من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض اللصوص من طيئٍ
ولما أن رأيت ابني شميطٍبسكة طيئٍ والباب دوني
تجللت العصا وعلمت أنيرهين مخيسٍ إن أدركوني
الشعر لبعض المتلصصة، وكان أنهى حاله إلى أمير المؤمنين على ﵇ وهو بالكوفة، فوجه في طلبه ابنى شميط، فأحس بذلك وركب فرسه العصا فنجابه، وذكر قصته في هذه الأبيات. وقوله والباب دوني يعني باب البلد والمسالح. وقوله تجللت العصا جواب لما، أي ركبته على جله ومل أتلوم لإسراجه، خوفاً على نفسي، وعلماً أني إن توقفت أو دعي السجن مرتهناً بما كسبت يدي. ومخيسٌ: اسم سجنٍ بناه أمير المؤمنين ﵇. والتخييس: التذليل، أصله في الكد.
على هذا قال النابغة:
وخيس الجن إني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفا والعمد
ويقال في الشتم: خيس أنفه فيما يكره، كما يقال أرغم أنفه.
ولو أني لبثت لهم قليلاًلجروني إلى شيخٍ بطين
شديد مجامع الكتفين باقٍعلى الحدثان مختلف الشئون
قوله قليلاً يجوز أن يكون ظرفاً، يريد زماناً قليلاً، ويجوز أن يكون صفة لمصدرٍ محذوفٍ، يريد لبثاً قليلاً. فيقول: لم أتمكث للطالبين لما عرفت الحال، ولم أتمكث للطالبن لما عرفت الحال، ولم أتباطأ معرجاً على إعداد شيء، ولو ظفروا بي لجروني إلى حضرة رجلٍ عظيم البطن شيخٍ، وذلك صفة أمير المؤمنين ﵇. ولقد روى عن النبي صلوات الله عليه في عظم بطنه أنه قال: " هو لكثرة علمه ". وقوله " شديد مجامع الكتفين " من صفته إلى آخر البيت. يريد أنه شديد الزهر، قوي المتن، مجتمع الخلق، وذلك خلقة الأسد. وقوله باقٍ على الحدثان يعني صبره في حوادث الدهر، وانتصابه في وجوه بغاة الجور، لا يأخذه في طلب الحق وإمضائه لومة لائم، واعتراض ممانعٍ، ولا يلفته عن هديه وسننه كراهة كارهٍ، وقعدة خاذلٍ. وقوله مختلف الشئون يعني طرائقه في زهده وعلمه وورعه، وبأسه وإقدامه في ذات الله، وجبنه عن محارم الله، وتعففه عن احتجاز المطامع، وابتناء المصانع، مع قلة الاحتفال باكتساب رضا خلقه، إذا أداه إلى سخط ربه، إلى ما لا يكاد يجتمع إلا في مثله، ويطول الكلام بعده وضبطه. وفي هذه الطريقة وإن اختلف الوصفان والموصوفان قول الآخر:
قليل التشكي للمهم يصيبهكثير الهوى شتى النوى والمسالك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع