من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حريث بن عنابٍ (٢)
لما رأيت العبد نبهان تاركيبلماعةٍ فيها الحوادث تخطر
نصرت بمنصورٍ وبابنى معرضٍوسعدٍ وجبارٍ بل الله ينصر
ولله أعطاني المودة منهموثبت ساقي بعد ما كدت أعثر
لما علمٌ للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، وجوابه نصرت. وأراد بني نبهان فذكر الجد والمراد القوم، وسمى نبهان العبد تهجيناً له، ورمياً إياه باللؤم. واللماعة: المفازة يلمع فيها السراب. وجعلها مخوفةً لا تؤمن فيها نوائب الدهر، وحوادث الموت. ومعنى تخطر تحدث وتعترض. ويقال رمحٌ خطارٌ، أي شديد الاهتزاز، ومنه خطران الفحل بذنبه عند الصيال. فيقول: لما وجدتهم متخلفين عني وتاركين لي بمفازةٍ هذه صفتها، استنصرت غيرهم فنصرني الله بالأقوام الذين ذكرتهم. ولا يمتنع أن يكون اللماعة كنايةً عن الأمر الشديد والداهية المنكرة. ويكون قوله تاركي بلماعةٍ كما يقال تركته بحالة سوءٍ، وبآخر رمقٍ، وما يجري مجراه. وقوله فيها الحوادث تخطر جعله مثلاً لما لم يكن يأمنه من فنون الحوادث، وصروف المتالف. ثم أخذ يشكر الله على ما عطف عليه من ميل الأقوام الذين أغاثوه، وثنى إليه من نصرهم، وعلى تثبيت قدمه بعد ما كادت تزل به، وتلافيه بحسن الاستمساك، عند ما ظن من إشراف الهلاك.
إذا ركب الناس الطريق رأيتهملهم قائدٌ أعمى آخر مبصر
الضمير من قوله لهم قائد يجوز أن يكون لناصريه، وهم الذين سماهم، ويكون الكلام مدحاً وما بعد هذا البيت يتلوه في ذلك ويتبع. ويجوز أن يكون لخاذليه بني نبهان، ويكون الكلام ذماً، وما بعده يطرد معه ويذهب. ووجه المدح أن يكون المراد بقوله إذا ركب الناس الطريق إذا انتوى الناس نياتهم، فسلكوا في مناجعهم ومزالفهم، ومتصرفاتهم ومناقلهم، وطرائقهم الآمنة، رأيت هؤلاء القوم لعزهم ومنيعتهم يسيرهم الليل والنهار، ويقودهم الظلم والأنوار، لا يحذرون منيعاً، ولا يخافون مغيراً، ولا ينأى عنهم استباحة حمىً، ولا يعرض لهم حيثما توجهوا أذىً. فالقائد الأعمى هو الليل، والآخر المبصر هو النهار. ووجه الذم أنهم لجهلهم وسوء تأتيهم، إذا أبصر الناس مراشدهم واستبصروا فيما يقدمون عليه أو يحجمون عنه وحدت هؤلاء القوم يستضيئون برأي كل أحدٍ، ويستشيرون كل ذي نحلةٍ ومذهب، فيرشدهم جماعة ويغويهم آخرون، على حسب اختلاف الآراء والمقاصد، لا بصيرة تمسكهم، ولاعزيمة تغلبهم وتجذبهم، فهم تبعٌ لكل ناعقٍ، وجوابٌ لكل نادبٍ.
لهم منطقان يفرق الناس منهماولحنان معروفٌ وآخر منكر
إذا جعل الكلام مدحاً على ما قدمته ورتبته يكون معنى لهم منطقان أنهم خطباء شعراء، فالناس يرهبون نظمهم ونثرهم، ويهابون ألسنتهم وأقوالهم في مجالس الملوك، وأندية الاحتفال. ومعنى ولحنان معروفٌ وآخر منكر أن لهم اصطناعاً لمواليهم فلحنهم فيه لحن معروفٌ حسنٌ مرجوٌ، واستئصالاً لمعاديهم فلحنهم فيه لحن منكرٌ مخوفٌ. وفي طريقة هذا الوجه قول نصيب:
يحيون بسامين طوراً وتارةًيحيون عباسين شوس الحواجب
واللحن: المعاريض، وفي القرآن: " ولتعرفنهم في لحن القول ". وأصله العدول والميل عن الظاهر. وإذا جعل ذماً لأولئك القوم يكون المعنى أنهم ذوو وجوهٍ في لقاء الناس مختلفةٍ، وأقوالٍ غير صادقةٍ، فكل منهم منطقان: أحدهما في التقول والتنفق، والآخر في البهت والتخرص، عرفهما الناس فهم يفرقون منهما. ولهم تعريضان بعدهما: أحدهما يعتادونه عند نكث العهود ونقض العقود، وقد عرفه الناس فهو مشهور من أفعالهم؛ والآخر يتعاطونه عند إعمال حيلةٍ، وإمضاء غيلةٍ، فهو خافٍ بعد منكور.
لكل بني عمرو بن عوفٍ رباعةٌوخيرهم في الخير والشر بحتر
قوله لكل بني عمرو بن عوف رباعةٌ، أي لكل واحد منهم أمرٌ مستقيمٌ، وتدبيرٌ مرضي، وأفضلهم في السراء والضراء بحتر بن عتود. ويقال: ما في بني فلان أحدٌ يضبط رباعتهم غير فلانٍ، أي أمرهم وشأنهم. الناس على ربعاتهم ورباعتهم، أي على استقامتهم. وحكي: تركناهم على سكناتهم وربعاتهم، أي على حالتهم الحسنة. ولا يقال ذلك في غير الحسن. وحكي أيضاً: هو على رباعة قومه، وهو ذو رباعة قومه، أي سيدهم ومدبرهم. فعلى هذا يجوز أن يكون المعنى لكلهم ذو رباعةٍ، فحذف المضاف. ويؤيد هذا قوله وخيرهم في الخير والشر بحتر ". وقد حكى في هذه الأبيات معان غريبةٌ فتفهمها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع