تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال خفاف بن ندبة

أعباس إن الذي بينناأبى أن يجاوزه أربع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أعباس إن الذي بيننا»

المخاطب عباس بن مرداس، ومراد الشعر أن يقول: يا عباس، إن الحرمات الأربع التي تجمعنى وإياك، مننعت أن يتخطاها ما بيننا من الشر، فهو يقف دونها، ويقصر عن تجاوزها. وظاهر الكلام فيه قلبٌ، لأنه جعل الفعل الذي هو المجاوزة للأربع، والأربع هي الآبية من أن يجاوزها ما حدث بينهما. وصلح ذلك لأن المراد

لا يلتبس من الكلام. وعلى هذا قول الآخر:

كما اسلمت وحشيةٌ وهقا

لأن الوهق يسلم الوحشية. ويمكن أن يقال: إذا تعدى أحد الشيئين صاحبه فقد صار الآخر كأنه تعداه، وإذا كان كذلك ساغ لأن يجعل لكل واحد منهما المجاوزة.

علائق من حسبٍ داخلٍمع الإل والنسب الأرفع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أعباس إن الذي بيننا»
وأن ثنية رأس الهجاء بين وبينك لا تطلع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أعباس إن الذي بيننا»

هذا تفسير الخصال الأربع التي أجملها. والعلائق، جمع علاقة، وهو ما يتعلق به من الشيء أو يعلق به الشيء. وقوله من حسبٍ داخل مع الإل، فالحسب: الشرف. والإل: العهد. ومعنى داخلٍ معه، أي مختلطٌ به. والنسب الأرفع يجوز أن يكون يعني به النسب من قبل الأب، لأنه أرفع النسبين، ويجوز أن يعنى النسب الرفع العلي. وقد حصل إلى هذه الغاية من العلائق الثلاثٌ: حسبٌ، ونسبٌ، وعهدٌ بينهما، والعلاقة الباقية هي مذكورةٌ في البيت الذي يليه، وهو قوله:

وأن ثنية رأس الهجاء بيني وبينك لا تطلع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أعباس إن الذي بيننا»

كأنهما كانا تعاقدا أن لا يهجو أحدهما صاحبه، لا يذكره في الشعر ناحتاً أثلته. وجعل لرأس الهجاء عقبةً تثنى بشقتها من يريد قطعها. ويقال طلع الثنية واطلعها، إذا أشرف عليها. فإن قيل: وما الفصل بين الحسب؟ قلت: إن الحسب ما يعد من الخصال الكريمة، وترى الحسيب يوجب للحسيب ويعرف له بحسبه محلاً وقدراً، وإن لم يكن بينهما قربى ولا قرابةٌ. والنسب يريد به الرحم والقرابة. فإن قيل: فما معنى الإل، وما الفرق بينه وبين الخصلة الرابعة، وهي التعاقد على ترحك الهجاء واطراحه؟ قلت: الإل: العهد، بذلك فسره أبو عبيدة في قوله تعالى: " لا يرقبون في مؤمنٍ إلا ولا ذمةً ". كأنهما كانا تواثقا على أن لا يدبر كل واحدٍ منهما على صاحبه، ولا يسعى في نصب المكايد له فهذا ميثاقٌ بينهما ثم اتفقا أيضاً على أن لا يتهاجيا. وإذا كان كذلك فالفصل بين الأمرين ظاهر، كما ظهر بين الحسب والنسب.

وأبغض إلى بإتيانهاإذا أنا لم أنسها أدفع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أعباس إن الذي بيننا»

قوله وأبغض إلى بإتيانها استعير فيه بناء الأمر للخبر، لأن معناه التعجب والتعجب خبرٌ، وهم يستعيرون المباني للمعاني، كما يستعيرون الجمل والمفردات. وهذا كما يستعار بناء الخبر للأمر كقوله: والمطلقات يتربصن ". وموضع بإتيانها رفعٌ على أنه فاعلٌ، كأنه قال بغض إتيانها إلي جداً. يقول: ما أبغض إتيان عقبة الهجاء واطلاعها إلي، لأني أربأ بنفسي عنه وقدري، وأصون منه ديني وعرضي، وأتناسى فعل ذلك فلا يكون من همي. ولو لم أتركها تأثماً وتكرماً ثم أراد مناقضتك ومقاذعتك، لكان ما تعاقدنا عله من تركه يدفعني عنه، ويمنعني منه. فإذا ظرفٌ لقوله أدفع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٩)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.