من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
العميديات
وقال يمدح أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميد، حين ورد عليه بأرجان في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلاث مئة:
بادٍ هواك صبرت أم لم تصبراوبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
باد أي ظاهر، وهواك: رفع بالابتداء وباد خبره مقدم عليه عند سيبويه.
وعند الأخفش: باد مبتدأ وهواك مرتفع به كما يرتفع الفاعل، وقد سد مسد المبتدأ.
وقوله: أو لم تصبرا في موضع جزم، وأصله: تصبرن بالنون الخفيفة للتأكيد، فأبدل عنها ألفاً في الوقف، كقوله تعالى: " لَنَسْفَعاً " وقول الأعشى:
ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
هذا قول البصريين. وفي قول البغداديين: أنه خاطب الواحد الاثنين كقول الآخر:
فإن تزجراني بابن عفّان أنزجروإن تدعاني أحم عرضاً ممنّعاً
والمعنى: أن هواك ظاهر علاماته، سواء صبرت أو جزعت، وكذلك بكاؤك ظاهر، سواء جرى دمعك أو لم يجر.
وحكى أنه قيل للمتنبي: إنك خالفت بين المصراعين، فوضعت في الأول إيجاباً بعده نفي، وفي الثاني نفياً بعده إيجاب، وصنعة الشعر تقتضي الموافقة بين صدر البيت وعجزه. فقال: إن كنت خالفت بينهما لفظاً فقد وافقت بينهما معنىً، وذلك أن من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر جرى دمعه، ومراعاة المعنى أولى من مراعاة اللفظ.
وبكاك عطف على هواك ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في صبرت كأنه قال: صبرت وصبر بكاؤك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك.
كم غرّ صبرك وابتسامك صاحباًلمّا رآه وفي الحشى ما لا يرى
الوجه: لما رآهما. ولكنه أقام ضمير الواحد مقام الاثنين. وقيل: أراد، كم غر صبرك صاحباً لما رآه، وابتسامك لما رآه، فحذف أحد الضميرين لدلالة الآخر، كما قال بعضهم:
نحن بما عندنا وأنت بماعندك راضٍ والرّأي مختلف
أي نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. ثم اكتفى بأحد الخبرين عن الآخر.
وقيل: إنه أضمر التجلد. والضمير في رآه إليه راجع؛ وذلك أن الصبر والابتسام واحد وهو التجلد.
والمعنى: أن كثيراً من أصحابك لما رأوا صبرك وضحكك غرهم ذلك منك، ولم يعلموا ما في قلبك من نار الهوى وألم العشق.
أمر الفؤاد لسانه وجفونهفكتمنه وكفى بجسمك مخبرا
الهاء في لسانه وجفونه: للفؤاد، وقيل: للعاشق؛ لأن في الكلام دلالة عليه، وفي كتمنه إلى ما لا يرى.
يقول: لسانك يكتم أمر الهوى فلا ينطق به، وجفونك تكتمه بترك البكاء، فكأن قلبك أمرهما بكتم الهوى، وهما إخوانه وأتباعه، ولكن نحول جسمك يخبر عما في قلبك، فكفى به مخبراً.
تعس المهارى غير مهريٍّ غدابمصّورٍ لبس الحرير مصوّرا
المهارى: جمع مهري، وهي إبل تنسب إلى مهرة بن حيدان أبو حي من العرب جيد الإبل. وتعس: أي شقي جده، وقوله: بمصور أي بإنسان مصور صورة حسنة، لبس حريراً مصوراً بالصور والنقوش.
دعاء على الإبل؛ لأنها سبب الفراق، إلا هذا البعير الذي فوقه هذه المرأة التي هي كالصورة في حسنها، وعليها ثياب حرير عليها تصاوير. ومصوراً: نصب على الحال.
نافست فيه صورةً في سترهلو كنتها لخفيت حتّى يظهرا
الهاء في فيه للمصور وهو المحبوب، وقيل: هو الحرير. والهاء في ستره يرجع إلى المصور.
يقول: كان دون هذه المحبوبة ستر عليه صورة، نافست هذه الصورة وحسدتها على قربها من المحبوب، ولو كنت هذه الصورة لخفيت وغبت حتى يظهر المحبوب للرائيين، بخلاف هذا الستر الذي لا يغيب.
والفائدة في ظهوره إنما هو تنزه الأبصار برؤيته وتكون الفائدة فيه.
وصف نفسه بالنحول وأنه بصفة لا تستره عن الناظرين، أو يريد إقامة عذره للناس في حبه إياه.
لا تترب الأيدي المقيمة فوقهكسرى مقام الحاجبين وقيصرا
لا تترب: أي لا تفتقر المقيمة الفاعلة من الإقامة التي هي المتعدي من القيامة. وكسرى وقيصر نصب به، والهاء في فوقه للستر.
يقول: لا تترب يد من نقش على هذا الستر صورة كسرى وقيصر؛ حيث أقامهما على باب الستر كالحاجبين.
يقيان في أحد الهوادج مقلةًرحلت وكان لها فؤادي محجرا
المحجر: ما يبدو من النقاب من حوالي العين، جعل المحبوبة عين قلبه فقال: إن كسرى وقيصر يحفظان في واحد من الهوادج يعني هودج حبيبته مقلةً، فلما ارتحلت المقلة زال عن قلبي ضياؤه وعمي قلبي، فصار محجراً لا مقلة له.
قد كنت أحذر بينهم من قبلهلو كان ينفع حائناً أن يحذرا
لهاء في قبله للبين، وقيل: أراد من قبل وقوعه، فحذف المضاف والحائن: الذي دنا حينه وهلاكه.
يقول: لو نفع الحذر الحائن لنفعني؛ لأني كنت أحذر فراقهم قبل وقوعه، فلم ينفعني الحذر، لما وقع بي ما حذرته.
ولو استطعت إذا غدت روّادهملمنعت كلّ سحابةٍ أن تقطرا
الرواد: جمع رائد.
يقول: لو قدرت - حين تخرج روادهم لطلب الماء والكلأ - لمنعت السحاب من المطر، لكن لا قدرة لي على ذلك.
فإذا السّحاب أخو غراب فراقهمجعل الصّياح ببينهم أن يمطرا
يقول: لو قدرت لمنعت كل سحابة من المطر؛ لأني تأملت الحال فرأيت السحاب سبباً للفراق؛ لأنه إذا مطر خرجوا لطلب المطر والكلأ، فهو مثل غراب البين؛ لأنه إذا صاح أذن بالفراق! ومطر السحاب كذلك، فالسحاب كالغراب ومطره في دلالته على الفراق كصياح غراب البين، فلو قدرت لمنعته من المطر حتى لا يؤدي إلى الفراق.
وإذا الحمائل ما يخدن بنفنفٍإلاّ شققن عليه ثوباً أخضرا
الحمائل: جمع الحمولة، وهي الإبل التي يحمل عليها. والنفنف: المهوى بين جبلين. ويخدن: يسرعن. شبه كثرة الكلأ على وجه الأرض بثوب أخضر، وشقها إياه: رعيها له حتى يصير كالثوب المشقوق لما رعت الوسط وتركت الحافات.
وقيل: شقها إياه: سيرها فيه.
يقول: وإذا إبلهم لا تسير في فلاة إلا شقت عليها ما لبست من الكلأ، برعيها ووطئها.
يحملن مثل الرّوض إلاّ أنّهأسبى مهاةً للقلوب وجؤذرا
شبه الهوادج بالروض؛ للنقوش التي عليها، وشبه النساء التي في الهوادج ببقر الوحش وأولادها.
يقول: تحمل هذه الإبل في هذا الروض هوادج مثل الروض وكذلك مثل الروض من ربات الهوادج، إلا أن هؤلاء النساء أسبى للقلوب من المها والجآذر.
ومهاةً وجؤذرا نصبا على التمييز.
فبلحظها نكرت قناتي راحتيضعفاً، وأنكر خاتماي الخنصرا
نكرت الشيء فأنكرته.
يقول: بسبب لحظ النساء ضعفت راحتي عن حمل قناتي، وقلق خاتمي في خنصري؛ لنحولي وضعفي.
أعطى الزّمان فما قبلت عطاءهوأراد لي فأردت أن أتخيّرا
يقول: أعطاني الزمان حظاً فلم أقبله منه، وأردت أن أكون أشرف منه، وأراد لي حالاً فأحببت أن يكون على اختياري، فلم أرض إلا بلقاء ابن العميد.
أرجان أيّتها الجياد فإنّهعزمي الّذي يذر الوشيج مكسّرا
أرجان: مدينة من فارس، أصله بتشديد الراء، ونصبه بفعل مضمر، أي اقصدي أرجان.
يقول لخيله: اقصدي أرجان فإني عزمت على لقاء ابن العميد عزماً صحيحاً، لو ردني عنه رمح لكسر الرمح عزمي.
والوشيج: الرماح. وأصله: أصول الرماح.
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعالهما شقّ كوكبك العجاج الأكدرا
الفعال بفتح الفاء: ما يفعله الإنسان من كرم وجود وغيرهما، وكوكب الخيل: مجتمعها، والأكدر: الأسود.
يقول لخيله: لو فعلت ما نت تشتهينه ما جشمتك دخول الغبار الأسود وشقه؛ لأن مرادك ألا تتكلفي ذلك، غير أني لا أرضى إلا بما أجشمك من المشقة في قصدي إلى ابن العميد ورؤيتي إياه.
أمّي أبا الفضل المبرّ أليّتيلأيمّمنّ أجلّ بحرٍ جوهراً
أمي: أي اقصدي، والمبر: المصدق، والآلية: اليمين. يعني: اقصدي أبا الفضل؛ فإنه الذي يبر يميني فيكون المبر خبراً لأمي.
يقول: اقصدي أبا الفضل، فإنه الذي يبر يميني حيث حلفت أني أقصد بحراً جوهره أجل من جوهر كل بحر، وليس أحد بهذه الصفة غيره، فهو الذي يبر يميني.
أفتى برؤيته الأنام وحاش ليمن أن أكون مقصّراً أو مقصرا
يقال: قصرت عن الشيء: إذا تركته عاجزاً، وأقصرت: إذا تركته وأنت قادر عليه.
يقول: لما حلفت على أن ألقي أجل بحر جوهراً، أفتاني الناس كلهم بأن يميني لا تبر إلا برؤيته، لأنه المختص بهذه الصفة، وحاشى لي من أن أترك قصده قدرت أو لم أقدر عليه، فإن مثلي إذا حلف لا يحنث في يمينه، فلا بد لي من لقائه.
صغت السّوار لأيّ كفٍّ بشّرتبابن العميد، وأيّ عبدٍ كبّرا
يقول: صغت السوار، لأجعله في يد من يبشرني بابن العميد، وكذلك صغت لأي عبد كبر. يريد بذلك: ما جرى من عادة الناس إذا رأوا ما يتوقعون، أو شيئا يعجبهم كبروا عند رؤيته.
إن لم تغثني خيله وسلاحهفمتى أقود إلى الأعادي عسكرا؟!
يقول: إن لم يغثني ابن العميد بخيله وسلاحه، لم أقدر على تجهيز الخيل إلى قتل الأعداء.
بأبي وأمّي ناطقٌ في لفظهثمنٌ تباع به القلوب وتشترى
يقول: أبي وأمي فداء لناطق يملك بحسن لفظه، قلوب الناس، فكأنه يجعل لفظه ثمناً للقلوب يشتريها به.
من لا تريه الحرب خلقاً مقبلاًفيها، ولا خلقٌ يراه مدبرا
من بدل من قوله: بأبي وأمي ناطق والهاء في فيها للحرب.
يقول: بأبي من لا تريه الحرب أحداً من الناس مقبلا إليه، ولا يراه أحد مدبرا: أي لا يقدر على لقائه أحد، ولا يولي من بين يدي أحد أيضاً.
خنثى الفحول من الكماة بصبغهما يلبسون من الحديد معصفرا
أي: جعل الفحول كالمخنثين الذين يلبسون المعصفرات: يعني خضب ثياب الكماة ودروعهم بدمائهم فصاروا كالمخنثين الذين يلبسون المعصفرات. وقيل: جعلهم كالمخنثين لجبنهم. وتقديره: بصبغه معصفرا ما يلبسون من الحديد.
يتكسّب القصب الضّعيف بخطّهشرفاً على صمّ الرّماح ومفخراً
أراد بالقصب الضعيف: القلم، وبالمفخر: الفخر.
يعني: إذا كتب بقلمه اكتسب قلمه بخطه شرفا على الرماح؛ لأنه يفعل بقلمه ما لا يفعله الفارس برمحه.
ويبين فيما مسّ منه بنانهتيه المدلّ فلو مشى لتبخترا
الهاء في منه للقصب.
يقول: يظهر في كل قصب مسه بنانه من التيه ما لو أمكنه المشي لتبختر في مشيه.
يا من إذا ورد البلاد كتابهقبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا
يعني: إذا كتب لعدو كتاباً لم يحتج إلى إنفاذ الجيوش؛ لأنه يهزمهم بكتابه ويصيرهم متحيرين بوعده ووعيده.
وهذا المعنى ذكره ابن العميد لنفسه في قوله:
إذا ما حلّ أرض علاي خطبٌكشفت الخطب عنها بالخطابه
وإن زحف الكتائب نحو أرضيقصمت عرى الكتائب بالكتابه
أنت الوحيد إذا ركبت طريقةًومن الرّديف وقد ركبت غضنفرا
يقول: أنت في جميع أحوالك لا نظير لك، لا تركب إلا كل طريقة صعبة لا يطيقها أحد، ولا يتبعك فيها أحد؛ مخافة فضيحة، فكأنك ركبت الأسد، ومن ركب الأسد لا يمكن أحد من أن يصير رديفا له.
قطف الرّجال القول قبل نباتهوقطفت أنت القول لمّا نوّرا
يقول: كلام الناس لم يدرك بعد، فهو كنور لم يتنور، وكلامك عذب فصيح كنور تنور وأدرك.
فهو المتبّع بالمسامع إن مضىوهو المضاعف حسنه إن كرّرا
فهو: أي القول.
يقول: كلامك كلما سمعه سامع استعاده وتتبعه بسمعه؛ لحسنه، وكلما كرر على المسامع ازداد حسنه.
وإذا سكتّ فإنّ أبلغ خاطبٍقلمٌ لك اتخذ الأصابع منبراً
يقول: إذا سكت قام قلمك مقام خطابك، يخطب الناس ومنبره أصابعك شبه قلمه على أنامله بخطيب على منبر.
ورسائلٌ قطع العداة سحاءهافرأوا قناً وأسنّةً وسنّورا
السحاء ما يشد به القرطاس، سمي بذلك لأنه يسحي من ظهره أو يقشر، والسنور: ما لبس من جنس الحديد خاصة كالدروع والجواشن.
يقول: إذا فض أعداؤك كتبك رأوا من بلاغتك ما يملأ قلوبهم رعباً، فكأن الكتابة كتيبة فيها الرماح والأسلحة، تدفع بها الأعداء وتفل بها الجيوش.
وقيل: إنهم إذا رأوا فصاحتك ماتوا حسداً لك.
فدعاك حسّدك الرّئيس وأمسكواودعاك خالقك الرّئيس الأكبرا
كان ابن العميد يخاطب بالأستاذ الرئيس.
يقول: إن أعداءك خاطبوك بالرئيس، ولم يزيدوا عليه، والله تعالى قد سماك الرئيس الأكبر.
خلفت صفاتك في العيون كلامهكالخطّ يملأ مسمعي من أبصرا
الهاء في كلامه تعود إلى الخالق.
يعني: أن الله تعالى لم يدعك الرئيس الأكبر بصوت يسمع، وإنما جعل فيك صفات تقوم مقام كلامه، لأن صفاتك توجب لك هذه التسمية. فكأنها خط فيه حكاية قول الله تعالى: إنك الرئيس الأكبر. فكما أن الخط إذا نظر إليه فهم ما يدل عليه من المعاني، وإن لم يسمع، فكذلك يفهم في صفاتك هذا الاسم وإن لم يسمع.
أرأيت همّة ناقتي في ناقةٍنقلت يداً سرحاً وخفّاً مجمرا؟!
اليد السرح: السهلة القبض والبسط، والخف المجمر: الصلب يقول: هل رأيت همة ناقتي فيما بين النوق، كيف علت سائر الهمم، حيث قصدتك، بنقل يد سرح وخف مجمر، وترك الملوك وراءها.
تركت دخان الرّمث في أوطانهاطلباً لقومٍ يوقدون العنبراً
الرمث نبت يوقد به وإذا أكلته الإبل اشتكت بطونها.
يقول: تركت ناقتي أهل البادية الذين يوقدون الرمث، وقصدت ملكاً يوقد العنبر، فهمتها بخلاف همة سائر النوق. ومثله للبحتري:
نزلوا بأرض الزّعفران وجانبواأرضاً تربّ الشّيح والقيصوما
وتكرّمت ركباتها عن مبركٍتقعان فيه وليس مسكاً أذفرا
إنما جمع الركبة مع أن للناقة ركبتين مجازاً، لأنه أراد الركبتين وما بينهما أو يكون قد سمى لكل جزء منه ركبة، ثم قال: تقعان فرجع إلى التثنية الحقيقية وترك المجاز، والأذفر: الذكي الرائحة.
يقول: إن ناقتي ترفعت وأنفت عن أن تقع ركبتاها على مبرك فيه التراب، وإنما أرادت أن تقع ركبتاها على المسك الأذفر، فلهذا قصدتك
فأتتك دامية الأظلّ كأنّماحذيت قوائمها العقيق الأحمرا
الأظل: باطن الخف الذي يلي الأرض، وحذيت أي جعل لها حذاءً وهو النعل.
يقول: جاءتك ناقتي والحجارة قد أدمت أخفافها، فكأنها حذيت بالعقيق الأحمر. شبه الدم الأحمر بالعقيق.
بدرت إليك يد الزّمان كأنّهاوجدته مشغول اليدين مفكّرا
يقول: إن ناقتي سبقت إليك قبل أن يعلم الزمان فيعوقها عنك، فكأنها رأت الزمان مشغولا عنها فانتهزت الفرصة.
من مبلغ الأعراب أنّى بعدهالاقيت رسطاليس والإسكندرا
يقول: من مبلغ الأعراب الذين فارقتهم، أني رأيت ملكا كأنه أرسطاليس في حكمته وعلمه، والاسكندر في ملكه. كأنه يعرض بسيف الدولة.
ومللت نحر عشارها فأضافنيمن ينحر البدر النّضار لمن قرى
العشار: النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، والنضار: الذهب الخالص، وهو بدل من البدر ويجوز أن يكون صفة لها.
يقول: من يبلغ الأعراب أني مللت ذبح نوقها لي ضيافةً، فخرجت من عندها وقصدت من ينحر لي بدر الذهب: أي يملكني إياها ويصلني برغائب الأموال وأنواع الصلات.
وسمعت بطليموس دارس كتبهمتملّكاً متبدّياً متحضّرا
نصب دارس: على الحال من بطليموس ومتملكا على الحال من الممدوح. والهاء في كتبه للمدوح.
يقول: سمعت أن بطليموس مع كمال فضله، دارس لكتب ابن العميد ومستفيد منها، وهو قد جمع الملك وفصاحة البدو وظرف الحضر.
وقيل الهاء في كتبه لبطليموس. يعني: سمعته يدرس كتب بطليموس مع ما له من الملك والفصاحة والظرف.
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّماردّ الإله نفوسهم والأعصرا
يقول: إن فضل الفضلاء كلهم موجود فيه، فكأنه جمع جميع الفضلاء، وكأن الله تعالى رد أعصر الفاضلين ونفوسهم، فكأنهم حضور لم يموتوا. وهذا كقول أبي نواس:
وليس على الله بمستنكرٍأن يجمع العالم في واحد
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّماًوأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
يقول: مضى هؤلاء الفضلاء واحداً بعد واحد، كالحساب الذي يذكر تفاصيله، ثم يقال في آخره: فذلك الجميع. أي لما جئت في آخرهم كنت كأنك جملة التفصيل الذي سلف لهم، لأنك جمعت فضائل الكل ومناقبهم.
يا ليت باكيةً شجاني دمعهانظرت إليك كما نظرت فتعذرا
شجاني: أحزنني، ودمعها فاعل شجاني فتعذرا نصب لأنه جواب التمني بالفاء.
يقول: ليت التي بكت عند مفارقتي إياها، حتى أحزنني دمعها، نظرت إليك كما نظرت لتعذرني في مفارقتها وقصدي إليك واختياري أكون عندك.
وترى الفضيلة لا تردّ فضيلةًالشّمس تشرق والسّحاب كنهورا
الكنهور: القطعة العظيمة من السحاب، وفاعل ترد ضمير الفضيلة ونصب فضيلة لأنها مفعول بها، ونصب الشمس بدل من الفضيلة، وكذلك السحاب وقيل: إن الشمس نصب بتشرق.
يقول: ترى فيك الفضائل المتضادة مجتمعة! لا يرد بعضها بعضاً، فكأنها رأت الشمس والسحاب العظيم في وقت واحد، ومن عادة السحاب أن يستر الشمس، والشمس تذهب السحاب، وأنت قد اجتمع فيك نور الشمس، ومطر السحاب بجودك! ولا يرد أحدهما الآخر، وفاعل ترى ضمير الباكية.
أنا من جميع النّاس أطيب منزلاًوأسرّ راحلةً وأربح متجرا
أي: لما قصدتك طاب منزلي، وسرت راحلتي وربحت صفقتي وفضلت جميع الناس في هذه الأحوال. والمنصوبات هي على التمييز.
زحلٌ على أنّ الكواكب قومهلو كان منك لكان أكرم معشرا
القوم: لا يقع إلا على المذكرين من العقلاء، لكن لما كانت الكواكب محيطة بزحل، وهو واحد منها، جعلها قومه.
يقول: إن زحل - مع أن الكواكب قومه - لو كان من جملتك ومنتسباً إليك، لكان أكرم معشراً من كونه من من جملة الكواكب.
وقال يمدحه ويهنئه بالنيروز وينعت سيفاً قلده إياه وخيلاً حمله عليها ويذكر انتقاده شعره:
جاء نيروزنا وأنت مرادهوورت بالذي أراد زناده
يقال: نيروز، ونوروز. وورت أي أضاءت.
يقول: إنما جاء النوروز ليسر برؤيتك فورت زناده: أي أدرك مراده.
هذه النّظرة الّتي نالها منك إلى مثلها من الحول زاده
يقول: هذه النظرة التي نالها منك الآن، تكفيه للمسرة إلى عام قابل مثله والهاء في زاده للنيروز.
ينثني عنك آخر اليوم منهناظرٌ أنت طرفه ورقاده
آخر اليوم: نصب على الظرف. والناظر: ناظر العين، وهو سواده الذي به يكون النظر. والهاء في منه وطرفه ورقاده للنيروز. وروى: ينقضي بدل ينثني.
يقول: ينصرف عنك النيروز وقد خلف عندك لحظه ورقاده، فبقي بلا لحظ ولا نوم، إلى أن يعود إليك.
شبه النيروز بمحب يسر بقرب حبيبة ويسهر لفراقه، فهو يشتاق إليه إلى أن يعود إليه.
نحن في أرض فارسٍ في سرورٍذا الصّباح الّذي يرى ميلاده
ذا الصباح: إشارة إلى صباح النيروز المذكور. والهاء في ميلاده للسرور.
يقول: نحن في سرور في هذا الصباح، الذي هو ميلاده السرور.
عظّمته ممالك الفرس حتّىكلّ أيّام عامه حسّاده
الهاء في عظمته وفي عامه وحساده للنيروز أو الصباح المذكور، وهما واحد، وأراد بالممالك: أهل ممالك الفرس، فحذف.
يعني: أن ملوك الفرس عظموه، حتى صارت سائر أيام السنة تحسده لذلك التعظيم.
ما لبسنا فيه الأكاليل حتّىلبستها تلاعه ووهاده
الأكاليل: جمع الإكليل وهو مثل التاج. والتلاع: جمع تلعة، وهي الأرض المرتفعة. والوهاد: جمع وهدة، وهي ما انهبط من الأرض. والهاءات للنيروز إلا في قوله: لبستها فإنه للإكليل.
يقول: لم تعقد على رءوسنا أكاليل الأنوار إلا بعد أن عمت الأنوار التلاع والوهاد وصارت عليها كالأكاليل، وهو مثل قول أبي تمام:
حتّى تعمّم صلع هامات الرّبامن نوره وتأزّر الأهضام
والعمائم: أي الأكالي، إلا أن بيت أبي تمام أجود، لأنه جعل ما كان على الربا كالعمائم لارتفاعها، وما كان في الأهضام وهي المطمئن من الأرض كالأزر.
والمتنبي جعل الأكاليل على التلاع والوهاد.
إلا أنه يمكن أن يقال: إن معناه: لبستها تلاعه واتزرت بمثلها وهاده والتحفت، لأن لفظ اللبس مشتمل على العمائم والمآزر، فاكتفى بأحدهما كما قال:
يا ليت زوجك قد غدامتقلّداً سيفاً ورمحا
عند من لا يقاس كسرى أبوساسان ملكاً به ولا أولاده
يعني: نحن في أرض فارس، أو صرنا في هذا اليوم عند ملك أجل من كسرى أبي ساسان وأولاده وملكا نصب على التمييز ويجوز أن يكون تعلق البيت بالذي قبله.
يقول: ما لبسنا فيه الأكاليل عند ملك هذه حاله، حتى لبستها تلاعه ووهاده.
عربيٌّ لسانه فلسفيٌّرأيه فارسيّةٌ أعياده
يعني: أنه فصيح اللسان فكأنه عربي، ورأيه رأى الفلاسفة في الحكمة، وأعياده أعياد العجم.
كلّما قال نائلٌ: أنا منهسرفٌ، قال آخرٌ: ذا اقتصاده
يعني: كلما أعطى عطاءً تستعظمه الناس! ويقولون: هذا سرف أتى بعده بعطاء آخر أعظم منه، حتى يرى الناس أن الأول كان اقتصادا، وهذه عادته أبداً، فليس لعطائه حد. فنسب القول إلى النائل مبالغة.
كيف يرتدّ منكبي عن سماءٍوالنّجاد الّذي عليه نجاده؟!
النجاد: حمائل السيف.
يقول: كيف لا يبلغ منكبي السماء، وعليه نجاد ابن العميد؟! أي كيف لا أبلغ السماء عزاً وشرفاً، وقد تقلدت بسيفه.
وقيل: أراد أن ابن العميد بلغ السماء طولا، فكيف لا أبلغ السماء وقد لبست نجاده؟ وقوله: كيف يرتد أي كيف يقصر منكبي عن بلوغ السماء؟ والهاء في عليه للمنكب وفي نجاده للممدوح.
قلّدتني يمينه بحسامٍأعقبت منه واحداً أجداده
الهاء في منه للسيف وكذلك في أجداده.
يقول: قلدني سيفاً لا نظير له في السيوف وقوله: أعقبت منه معناه أن السيف ينسب إلى الهند، كما ينسب الرجل إلى أجداده، فكأن الهند أجداد هذا السيف، فلم يعقب رجال الهند منه إلا واحداً: أي لم يطبع له نظير.
وقيل: إن الهاء منه للممدوح وهو المراد بالحسام وشبهه به لمضائه فكأنه.
يقول: أعقبت أجداده منه واحداً لا ثاني له.
كلّما استلّ ضاحكته إياةٌتزعم الشّمس أنّها أرآده
الإياة: ضوء الشمس. والأرآد: جمع الرئد، وهو الترب. والهاء في أنها للشمس وفي أرآده للسيف.
والمعنى: كلما استل السيف قابلته الشمس بآياتها وزعمت أنها تشبه لونه في صفائه وبريقه.
شبه إياة الشمس، بالسيف وبريقه.
وقيل: الهاء في أنها للإياءة، وفي أرآده للشمس، وذكره لأن تأنيثها ليس بحقيقي ولا علامة فيه اضطرارا للقافية.
أي: تزعم الشمس: أن إياة الشمس وضوءها مثل ضوئه في المنظر.
مثّلوه في جفنه خشية الفقد ففي مثل أثره إغماده
أثر السيف وأثره: جوهره، وكان على جفن هذا السيف فضة منقوشة بالسواد.
يعني: أن الصاغة مثلوا هذا السيف في جفنه: أي جعلوا مثالا في غمده له، لئلا يغيب عن عينهم لحسنه، فهو مغمد في جفن يشبه رونقه وجوهره؛ لأن الفضة التي عليه إذا جليت وصقلت أشبهت رونق السيف، فكأنه مجرد وهو مغمد، وصاحبه ينظر إليه ولا يفقد حسنه ولا رونقه.
منعلٌ لا من الحفا ذهباً يحمل بحراً فرنده إزباده
نعل السيف: الحديدة التي في أسفل غمده. والفرند: جوهر السيف وخضرته.
يقول: غمد هذا السيف منعل ذهباً، ولم ينعل لأجل الحفاء، وهذا النعل يحمل سيفاً كالبحر في كثرة مائه، ولما جعله بحراً جعل جوهره عليه بمنزلة الزبد فوق البحر.
يقول: هو بحر ولكن زبده فرنده.
يقسم الفارس المدجّج لا يسلم من شفرتيه إلاّ بداده
البداد: بداد السرج وهو الذي عليه من الجانبين، وقيل: هو الفخذان. والمدجج: تام السلاح.
يقول: إذا ضرب فارساً قطعه نصفين مع فرسه، فلا يسلم منه إلا البداد؛ لانحرافه عن وسط السرج، وقوله: من شفرتيه يريد بأي شفرتيه ضرب.
جمع الدّهر حدّه ويديهوثنائي فاستجمعت آحاده
آحاده: أي غرائب الدهر التي لا نظير لها، والهاء في حده للسيف وفي يديه للممدوح وفي آحاده للدهر.
يقول: جمع الدهر بين حد هذا السيف في نفاذه، ويدي ابن العميد في سخائه وثنائي في فصاحته. وكل واحد غريب. ومعناه: لا نظير له، فاجتمعت آحاد الدهر وغرائبه.
وتقلّدت شامةً في نداهجلدها منفساته وعتاده
الهاء في نداه ومنفساته وعتاده للممدوح. والمنفسات: كل شيء شريف نفيس.
يعني: أن هذا السيف في جملة ما أعطانيه من منفساته وذخائره، مثل الشامة في الجسد. لما جعل السيف شامة جعل المنفسات جلداً لها؛ لأن الشامة لا تكون إلا على الجلد.
وقيل: عنى بالجلد، غمد السيف وحليته. جعل السيف كالشامة لوضوحه في جملة ما أعطاه، وأراد أن السيف قيمته دون قيمة جفنه، لما عليه من الحلية، فهو وإن كان نفيساً فحليته أنفس منه! والهاء في منفساته وعتاده عائدة إلى الندى. وقيل إن الهاء عائده إلى الشامة، وذكره لما أراد به السيف.
وقيل: أراد بالجلد، ما يلي هذا السيف من عطاياه المتقدمة والمتأخرة. جعلها كالجلد حول الشامة.
وقيل: أراد بالجلد ظاهره الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده.
فرّستنا سوابقٌ كنّ فيهفارقت لبده وفيها طراده
فرستنا: أي جعلتنا فوارس والهاء في فيه للندى وفي فيها للسوابق وكن فعل السوابق.
يعني: علمتنا الفروسية خيل سوابق كن في نداه وقوله: فارقت لبده أي انتقلت من سرج ابن العميد، وصارت تحت سرجي.
يعني: هي وإن خرجت من ملكه وفارقت سروجه، فإنها لم تفارق من تعب طراده؛ لأني أقاتل عليها بين يديه، وأسير عليها معه حيث سار. وقوله: فيها طراده: أي عليها طراده، والهاء في لبده وطراده لابن العميد.
وقيل: معناه أنها وإن كانت غير سائرة فذكرها سائر في الأرض، وقيل: أراد أن هذه الخيل تغيظ الحساد وتغير على الزمان، فكأنها في طراد، وإن كانت مستريحة.
ورجت راحةً بنا لا تراهاوبلادٌ تسير فيها بلاده
يقول: إن الخيل لما انتقلت إلي، رجت أن تستريح من إتعابه إياها، وليست ترى ذلك ما دمت أنا أسير في بلاده، لأني ما دمت عنده فأنا متصرف بحكمه فكأنها لم تخرج عن ملكه.
وقيل: أراد أنا لا نزال نعدو معه في غزواته، ونطارد عليها معه، إذا ركب إلى الصيد، فلا تستريح ما دمنا في خدمته، فهي إذاً لا تستريح أبداً لأنا لا نفارق خدمته أبداً.
هل لعذري إلى الإمام أبي الفضل قبولٌ سواد عيني مداده
الهاء في مداده للقبول. والجملة صفة له.
يقول: هل يقبل عذري في قصوري عن خدمته، ولو قبل عذري لكتبت قبوله بسواد عيني وجعلته مداداً لكتبته، لعظم موقعه لدي.
وقيل: الهاء راجعة إلى الممدوح، يريد على وجه الدعاء كأن سواد عيني مداداً يكتب به هو
أنا من شدة الحياء عليلٌمكرمات المعلّه عوّاده
الهاء في المعله وعواده للعليل.
يقول: أنا عليل من فرط حيائي. حيث قصرت في خدمته وقد أخجلني بانتقاده شعري وقد أعلني وجعل مكارمه عوادي.
وقيل: المعنى اعتللت من شدة الحياء، والذي أعلني هو ابن العميد، لأنه أكثر من مكرماته ومواهبه، حتى أدى ذلك إلى الفرح الغالب علي، وأدى ذلك إلى الحياء في تقصيري، ولولاه لما كنت ذا حياء، غير أنه جعل مكرماته متجددة عندي فجعلها بمنزلة عوادي.
ما كفاني تقصير ما قلت فيهعن علاه حتّى ثناه انتقاده
ثناه: أي جعله ثانياً. وروى ثناني: أي صرفني.
يقول: كنت قد خجلت من تقصيري في خدمته، فزادني خجلا حين انتقد علي عشري، فلم يكفني قصوري عن وصفه وتقصيري في خدمته، حتى انضم إليه انتقاده.
إنّني أصيد البزاة ولكنن أجلّ النّجوم لا أصطادّ
يعني: أنا أبلغ الشعراء وأقدرهم على الوصف، ولكن معالي ابن العميد أعجزتني عن إدراكها، فلست أصل إلى وصفها، كالبازي لا يمكنه أن يصيد أجل النجوم وهو الشمس.
ربّ ما لا يعبّر اللّفظ عنهوالّذي يضمر الفؤاد اعتقاده
يقول: رب معنى له قد استقر في قلبي، غير أن عبارتي تقصر عنه ولا تلحقه، وأنا أصفه بقلبي، وإن قصر اللفظ عنه.
ما تعوّدت أن أرى كأبي الفضل وهذا الّذي أتاه اعتياده
يقول: لم أمدح مثل أبي الفضل، إذ لم أشاهد له مثالاً؛ فلذلك قصرت عن كنه وصفه، وهذا الذي أتى به من الكرم والجود هو عادة طبع عليها، لا تكلف فيها.
وقيل: معناه ما رأيت مثله ومثل انتقاده، وهو قد رأى مثلي، وما أتاه من انتقاد شعري عادته، وقد فعل قبل ذلك كثيراً.
وهذا يدل على تحرزه من ابن العميد والإقرار له بالفضل.
إنّ في الموج للغريق لعذراًواضحاً أن يفوته تعداده
يعني: قد غرقت في بحر جودك فاعذرني إن عجزت عن إحصائه؛ فإن الغريق معذور إذ لم يقدر على عد أمواج البحر.
وقيل: إن فضائله غرقت فكري، فلم أقدر على وصفها حق الوصف، فكأنها موج وكأنني غريق فيه، لا يمكنني تعداده.
للنّدى الغلب أنّه فاض والشّعر عمادي وابن العميد عماده
الهاء في عماده للندى.
يقول: الغلب للندى حيث فاض علي وغشني بكثرته، لأن عماده ابن العميد، وعمادي الشعر، فمادة الندى أغزر من مادة الشعر.
نال ظنّي الأمور إلاّ كريماًليس لي نطقه ولا فيّ آده
الآد والأيد: القوة، والظن ها هنا: العلم.
يقول: قد أحاط علمي بجميع الأمور، غير ابن العميد، فإن علمي لا يحيط بوصفه، ولا في قوة لاستنباط معانيه، ولا تقوم عبارتي بمدحه.
وقيل: أراد لم يجر في وهمي أني أرى إنساناً ليس لي مثل بلاغته وقوته. يعني: لم يكن في ظني أن في الدنيا أحداً أقصى مني، حتى رأيت ابن العميد. والهاء في نطقه وآده للكريم.
ظالم الجود كلّما حلّ ركبٌسيم أن يحمل البحار مزاده
ظالم: نصب لأنه نعت لقوله: إلا كريماً.
يعني: أن جوده يظلم قصاده؛ لأنه يكلفهم أن يحملوا البحار وهي جوده في مزاودهم وهذا ظلم، لأن أحداً لا يقدر عليه.
غمرتني فوائدٌ شاء فيهاأن يكون الكلام ممّا أفاده
يقول: أفادني فوائد، حتى جعل فيها كلامه: أي تعلمت منه حسن القول، فصار ذلك من جملة ما غمرني من فوائده.
ما سمعنا بمن أحبّ العطايافاشتهي أن يكون فيها فؤاده
يعني: أن كلامه نتيجة عقله ومادة قلبه، فإذا أفاده إنساناً فكأنه أفاده قلبه، وما سمعنا بأحد يهب قلبه في مواهبه.
خلق الله أفصح النّاس طرّاًفي مكانٍ أعرابه أكراده
يقول: خلق الله تعالى ابن العميد أفصح الناس، في بلاد ليس فيها إلا الأكراد، والأعراب فيها غير الأكراد. وهذا أبين لفضله لأنه مقرون بضده.
وأحقّ الغيوث نفساً بحمدٍفي زمانٍ كلّ النّفوس جراده
أحق نصب لأنه مفعول خلق الله يعني: خلق الله تعالى منه غيثاً في زمان كل الناس فيه جراده. والهاء للزمان.
يعني: هو بمنزلة الغيث، والناس كالجراد يفسدون الزرع ويخربون البلاد، فهو أولى بالحمد من كل أحد؛ لأنه ينفع وغيره يضر. وهذا كقول أبي عينية يهجو يزيد بن خالد ويمدح أباه:
أبوك لنا غيثٌ نعيش بسيبهوأنت جرادٌ لست تبقى ولا تذر
مثلما أحدث النّبّوة في العالم والبعث حين شاع فساده
الهاء في فساده للعالم.
يقول: أوجدك الله تعالى في هذا الزمان بعد ما شاع فيه البخل والفساد، كما بعث الله تعالى الأنبياء حين شاع في العالم الكفر والفساد، وهذا كقول الفرزدق:
جعلت لأهل الأرض عدلاً ورحمةًعلى فترةٍ والنّاس مثل البهائم
كما بعث الله النّبيّ محمّداًعلى فترةٍ والنّاس مثل البهائم
زانت اللّيل غرّة القمر الطّالع فيه، ولم يشنها سواده
الهاء في سواده لليل. يعني: أنك زنت زمانك بمحاسنك، ولم يضرك لؤم أهله وفسادهم، كما أن البدر يزين الليل بضيائه، ولا يضره سواد الليل.
كثر الفكر كيف نهدي كماأهدت إلى ربّها الرّئيس عباده
يقول: كثر فكري فيما أهديه إلى ابن العميد في يوم النيروز، كما تهدي إليه عبيده.
لما جعله رباً جعل الناس عبيداً له، تفخيماً وتعظيماً.
والّذي عندنا من المال والخيل فمنه هباته وقياده
يعني: فكرت فلم أجد شيئاً أهديه إليه؛ لأن جميع ما عندي من المال فمن مواهبه، وجميع خيلي مما قاده إلي، فلم أدر ما أهدى إليه.
فبعثنا بأربعين مهاراًكلّ مهرٍ ميدانه إنشاده
يقول: فلما لم أجد ما أبعثه إليه، بعثت بأربعين بيتاً، كأنها أربعون مهراً، وميدان كل بيت منها إنشاده، لأنه إذا أنشد عرف قدره، كما أن المهر إذا جرى عرق عتقه.
وقوله: بأربعين مهاراً ليس بحيد؛ لأن المفسر بعد مثل هذه العقود يكون بلفظ الواحد.
عددٌ عشته يرى الجسم فيهأرباً لا يراه فيما يزاده
يعني: إنما جعلت هذه القصيدة أربعين بيتاً، لأن الأربعين عدد سني الشباب، فإذا تجاوزها الإنسان تناقصت قواه، فالجسم يرى في الأربعين من استكمال القوة ما لا يراه فيما يزاد عليه.
يعني: لم أزد على الأربعين لتكون القصيدة بعيدة عن النقص، حاصلة على غاية الكمال.
فارتبطها فإنّ قلباً نماهامربطٌ تسبق الجياد جياده
نماها: أي نشأها وصنعها.
يقول: ارتبط هذه المهار، فإنها قيدت إليك، وقلبي الذي أنشأها وأحكمها مربط تسبق خيله سائر الخيل.
لما جعل الأبيات مهاراً، جعل قلبه مربطاً لها، لأنها صدرت عنه. واحتفظ بشعري فإنه يفوق كل شعر.
وأنفذت القصيدتان من أرجان إلى أبي الفتح ابن الأستاذ الرئيس بالري، فعاد الجواب يذكر سروره بأبي الطيب والشوق إليه، وأبياتاً نظمها في وصف ما سمع من قبله، وطعن فيها على بعض المتعرضين لقول الشعر، وأظهر فساد قولهم فقال أبو الطيب ارتجالاً والكتاب في يده لموصله:
بكتب الأنام كتابٌ وردفدت يد كاتبه كلّ يد
يقول: ورد كتاب يقوم مقام الكتب كلها، ثم قال: جعل الله يد كل كاتب فداءً ليده.
وقيل: معنى المصراع الأول: مثل معنى المصراع الثاني. فقوله: بكتب الأنام كقوله: بنفسي أي جعل الله جميع كتب الأنام فداء لكتابه، وأيديهم فداءً ليده.
يعبّر عمّا له عندناويذكر من شوقه ما نجد
يقول: هذا الكتاب يعبر عما عندنا من المحبة، ويذكر من الشوق مثل ما أجده في قلبي إليه.
فأخرق رائيه ما رأىوأبرق ناقده ما انتقد
أخرق وأبرق: أي حير.
يقول: لما فض هذا الكتاب حير من رأى خطه، وأدهش من انتقد لفظه. وفاعل أخرق وأبرق ما.
إذا سمع النّاس ألفاظهخلقن له في القلوب الحسد
يقول: إن الناس إذا سمعوا ألفاظه أحدثت ألفاظه الحسد في قلب من حسده، فكل من قرأه حسده على فصاحته.
فقلت وقد فرس النّاطقين:كذا يفعل الأسد ابن الأسد
فرس الناطقين: أي غلبهم وقهرهم، كما يقهر الأسد فريسته، أي لما رأيته وقد حير كل ناطق، قلت: هكذا يكون من ورث البلاغة من آبائه وأجداده.
وأحضرت مجلس الأستاذ أبي الفضل مجمرة قد حشيت بنرجس وآس، حتى خفيت نارها، فكان الدخان يخرج من خلال ذلك، فأنشأ يقول:
أحبّ امرئٍ حبّت الأنفسوأطيب ما شمّه معطس
المعطس: الأنف. وتقدير البيت: هذا أبو الفضل أحب امرئٍ أحبته الأنفس وهذا البخور أطيب شيء شمه المعطس.
ونشرٌ من النّدّ لكنّمامجامره الآس والنّرجس
أي: وأطيب ما شمه معطس: نشر من الند ولكنه في مجمرة من بخور. جعلها لذلك مجامر، وهي مجمرة واحدة.
ولسنا نرى لهباً هاجهفهل هاجه عزّك الأقعس؟؟!
الأقعس: الثابت الممتنع وهاء هاجه للند.
يقول: لسنا نرى ناراً تحرقه وتهيج رائحته، فلعل عزك هاجه، حتى انتشر ريحه.
وإنّ القيام الّتي حولهلتحسد أرجلها الأرؤس
القيام: جمع قائم.
يقول: إن الغلمان والخدم القيام تشتهي رءوسها أن تباشر الأرض في الوقوف بين يديك تشرفاً بخدمتك، فتحسد الأرجل لذلك.
وقيل: أراد أن الرءوس تحسد الأرجل؛ لأنها تمنت أن تسعى في خدمتك كما تسعى الأرجل.
وقال أيضاً يمدحه ويودعه فيها، لما أراد الخروج إلى عضد الدولة في شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلاث مئة:
نسيت وما أنسى عتاباً على الصّدّولا خفراً زادت به حمرة الخدّ
الخفر: الحياء، والصد: يجوز أن يكون من المتنبي، ويجوز أن يكون منها، وهو الأولى؛ ولهذا زادت حمرة وجهها عند عتابه إياها.
يقول: نسيت كل شيء مر علي ولم أنس عتابي لحبيبتي على صدها، أو عتابها إياي على صدي عنها، وكذلك لا أنسى حمرة وجهها التي زادت من الحياء.
وروى: نسيت على ما لم يسم فاعله. أي: نسى عهدي ولم أنس أنا عهدهم.
ولا ليلةً قصّرتها بقصورةٍأطالت يدي في جيدها صحبة العقد
امرأة قصيرة وقصورة: ممنوعة من التصرف؛ صيانةً لها.
يقول: ولم أنس ليلةً جعلتها قصيرةً بامرأة مقصورة: أي صارت ليلتي تلك قصيرة لطيبها، فعانقتها وأطالت يدي صحبة عقدها في عنقها.
ومن لي بيومٍ مثل يومٍ كرهتهقربت به عند الوداع من البعد
أي لما فيه من البعد، فصرت الآن أتمناه، لأحظى فيه بالنظر والتسليم، وقوله: ومن لي بيوم أي من يرد علي مثل ذلك اليوم.
وألاّ يخصّ الفقد شيئاً لأنّنيفقدت فلم أفقد دموعي ولا وجدي
أي: ومن لي بألا يخص الفقد شيئاً دون شيء، وإنما تمنيت ذلك، لأني فقدت محبوبي، ولم أفقد دموعي عليه، ووجدي لفراقه، فهلا إذ فقدته فقدت دموعي ووجدي عليه.
تمنٍّ يلذّ المستهام بمثلهوإن كان لا يغني فتيلاً ولا يجدي
الفتيل: الخيط الذي يكون في شق النواة.
يقول: قولي هذا تمن يتلذذ المستهام به، وإن كان لا يغني شيئاً. وجمع بين يجدي ويغني لاختلاف اللفظين.
وغيظٌ على الأيّام كالنّار في الحشاولكنّه غيظ الأسير على القدّ
أي: وما أقوله غيظ مني على الأيام، وهذا الغيظ تأثيره في كتأثير النار في الحشا. ولكن غيظ لا يغني عن الأيام شيئاً فيغيظني عليها، مثل غيظ الأسير على القد.
وهذا مأخوذ من قول علي ﵁: غضب الخيل على اللجم.
فإمّا تريني لا أقيم ببلدةٍفآفة غمدي في دلوقي من حدّي
الدلوق: مصدر دلق السيف من الغمد: إذا انسل من غير أن يسله أحد، وسيف دلوق ودالق: سريع الانسلال.
يقول: إن كنت لا أقيم ببلدة فليس ذلك لأن البلد غير طيب، ولكن آفة ذلك من نفسي؛ لأن بعد همتي لا ترضى بلداً ولا تدعني أستقر في مكان، فأنا كالسيف الذي يأكل غمده فيتسع عليه، فيقلق فيه، كما أن السيف سبب قلقه في جفنه، مضاء حده، كذلك أنا سبب انزعاجي من كل بلدة بعد همتي وشرف مطلبي.
يحلّ القنا يوم الطّعان بعقوتيفأحرمه عرضي وأطعمه جلدي
يقال: نزل بعقوته: إذا نزل بفنائه قريباً منه وعرض الرجل: موضع المدح والذم. وقيل: أراد ها هنا شرف آبائه.
يقول: إذا أحدق بي الطعن يوم القتال لا أفر منه، مخافة أن يعاب حسبي ولكني أصبر وأمكن الرماح من جلدي حماية لعرضي وحسبي.
تبدّل أيّامي وعيشي ومنزلينجائب لا يفكّرن في النّحس والسّعد
فالع تبدل: نجائب.
يقول: إن الإبل النجائب تبدل هذه الثلاثة مني، فأكون في راحة وإقامة، ويوماً على خلافها، وتارةً أكون في عيش هنيء، وتارة في جهد، ويوماً في منزلي، ويوماً في آخر.
يعني: أني لا أستقر في كان فإذا هممت بأمر ركبت نجائب، ولم أفكر في طالع نحس أو سعد، ولا يردني عن مرادي نحوسة ولا نحس ولا أبالي به.
وأوجه فتيانٍ حياءً تلثّمواعليهنّ لا خوفاً من الحرّ والبرد
وأوجه: عطف على نجائب: أي تبدل إياي نجائب وأوجه غلمان، قد تلثموا عليها حياءً لصباحتها وطلاقتها، والضمير في عليهن للأوجه. وقيل: حياءً ممن به يتعرضون له بالسبي والغارة، ولم يتلثموا عليها خوفاً من الحر والبرد.
يعني: أنا أبداً أسير على هذه النجائب مع هؤلاء الغلمان.
وليس حياء الوجه في الذّئب شيمةًولكنّه من شيمة الأسد الورد
أسد ورد: إذا كان لونه يضرب إلى الحمرة، ولما وصف غلمانه بالحياء بين أن ذلك من وصف الأسد، فكما أن الحياء لا يمنعه من إقدامه، فكذلك حياء هؤلاء. إذ الوقاحة من صفة الذئب، لخسته، والحياء عادة الأسد.
إذا لم تجزهم دار قومٍ مودّةٌأجاز القنا والخوف خيرٌ من الودّ
أجازه: أي أفضى به إلى الاجتياز.
يقول: إذا لم تمكن هؤلاء الغلمان المودة من الاجتياز بديار قوم، أمكنهم منه القنا: أي إذا عبروا بديار قوم ليس بينهم مودة ومسالمة، عبروا بها قهراً وغلبةً، والخوف خير من الود: أي: إن حصولك على مرامك قهراً أشرف من وصولك إليه مسالمةً ووداً، وهذا مثل قولهم: رهبوت خير من رغبوت.
يحيدون عن هزل الملوك إلى الّذيتوفّر من بين الملوك على الجدّ
يعني: هؤلاء الفتيان يحيدون عن الملوك الذين هم أصحاب الهزل، ويقصدون الذي توفر: أي كثر فيه الجد، فرفضوا الهازل وأقبلوا على الجاد يعني ابن العميد.
ومن يصحب اسم ابن العميد محمّدٍيسر بين أنياب الأساود والأسد
يقول: من سار بذكر اسم ابن العميد، أمكنه أن يمر بين أنياب الحيات، ومخالب الأسود. ولا تتعرض له، هيبةً لابن العميد. وجر محمد بدلاً من ابن العميد ويجوز نصبه على أن يكون بدلاً من اسم.
يمرّ من السّمّ الوحيّ بعاجزٍويعبر من أفواههنّ على درد
الوحي: السريع. والدرد: جمع الأدرد، وهو الذي تساقطت أسنانه.
يقول: من صحب اسمه يتخلص من السم الوحي، الذي يكون من الحيات: أي أن الأساود يعجز سمها عنه، فلم تضره، وأمسكت عنه أفواهها الأسود، فلم تعمل فيه، فكأنها ساقطة الأسنان.
كفانا الرّبيع العيس من بركاتهفجاءته لم تسمع حداءً سوى الرّعد
يقول: قد صارت الدنيا كلها ربيعاً ببركاته فكفانا هذا الربيع أمر العيس، في طلب العلف والكلأ لها، فما سرنا من الأرض إلا صادفنا فيه الماء والمرعى، فجاءته هذه العيس من غير حداء حاد سوى الرعد.
إذا ما استحين الماء يعرض نفسهكرعن بسبتٍ في إناءٍ من الورد
استحين الماء: عداه بنفسه يقال: استحيته واستحيت منه. السبت: جلود تدبغ بالقرظ فتلين - شبه بها مشافر الإبل لرقتها. وكرعن: أي شربن.
يقول: إنا كنا نسير بين رياض زاهرة، ومياه جارية، فإذا عرض الماء نفسه على الإبل استحيت من كثرة عروضه، وكرعت فيه بمشافر كأنها السبت، في إناء كأنه من الورد، لكثرة الأزهار حوله.
كأنّا أرادت شكرنا الأرض عندهفلم يخلنا جوٌّ هبطناه من رفد
الجو: المتسع من الأرض.
يقول: كأن الأرض أرادت منا أن نشكرها عند الممدوح، فكل موضع نزلناه منها كان فيه رفدها.
لنا مذهب العبّاد في ترك غيرهوإتيانه نبغي الرّغائب بالزّهد
يقول: تركنا غيره من الملوك وأتيناه، نبغي أضعاف رفد غيره، كما أن الزهاد تركوا متاع الدنيا ليصلوا إلى نعيم الأبد.
رجونا الّذي يرجونه في كلّ جنّةٍبأرجان حتّى ما يئسنا من الخلد
يقول: رجونا أن ننال بأرجان جميع ما يرجوه الزهاد في الجنة من النعيم، حتى رجونا الخلود ولم نيئس منه.
تعرّض للزّوّار أعناق خيلهتعرّض وحشٍ خائفاتٍ من الطّرد
الطرد: مصدر طردت الصيد، إذا طلبته.
يعني: أن خيله تنظر إلى زواره نظراً شزراً خوفاً من أن يهبها لهم، فكأنها وحش خافت من الطرد، فتمد أعناقها إلى الصائد. وقوله: تعرض للزوار: أي توليهم عرضها: أي جانبها.
وتلقي نواصيها المنايا مشيحةًورود قطاً صمٍّ تشايحن في ورد
مشيحةً: أي مجدة، وتشايحن: أي أسرعن وجددن في الطيران.
وقيل: مشيحةً: أي مزدحمة، وتشايحن: أي ازدحمن. والورد: الماء بعينه والورود إتيان الماء.
يقول: إن خيله تكره الانتقال عنه إلى زواره، وتسرع إلى الموت بين يديه، كما تسرع القطا إلى ورود الماء.
جعلها صماً لتكون أسرع في طيرانها واقتحامها على الماء؛ لأنها لا تسمع شيئاً يردها عنه. أي تختار لقاء الموت بين يديه على انتقالها من عنده إلى زواره.
وتنسب أفعال السّيوف نفوسهاإليه، وينسبن السّيوف إلى الهند
الهاء في نفوسها للأفعال. يعني: أن السيوف إنما تعمل في يده، فأفعالها تنسب إليه فيقال: هذه ضربة عميدية، كما يقال: سيوف هندية.
إذا الشّرفاء البيض متّوا بقتوهأتى نسبٌ أعلى من الأب والجدّ
الشرفاء: جمع شريف، والبيض: الكرام السادة. متوا: أي توصلوا. بقتوه: أي خدمته.
يقول: إذا انتمى الكرام السادة إلى خدمته، كان ذلك لهم أشرف من انتمائهم إلى الآباء والأجداد الشرفاء. فقولهم: فلان خادم ابن العميد، خير له من النسب الشريف!
فتىً فاتت العدوى من النّاس عينهفما أرمدت أجفانه كثرة الرّمد
العدوى: أن يقرب البعير الجرب إلى الصحيح فيصير جرباً مثله.
يقول: كثرت العيوب في الناس وعمهم اللؤم! لكنه قد سار عن لؤمهم ولم تتعد إليه أخلاقهم، فكأن عينه أبت أن تقبل عدوى عيوب الناس إليها.
وضرب الرمد مثلاً لما ذكر العين.
وخالفهم خلقاً وخلقاً وموضعاًفقد جلّ أن يعدي بشيءٍ وأن يعدي
يعني: خالف الناس في خلقه وخلقه وموضعه من الشرف، فلا يلحقه فسادهم ولا يعدي إليه منهم شيء.
يغيّر ألوان اللّيالي على العدىبمنشورة الرّايات منصورة الجند
يغير: أي يجعل سواد الليل بياضاً، ويغيرها عليهم حتى يجعلها كالنهار، بجيوش قد نشروا راياتهم ونصرت جنودهم.
وتغييرهم الليالي: هو أن يقلب سوادها ببريق سيوفهم إلى ضوء النهار أو بالنيران التي ألقاها في ديار عدوهم.
إذا ارتقبوا صبحاً رأوا قبل ضوئهكتائب لا يردي الصّباح كما تردى
الرديان: ضرب من السير السريع.
يعني: أن الأعداء إذا نظروا الصبح، رأوا كتائبه تسبق الصبح، فهي تردى في السير أسرع ما يردى الصباح.
ومبثوثةً لا تتّقي بطليعةٍولا يحتمى منها بغورٍ ولا نجد
يعني: ورأوا خيلاً مبثوثة لا يقدر أن يعتصم منها بطليعة من الطلائع، ولا في مكان عال ولا منخفض.
يغضن إذا عدن في متفاقدٍمن الكثر غانٍ بالعبيد عن الحشد
يغضن: أي يختفين ويغللن. في متفاقد: أي يفقد بعضهم بعضاً لكثرتهم.
يعني: أن خيلك إذا عدن من حيث توجهن، غاضت في جيشك كما يغيض النهر في البحر.
وروى: يغرن أي يدخلن فيه. ومنه قولهم: غارت عينه: أي دخلت في الرأس، ثم بين أنه مستغن بكثرة عبيده الذين هم ملكه، عن الجند والحشد.
حثت كلّ أرضٍ تربةً في غبارهفهنّ عليه كالطّرائق في البرد
يقول: هو كثير الغزوات، يغزو سائر الأرضين، فلكل أرض تربة في غباره مختلفة الألوان، فإذا مر عسكره بأرض سوداء أو حمراء أو غبراء علاه لون كل تربة من الأرضين، فهو عليه كالطرائق المخططة على البرد.
فإن يكن المهديّ من بان هديهفهذا، وإلاّ فالهدى ذا، فما المهدي؟!
يقول: إن كان المهدي الذي ينتظر، من بان هديه وانتشر عدله، فهذا هو ذلك المهدي؛ لظهور طريقته وعدله، وإن لم يكن كذلك، فسيرة هذا الممدوح هي الهدى فما معنى قولنا المهدي بعد هذا!.
يعلّلنا هذا الزّمان بذا الوعدويخدع عمّا في يديه من النّقد
الهاء في يديه للزمان.
يقول: إن الزمان يعد بخروج المهدي بعد ابن العميد، فكأن الزمان يخدعنا عن هذا الحاصل ويمنينا بالغائب.
هل الخير شيءٌ ليس بالخير غائبٌأم الرّشد شيءٌ غائبٌ ليس بالرّشد؟!
تقديره: هل الخير شيء غائب، ليس بالخير الحاضر، وكذلك في الرشد.
يقول: هل هنا خير ورشد غائبان، غير هذا الخير والرشد اللذين نشاهدهما الآن، حتى ندع هذا الحاضر للغائب الذي لا حقيقة له، فكذلك لا نترك المهدي الحاضر للغائب المنتظر.
أأحزم ذي لبٍّ وأكرم ذي يدٍوأشجع ذي قلبٍ وأرحم ذي كبد
الهمزة للنداء، وأكرم: تفخيماً أو تقريراً لمناقيه فكأنه قال: يا أحزم الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس، وأرحم الناس.
وأحسن معتمٍّ جلوساً وركبةًعلى المنبر العالي أو الفرس النّهد
الفرس النهد: المشرف.
يقول: يا أحسن من يلبس العمامة في حال ما يجلس على المنبر العالي عند الخطبة، على ما جرت به عادة الملوك في صدر الإسلام، وقيل: أراد بالمنبر: سرير الملك، ويا أحسن من يلبس العمامة في ركوبه على الفرس.
تفضّلت الأيّام بالجمع بيننافلمّا حمدنا لم تدمنا على الحمد
يقول: يا أيها الموصوف بالخصال المذكورة، إن الأيام ابتدأتني بالإحسان، فجمعت بيننا، فلما حمدناها لم تدمنا على هذا الحمد، بل أذنت في انصرافي عنك! وجعل الحمد منهما جميعاً: أي كنت تحب الاجتماع معي، كما كنت أحبه، فلكل واحد منا حمد الأيام على اجتماعه مع صاحبه، وهذا تعظيم منه لأمر نفسه كما هو تعظيم للممدوح.
جعلن وداعي واحداً لثلاثةٍ:جمالك والعلم المبرّح والمجد
أي جعلن الأيام وداعي وداعاً واحداً، أودع به ثلاثة أشياء في وقت واحد: جمالك، وعلمك، ومجدك.
وقوله: والعلم المبرح أي الزائد على سائر العلوم.
وقد كنت أدركت المنى غير أنّنييعيّرني أهلي بإدراكها وحدي
أي: أدركت المنى بلقائك، غير أن أهلي يعيروني إذا لم أشاركهم فيما نلته، فأرجع إليهم لأشاركهم.
وكلّ شريكٍ في السّرور بمصبحيأرى بعده من لا يرى مثله بعدي
المصبح: الإصباح. والهاء في بعده راجعة إلى كل شريك. وفي مثله لابن العميد.
يقول: كل من شاركني من أهلي في السرور بمصبحي عندهم، فإني إذا فارقته رأيت بعده، ولا يرى مثله إذا فارقني، فإني أعتاض عن فراقه ملكاً يغنيني ولا يعتاض هو من فراقي أحداً، فلا أمنعه السرور بما أستفيده.
كأنه يشير إلى أنه يرجع إليه.
فجد لي بقلبٍ إن رحلت فإنّنيأخلّف قلبي عند من فضله عندي
أي: هب لي قلباً أرتحل به عنك، فإني أترك قلبي عندك، من فضلك الذي عندي.
فلو فارقت نفسي إليك حياتهالقلت أصابت غير مذمومة العهد
أي: لو فارقت نفسي الحياة وآثرتك عليها لصوبت رأيها في اختيارك وما ذممت عهدها في هذه المفارقة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع