الخيال! يشبه قول الطائي:
زار الخيال لها بل أزاركهفكرٌ إذا نام فكر القوم لم ينم
ومثله لآخر:
وما زال حتّى سهّل الشّوق طرقهوقاد إليه ناظر العين مركبا
إنّ المعيد لنا المنام خيالهكانت إعادته خيال خياله
له معان: أحدها: أن ما أرانا المنام من خيال الحبيب - عوداً على بدء - ليس خياله، بل كان خيال خياله؛ لأن النوم أرانا أولا: خياله بعد الفراق؛ فأنبهنا، وفي نفوسنا طيب ذلك الخيال، فلما أردنا النوم ثانياً: كان خيال الخيال الذي أراناه قبل ذلك، فالأول خيال الحبيب والثاني خيال ذلك الخيال.
والثاني: أنا كنا تذكرناه بعد فراقه، وأدناه في عيوننا، فكأنه لم يغب عنا، فما رأيناه في النوم خيال ذلك الخيال الذي كنا نراه بالفكر والوهم.
والثالث: أن لقاء الحبيب صار خيالا لبعد العهد، وتطاول الأيام على هجره، فلما رأيته في المنام فكأني رأيت خيال خياله؛ لأن صورته كانت لنا كالخيال؛ لزوال الانتفاع، كما لا ينتفع بالخيال.
بتنا يناولنا المدام بكفّهمن ليس يخطر أن نراه بباله
الهاء في نراه وبباله لمن وهو الخيال.
يقول: رأيت في النوم كأني أشرب المدام من كف حبيب، ليس يخطر على باله أن نراه؛ لبعده عني وقلة تفكره في، وخلو قلبه عن ذكرى، فضلا من أن يسقيني المدام بكفه.
نجني الكواكب من قلائد جيدهوننال عين الشّمس من خلخاله
أراد بالكواكب: الدر الذي في العقود. وشبهه بالكواكب في الحسن والصفاء، وشبه الخلخال بعين الشمس؛ لما عليه من الحمرة والاستدارة.
وقيل: أراد بذلك بعد التناول، فكنت إذا أجلت يدي بين قلائده فكأني نلت الكواكب! وإذا لمست موضع خلخاله فكأني لمست عين الشمس؛ لتعذر الوصول.
بنتم عن العين القريحة فيكموسكنتم طيّ الفؤاد الواله
الهاء في الواله أصلية، وقد استعملها وصلا، وهو جائز. وقد جاء مثله في الشعر. الواله: المتحير الذاهب العقل.
يقول: بعدتم عن عيني القريحة بالبكاء عليكم، ونزلتم وسط القلب المتحير لفراقكم، فإن لم أركم بعيني رأيتكم بقلبي وخاطري.
فدنوتم ودنوّكم من عندهوسمحتم وسماحكم من ماله
الها في عنده وماله للفؤاد، كأن الدنو من قلبي؛ لأنه هو الذي أدناكم مني، وسمحتم علي بالوصال والزيارة، وكأن هذا السماح من مال قلبي؛ إذ لولا تفكره لما زرتموني، وذكر المال لما ذكر السماحة.
إنّي لأبغض طيف من أحببتهإذ كان يهجرنا زمان وصاله
يهجرنا: فعل الطيف، والهاء في وصاله لمن وهو الحبيب.
يقول: إني أبغض خيال حبيبي في النوم؛ لأني إنما أرى خياله أيام هجر الحبيب، فوصال الخيال إنما يكون عند بعد الحبيب؛ لأن الإنسان إنما يرى خيال المحبوب عند فراقه واشتغال قلبه بذكره.
مثل الصّبابة والكآبة والأسىفارقته فحدثن من ترحاله
يقول: إني أبغض طيف الحبيب؛ لأن رؤيته تكون بعد الفراق، كما أبغض هذه الأشياء؛ لأنها حدثت بعد فراقه، فالطيف لما كانت رؤيته بعد فراق الحبيب كانت هذه الأمور. والصبابة: الشوق، والكآبة: الحزن والاستكانة والأسى: الحزن أيضاً.
وقد استقدت من الهوى وأذقتهمن عفّتي ما ذقت من بلباله
الهاء في بلباله للهوى.
يقول: لما حيرني وقتلني شوقه أخذت القود منه؛ من حيث أني لما ظفرت بمن أهواه، عففت عنه، فأذقت الهوى من مرارة الصبر عن الحبيب، مثل ما أذاقني من الشوق والحيرة.
ولقد ذخرت لكلّ أرضٍ ساعةًتستجفل الضّرغام عن أشباله
تستجفل الضرغام: تهربه وتستعجله في الهرب عن أشباله: أي أولاده.
يقول: خبأت لكل أرض ساعة صعبة من الحرب، بحيث تزعج الأسد وتستعجله عن أولاده، وتحوجه إلى الهرب خوفاً على نفسه، ولا يبالي بولده!.
تلقى الوجوه بها الوجوه وبينهاضربٌ يجول الموت في أجواله
الأجوال: جمع الجول، وهو مصدر جال يجول جولا وجولانا. وقيل: أجواله: نواحيه. والهاء في بها قيل: للساعة، وقيل للأرض. وفي بينها للوجوه وفي أجواله للضرب.
يقول: ذخرت لكل أرض ساعة تلتقي فيها الفرسان، ويضرب بعضهم وجوه بعض ضرباً، يدور الموت في نواحي هذا الضرب.
ولقد خبأت من الكلام سلافةًوسقيت من نادمت من جرياله
السلافة والسلاف: أرق الخمر وألطفها، وهو ما يجري من العصير قبل أن يعصر، وهو يضرب إلى الصفرة، والجريال: ما كان أحمر، وهو دون الأصفر. وقيل: الجريال: نفس الخمرة. وقيل: لونها.
يقول: خبأت لسيف الدولة أحسن الكلام وأبدعه، ومدحت غيره بما هو دونه، الذي لم أتعب فيه فكراً، ولم أبدع فيه معنى.
وإذا تعثّرت الجياد بسهلهبرّزت غير معثّرٍ بجباله
الهاء في قوله بجباله وسهله للكلام. وبرزت: أي سبقت.
يقول: إذا تعثر غيري من الخطباء في السهل من الكلام، برزت عليهم، ولم أتعثر في الصعب البعيد المرام. وجعل الكلام سهلا وجبلا مجازاً، وقيل: وصف في ذلك فروسيته. وشجاعته، وأن غيره لا يقاومه.
وحكمت في البلد العراء بناعجٍمعتاده مجتابه مغتاله
أي: تحكمت وصرت فيها كما اخترت والبلد العراء: الخالي الذي لا نبت فيه. والناعج: الخالص البياض من الإبل. وقيل: سريع السير، ومعتاده؛ أي قد تعود السير، والهاء: عائد إلى البلد، وكذلك فيما بعده، مجتابه: أي قاطعه بسيره، مغتاله: أي تغوله وتهلكه وتفنيه بسيره.
يمشي إذا عدت المطيّ وراءهويزيد وقت جمامها وكلاله
يمشي: فعل الناعج والهاء في وراءه وكلاله: للناعج. وفي جمامها للمطي. والجمام: الراحة. والكلال: الإعياء.
يقول: إذا مشى هذا الناعج كان مشيه مثل عدو المطي خلفه، ويكون أزيد من ذلك أيضاً، وذلك في وقت راحة المطي وكلال هذا الناعج، فكيف يكون سيره وقت الجمام؟!!
وتراع غير معقّلاتٍ حولهفيفوتها متجفّلاً بعقاله
وتراع: أي تخوف المطي. متجفلا: أي سريعاً.
يقول: إن هذا الناعج إذا كان معقولا بعقاله فإنه يسبق سائر المطي، وهن غير معقولات.
وفائدة قوله: وتراع. قيل: إن هذا الناعج يفزعها ويثيرها وهو معقول ويسبقها.
وقيل: أراد أنها تفزع وتخوف بقطع المفاوز، ولا يفزع هذا الناعج بل يسبقها إلى حيث يريد صاحبه.
وقيل: معناه أنها تفزع من شيء أفزعها، وهي غير معقوله، ويفرق هو معقولا، فإنه يسبقها في العدو.
فغدا النّجاح وراح في أخفافهوغدا المراح وراح في إرقاله
الإرقال: ضرب من السير السريع. وراح فعل النجاح. والمراح: النشاط وراح، الثاني فعل المراح.
يقول: إن النجاح غدا وراح في أخفاف هذا الناعج. أي أن من ركبه ظفر بما طلب وأدرك ما أراد، وكذلك النشاط غدا وراح في سيره: أي لا يلحقه كلال! فهو أبدا مرح نشيط. أي أنه مبارك حيثما توجه أدرك ما حوله، فنشط ومرح.
وشركت دولة هاشمٍ في سيفهاوشققت خيس الملك عن رئباله
الرئبال: الأسد. والخيس: الأجمة. والهاء في سيفها للدولة وفي رئباله للخيس أو للملك.
يقول: صرت شريكاً مع دولة هاشم في سيف الدولة: أي كان لي حظ فيه كما للدولة فيه حظ، وشققت أجمة الملك حتى وصلت إلى أسده، فجعله أسداً والملك خيساً له.
عن ذا الّذي حرم اللّيوث كمالهينسى الفريسة خوفه بجماله
عن ذا الذي الذي بدل عن المبدل. وينسى: يتعدى إلى مفعولين، فنصب الفريسة على أنه مفعوله الأول وخوفه المفعول الثاني.
يقول: شققت أجمة الملك عن أسد منع الليوث كما له: أي ليس لها كما له؛ لأنه يفضلها بخلائق كثيرة، وليس لليوث إلا الإقدام، وهذا فيه كل خصلة جميلة، ثم قال: إن هذا الأسد إذا افترس فريسة أنسى هذه الفريسة خوفه بجماله! أي أنها إذا رأت جماله يشغلها جماله عما يلحقها من الخوف عن افتراسه، والليوث تكون قبيحة المنظر.
وتواضع الأمراء حول سريرهوترى لمحبّة وهي من آكاله
الآكال: جمع أكل، وهو الذي يؤكل، وهي ضمير: الأمراء.
يقول: إن الأمراء يتواضعون حول سرير سيف الدولة ويظهرون المودة له، وهم من قتلاه وفرائسه. يعني أنهم يظهرون المودة خوفاً لا حباً. وقيل: هي ضمير المحبة أي أن الأمراء يحبونه حباً مفرطاً، فلفرط حبهم لا يلتمسون منه العطاء ويرون من جملة أرزاقه إياهم المحبة؛ لأنهم يرون محبته فخراً وذخراً.
ويميت قبل قتاله، ويبشّ قبل نواله، وينيل قبل سؤاله
وروى: ويعيش فيكون قد طابق بين: يعيش، ويميت. يعني أنه يقتل أعداءه بالخوف قبل القتال، ويظهر السرور بالعطاء، ويعطى قبل السؤال.
إنّ الرّياح إذا عمدن لناظرٍأغناه مقبلها عن استعجاله
عمدن: أي قصدن. والناظر: هو ناظر العين، وقيل: اسم الفاعل من نظر والهاء في أغناه واستعجاله للناظر وفي مقبلها للرياح.
يقول: إنه لا يحتاج في إعطائه إلى السؤال والاستعجال، كما أن الرياح إذا قصدت لناظر لا يحتاج الناظر في حال إقبالها إلى الاستعجال بل تصل إلى كل أحد وإن لم يستعجلها، فكذلك هو يعطى قبل السؤال.
أعطى ومنّ على الملوك بعفوهحتّى تساوى النّاس في إفضاله
يقول: نعمه قد عمت الناس كلهم، فأعطى العفاة من ماله، وعفا عن الملوك؛ بأن أسرهم ثم أطلقهم وعفا عنهم، أو ترك قتلهم والتعرض لهم، فكلهم تساووا في فضله.
وإذا غنوا بعطائه عن هزّهوالى فأغنى أن يقولوا: واله
والى: أي تابع، وواله: أمر منه. والهاء في منه للعطاء.
يقول: إذا استغنى الناس بعطائه عن تحريكه وسؤاله، تابع العطاء وأغنى في المتابعة عن الاستمداد والسؤال.
وكأنّما جدواه من إكثارهحسدٌ لسائله على إقلاله
الهاء في إكثاره للممدوح. وقيل: للجدوى. وذكر على معنى النوال، والعطاء، وفي إقلاله للسائل. والإقلال: الفقر. جعل جدواه حسداً، وجعل الممدوح حاسداً، والإقلال محسوداً عليه.
يقولك إذا رأى فقيراً أكثر له العطاء، فكأنه يحسده على إقلاله: أي فقره. فهو يحب إزالته، كما يحب الحاسد زوال نعمة المحسود.
غرب النّجوم فغرن دون همومهوطلعن حين طلعن دون مناله
غرب: أي غبن. والهموم: جمع الهم: الذي هو الهمة.
وقيل: أراد بهمومه مقاصده.
يقول: إن همم الممدوح فوق الكواكب، وهو قد نال ما هو أبعد منها، فتغيب الكواكب دون همته، وتطلع دون مناله، فهو أعلى منالاً منها في كل حال.
والله يسعد كلّ يومٍ جدّهويزيد من أعدائه في آله
يقول: إن الله تعالى يخصه كل يوم بسعادة، ويظفره بأعدائه، فينعم عليهم ويعفو عنهم، فيعودون أولياءه بعد أن كانوا أعداءه، وعلى هذا معناه: الخبر.
وقيل: إنه دعاء أن الله تعالى يوفقه للسعادة ويزيد الله من أعدائه في أوليائه.
لو لم تكن تجري على أسيافهمهجاتهم لجرت على إقباله
الهاء في إقباله لجده: أي على إقبال جده. وقيل: إنه راجع إلى الممدوح.
يقول: لو لم يقتل أعداءه بسيوفه، لقتلهم إقباله وسعادة جده، وبلغته الأقدار مراده.
فلمثله جمع العرمرم نفسهوبمثله انقصمت عرى أقتاله
العرمرم: الكثير. والأقتال: جمع القتل، وهو النظير في الحرب. ويقال أيضاً للعدو: قتل.
يقول: لمثل هذا الممدوح يجمع الجيش الكثير: يعني أن من كان مثله في الإقدام يفنى الجيش العظيم، ويفرق جمعه، ويقتل أبطاله.
وقيل: جمع العرمرم نفسه: معناه الفزع. يقال: جمع فلان نفسه: إذا فزع. يعني: أن العسكر العظيم من مثله يفزع، وبمثله يقتل.
لم يتركوا أثراً عليه من الوغىإلا دماءهم على سرباله
يقول: إن أعداءه في الحرب لم يقدروا له على شيء، سوى أنهم خصبوا ثوبه بدمائهم؛ من جرحه إياهم، وانتضاح دمائهم إليه.
يا أيّها القمر المباهى وجههلا تكذبنّ فلست من أشكاله
يقول للقمر: لا تكذبن. أي لا تغتر بما سولت نفسك من الكذب، ولا تباهى، ولا تفاخر وجهه في الحسن والبهاء، ولا تغتر بما حدثتك نفسك: بأنك مثله في الحسن والعلاء، فإنها كذبتك فسلت من أمثاله.
وإذا طما البحر المحيط فقل لهدع ذا فإنّك عاجزٌ عن حاله
وهب الّذي ورث الجدود وما رأىأفعالهم لابنٍ بلا أفعاله
يقول: وهب ما ورث عن آبائه من الأموال، لأنه لم ير ما بنوه من المجد وشيدوه من الفخر فخراً ما لم يفعل هو لنفسه فوق ما ورث لنفسه ما هو فخر له. كما قال بعضهم:
إنّا وإن أحسابنا كرمتلسنا على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
ومثله لابن الرومي.
وما الحسب الموروث لادر درهبمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا لم يكن وإن كان شعبهمن المثمرات اعتده الناس من خطب
حتى إذا فنى التراث سوى العلاقصد العداة من القنا بطواله
يقول: لما أفنى بهباته ما ورث من آبائه، فلم يبق منه شيء، إلا معالي آبائه، فإنه شحيح بها، قصد الأعداء وأغار عليهم، فاحتوى على أموالهم ووهبها.
وبأرعنٍ لبس العجاج إليهمفوق الحديد وجرّ من أذياله
الأرعن: الجيش العظيم، والهاء في أذياله للأرعن.
يقول: قصد الأعداء بجيش عظيم، قد لبس الغبار فوق الدرع، يعني أن الغبار قد علا الفرسان، حتى صار لها كالدرع السابغة وجر من أذياله يعني به التجافيف، وأنه يسحبها لطولها.
فكأنّما قذى النّهار بنقعهأو غضّ عنه الطّرف من إجلاله
يقول: إن غبار الجيش قد غير ضوء النهار، وكأن الشمس قد قذيت بهذا الغبار، أو غض عينه؛ من الإعظام للممدوح؛ فالهاء: للممدوح، وقيل للجيش، وقيل للغبار.
الجيش جيشك غير أنّك جيشهفي قلبه ويمينه وشماله
يقول: الجيش لك، وأنت عليه أمير؛ لأنك تحميه بنفسك وتذب عنه بسيفك، فكأنك جيش الجيش. والكنايات للجيش.
ترد الطّعان المرّ عن فرسانهوتنازل الأبطال عن أبطاله
هذا تفسير البيت الأول.
يقول: إنك تباشر الطعان الصعب عن فرسان جيشك، وتقاتل شجعان العدو عن شجعان جيشك.
كلّ يريد رجاله لحياتهيا من يريد حياته لرجاله
يقول: كل الملوك إنما يريدون الجنود لحياة نفوسهم، حتى يدفعوا عنها الأعداء، وهو يريد الحياة؛ ليدفع عن جيشه ويصونهم.
دون الحلاوة في الزّمان مرارةٌلا تحتظى إلاّ على أهواله
الهاء في أهواله للزمان.
يقول: كلا حلاوة الدنيا دونها مرارة! فلا تنال حلاوة الزمان إلا بتجرع مرارته وأهواله! يعني أن معالي الأمور لا تدرك إلا باقتحام القتال والحروب ومباشرة الأمور العظام، وتحمل المؤن والمغارم.
فلذاك جاوزها عليّ وحدهوسعى بمنصله إلى آماله
يقول: فلهذا احتوى سيف الدولة على معالي الأمور دون غيره، وأدرك بسيفه ما أمل من المعالي، مالا يأمل غيره.
وقال أيضاً يمدحه:
أنا منك بين فضائلٍ ومكارمومن ارتياحك في غمامٍ دائم
الفضائل: جمع فضيلة، وهي كل خلق شريف. والمكارم: جمع مكرمة، وهي كل فعل كريم. والارتياح: السخاء، والاهتزاز.
يقول: حصلت أنا منك بين شرف أخلاقك، وكرم أفعالك، وحللت من جودك في مطر دائم، من غمام سخائك وغزارة عطائك.
ومن احتقارك كلّ ما تحبو بهفيما ألاحظه بعيني حالم
يقول: أنت تعطى العطايا الجليلة وتحتقرها مع عظمها! وإني وأنا أتعجب من عظم هذا الشان، فأقدر - فيما أشاهده من فعلك - أني نائم وأن ما أراه حلم!
إنّ الخليفة لم يسمّك سيفهاحتّى بلاك فكنت عين الصّارم
بلاك: أي جربك. فكنت عين الصارم: أي حقيقته.
يقول: إن الخليفة لم يلقبك بسيف الدولة إلا بعد أن جربك، فوجدك أمضى من السيف الصارم.
فإذا تتوّج كنت درّة تاجهوإذا تختّم كنت فصّ الخاتم
يقول: أنت زينة ملكه، وقوام دولته فموقعك من الخليفة موقع الدرّة من التاج، إذ هي زينته، والفص من الخاتم؛ لأن قدر الخاتم بالفص.
وإذا انتضاك على العدى في معركٍهلكوا وضاقت كفّه بالقائم
يقول: إذا جردك الخليفة على أعدائه أهلكتهم، وملأ يده قائمك. يعني أنت أعظم منه قدراً، وأنفذ أمراً، وإن كنت له مطيعاً.
أبداً سخاؤك عجز كلّ مشمرٍفي وصفه وأضاق ذرع الكاتم
الذرع: القلب ها هنا.
يقول: من اجتهد في وصف سخائك ظهر عجزه عن بلوغ كنهه، ومن أراد أن يكتمه ضاف صدره؛؟ لأنه لا ينكتم.
وقال أيضاً يمدحه بحلب وقد أر له بفرس وجارية:
أيدري الرّبع أيّ دم أراقاوأيّ قلوب هذا الرّكب شاقا؟!
الألف: للاستفهام. ومعناه: النفي. أي لا يدري الربع. وشاقه الحبيب: أي هيج شوقه إليه.
سأل أصحابه وقوفهم ساعة على ربع حبيبه. هل يدري الربع من قتل منا لوجوده؟! وقلب من هيه لشوقه؟ أراد به دم نفسه وقلبه، تغظيماً لهما.
لنا ولأهله أبداً قلوبٌتلاقى في جسومٍ ما تلاقى
الهاء في لأهله للربع. وتلاقى: أصله تتلاقى في الموضعين. وما: النفي. يقول: لنا ولأهل الربع قلوب تتلاقى بالذكر، وإن كانت الجسوم متباينة في العين.
وما عفت الرّياح له محلاًعفاه من حدا بهم وساقا
عفا المنزل، وعفتها الرياح: يلزم ويتعدى.
يقول: إن الرياح لم تعف محلاً بهذا الربع، فقد كانت تهب الرياح عليه، وهم حلول به، فلا تمحو له رسماً، ولا تعفو له أثراً، فلما حدى بهم حادي الرحيل، وساق إبلهم سائقه، عفت منازله ودرست أطلاله، فليس للرياح فيه صنع، وإنما ذلك من صنيع من حدى إبلهم وساقها.
فليت هوى الأحبة كان عدلاًفحمّل كلّ قلبٍ ما أطاقا
يعني أن الحب قد جار على فحملين فوق ما أطيقه من الشوق، فليت الهوى كان بالتسوية والنصفة بين العشاق. فيكون حظ كل عاشق منه قدر ما يطيقه.
نظرت إليهم والعين سكرىفصارت كلّها للدّمع ماقا
سكرى: أي مملوءة من الدمع. والماق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مصب الدمع.
يقول: نظرت للتوديع عند ارتحال الحبيب وعيني مملؤة من لدمع، فلما رحلوا فاض الدمع من كل جانب، فصارت الجوانب كلها والمآق سواء في انصباب الدمع منه.
وقد أخذ التّمام البدر فيهموأعطاني من السّقم المحاقا
يقول: إن البدر فيما بين أهل هذا الربع، قد أخذ التمام والكمال، وأعطاني من السقم الذي في المحاق. يعني: أنا والحبيب بمنزله القمرين، فاختص التمام به، والمحاق بي.
وبين الفر والقدمين نورٌيقود بلا أزمّتها النّياقا
النور: قيل: أراد به جسمها، وقيل: أراد به الوجه، وفاعل يقود ضمير النور.
يقول: بين أعلى هذه المرأة، وبين قدميها جسم، أو وجه، له نور. مضىء بحيث يقود الإبل بلا زمام؛ لأن الإبل - لحسنها - تنقاد لها، والهاء في أزمتها للنياق، فهو مؤخر في الرتبة وإن كان مقدما في اللفظ.
وطرفٌ إن سقى العشّاق كأساًبها نقصٌ سقانيها دهاقا
وطرف عطف على قوله: نور يعني لها طرف إذا سقى عشاقة كأساً من الهوى ناقصة، سقانيها مملوءة. أي حبه لطرفها أكثر من حب كل عاشق له.
وخصرٌ تثبت الأبصار فيهكأنّ عليه من حدثٍ نطاقا
وخصر أيضاً عطف على ما تقدم من البيت، والكنايات للخصر يقول: إن خصرها إذا بدا نظرت إليه العيون من كل جانب، وثبتت فيه شاخصة متحيرة، لا يمكن للناظر أن يصرف عينه، فيصير طرف الناس بإحاطته به كالنطاق المحيط بالخصر، وأخذ هذا المعنى بعضهم فقال:
أحاطت عيون العالمين بخصرهفهنّ له دون النّطاق نطاق
وقال ابن جني: معناه أن الأبصار تؤثر فيه لنعومته، ورقة بشرته! فيصير ذلك الأثر الحاصل عن الأبصار حوالي خصره كالنطاق. والأول أولى.
سلي عن سيرتي فرسي ورمحيوسيفي والهملّعة الدّفاقا
الهملعة: الناقة الخفيفة. والدفاقا. بكسر الدال وفتحها: الكثيرة السير فكأنها تتدفق كما يتدفق الماء، إذا جرى بشدة. والسيرة: الطريقة، والعادة.
يقول لعاذلته؛ سلى عن شجاعتي: فرسي ورمحي، وعن السير: ناقتي، فإنها تخبرك بأفعالي، فلا أصغو إلى عذلك.
تركنا من وراء العيس نجداًونكّبنا السّماوة والعراقا
نكبنا: أي بعدنا، وعدلنا عنه. والسماوة: مفازة بين الشام والعراق.
يقول: وتركنا نجداً وراء ظهورنا، وعدلنا عن السماوة والعراق، وقصدنا سيف الدولة، بحلب.
فما زالت ترى والليل داجٍلسيف الدّولة الملك ائتلاقا
الائتلاق: اللمعان.
يقول: ما زالت العيس ترى لمعان غرة سيف الدولة في ظلمة الليل، فتهتدي بضوء غرته في طريقها إليه.
وقيل: أراد أن مقصودنا لما كان سيف الدولة، كان الليل لنا بمنزلة النهار عند قصدنا إياه، من الفرح.
وقيل: أراد أنه قد بلغ من كرمه أن يوقد النار للضيوف في كل موضع، فترى العيس ذلك وتستأنس به. والأول هو الظاهر.
أدلّتها رياح المسك منهإذا فتحت مناخرها انتشاقا
الانتشاق: طلب الرائحة بالأنف، والهاء في منه للممدوح.
يقول: العيس كانت تستدل على مكانه بما تنتشق من رائحته، فكانت رياح المسك أدلة لها إليه إذا فتحت العيس مناخرها للانتشاق، فكأنه عبر عن كرمه بالمسك، وعن صيته بالرياح.
أباح الوحشيا وحش الأعادي فلم تتعرّضين له الرّفاقا؟
تقدير البيت: يا وحش أباح سيف الدولة. الوحش الأعادي. فالوحش أحد المفعولين، والأعادي المفعول الآخر. وروى: أباحك أيها الوحش الأعادي والرفاق: هم قوم يجتمعون في السفرة. وكان الأسد افترس له ناقة في قصد مسيره إلى سيف الدولة. فيقول للوحش: يا وحش أباح لك سيف الدولة الأعادي؛ فإنه يقتلهم ويطرحهم لك، فلم تتعرضين الرفاق القاصدين إليه؟ لأنك مستغنية عن ذلك بما مكنك من لحوم قتلاه.
ولو تبّعت ما طرحت قناهلكفّك عن رذايانا وعاقا
ما طرحت: في موضع نصب، لأنه مفعول تبعت أي لو تبعت مطروح قناته. والرذايا: جمع رذية، وهي البعير الذي قام من الإعياء، ولم يقدر على السير.
يقول للوحش: لو تبعت ما طرحت رماح سيف الدولة من القتلى لمنعك عن أكل الإبل المعيبة، لأن لك بقتلاه مندوحة عن إبلنا.
ولو سرنا إليه في طريقمن النّيران لم نخف احتراقا
يقول للوحش: كيف تعرضت لنا ونحن نقصده؟ ولم تخافي صولته وهيبته، فإن لو سرنا في طريق يلتهب ناراً، وعلمت النار أنا قاصدوه لم تضرنا! ولم تقدر على إحراقنا، يعني أن كل شي من الوحش والعاتين في الأرض يخافه، حتى لو تصور في الجمادات أن تخافه لخافته.
إمامٌ للأئمّة من قريشٍإلى من يتّقون له شقاقا
الهاء في له قيل: راجع إلى إمام، ويجوز أن يكون راجعاً إلى ضمير من تقديره: إلى من يتقون شقاقه. فلما قدمه أدخل فيه اللام كقوله تعالى: " لِلّرؤْيَا تَعْبُرُون " والشقاق: العصيان والمخالفة.
يقول: هو إمام للأئمة من قريش: أي الخلفاء من ولد العباس. يعني أن الأئمة إذا ساروا إلى عاص عليهم، خارج عن طاعتهم، كان سيف الدولة إمامهم في مقدمة جيوشهم، فهو لهم إمام في كل حرب يتبعون خطوه، ويرجعون إلى رأيه ومثله للبحتري:
ولو جمع الأئمّة في مكانٍتكون به لكنت لهم إماما
يكون لهم إذا غضبوا حساماًوللهيجاء حين تقوم ساقا
يقول تأكيداً لما تقدم: إن الأئمة إذا غضبوا على مخالف، كان لهم سيفاً يقتلون به، ويكون ساقاً للحرب حين تقوم الحرب، فقوام الحرب به كما يقوم الإنسان على ساق.
فلا تستكثرنّ له ابتساماإذا فهق المكرّ دماً وضاقا
فهق: امتلأ.
يقول: لا تستعظم منه الابتسام، وإشراق الوجه عندما امتلأ مكان الحرب بالدماء، وصار كالسيول.
فقد ضمنت له المهج العواليوحمّل همّه الخيل العتاقا
فاعل..ضمنت: العوالي. ومفعوله: المهج.
يقول: إنما يبتسم في حال شدة الحرب؛ لأن الرماح قد ضمنت له نفوس الأعداء، فوثق بها، وحمل خيله العتاق همته، فكما أنه لا يولى عن العدو، كذلك خيله؛ لتحملها همته.
إذا أنعلن في آثار قومٍوإن بعدوا، جعلنهم طراقا
الطراق: نعل يطرح تحت النعل يؤكد بها.
يقول: إذا أنعلت لطلب قوم أدركتهم، وجعلتهم نعلاً ثانية، لأنها تطؤهم وتدوسهم، وتجعلهم بين حوافرها، فتلحق بهم وإن كانوا على مسافة بعيدة وعليها نعلها الأولى فيصيروا نعلا ثانية.
وإن نقع الصّريخ إلى مكانٍنصبن له مولّلةً دقاقا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع