من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبان بن عبدة بن العيار
إذا الدين أودى بالفساد فقل لهيدعنا ورأساً من معدٍ نصادمه
الدين يجوز أن يراد به الطاعة والائتلاف ها هنا. ومعنى أودى بالفساد: هلك بفساد ذات البين. ويجوز أن يراد به دين الإسلام، ومعنى أودى بالفساد أوقع بما ظهر
من ولاة الأمر، جعلوا الخلافة ملكاً، وفيء المسلمين ملكاً. وقيل أراد بالفساد الحرب المعروفة بحرب الفساد، وسميت بذلك لتناهي الشر والحقد بين أهلها، ويقال إن الواحد منهم كان يخصف نعله بأذن مقتوله ويشرب الماء في قحف رأسه. ويكون المراد بالدين في هذا الوجه ائتلاف العشيرة، لأن هذه الحرب كانت في أحياء طييءٍ. والرأس: الجماعة الكثيرة. قال:
ورأس أعداءٍ شديدٍ أضمهسرنا إليه إذا غزانا أعظمه
وقوله نصادمه أي ندافعه ونصاكه. فيقول: إذا ارتفعت دعوة الاتفاق والائتلاف من بين العشائر، وبطلت طاعة بعضهم للبعض، وسقط التعاون والتجمع منهم بما يعمهم من المباينة، ويظهر فيهم من أثر العقوق والمشاقة، فقل له ليتركنا وجيشاً عظيماً من قبائل معدٍ ندافعه ونحاربه. وإذا كان بيننا التوازر والتألف لم نبال بقبائل معدٍ كلها. قوله " نصادمه " في موضع الحال، أي مصادمين له. وقوله " يدعنا " إن شئت قلت انجزم بلام الأمر وقد حذف، كأنه قال: قل له ليدعنا. وإن شئت قلت انجزم على أن يكون جواب أمرٍ محذوفٍ، كأنه قال: قل له دعهم يدعنا. وعلى هذا قوله ﷿: " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة "، كأنه قال قل له لهم افعلوا يفعلوا.
ببيضٍ خفافٍ مرهفاتٍ قواطعٍلداود فيها أثره وخواتمه
الباء من قوله " ببيضٍ " تعلق بنصادمه من البيت الأول. ويعني بها السيوف. وجعلها خفافاً لسرعة الضاربين بها في إعمالها. والمرهفات: المرققات الحد، المواضي في الضرائب. وقال: لداود فيها خواتم، يريد عتقها. وداود ﵇ إنما سرد الدروع لما لين الله الحديد له معجزةً لا السيوف، لكن القصد إلى العتق والقدم، لا إلى الطبع والعمل. وقيل فيه إنه قدر أن الأمر في نسبة السيوف والدروع إلى داود على سواءٍ، لجهله. والأثر: فرند السيف. وذكر الخواتم مثلٌ، أي هي مما اتخذ في أيامه، واستعمل تحت خواتمه.
وزرقٍ كستهار يشها مضرحيةٌأثيثٌ خوافي ريشها وقوادمه
بجيشٍ تضل البلق في حجراتهبيثرب أخراه وبالشأم قادمه
يعني بالزرق نصالاً مجلوةً قذذت بريش صقرٍ. والمضرحي: الكريم من الصقور، وقيل هو ما طال جناحاه منها؛ وتوسع فيه فقيل للسيد السري هو مضرحيٌ. وقال " كستها ريشها مضرحيةٌ " على المجاز، لما كان القذذ من جناحها. وجعل في القوادم - وهي كبار الريش - وفي الخوافي - وهي صغاره - أثاثةً وجثولةً، نفياً للحرق والفساد عنها. وذكر أثيثاً لأنه أجري مجرى الفعل، وتأنيث الخوافي ليس بحقيقي. وقوله " بجيشٍ تضل البلق في حجراته " يصفة بالكثرة - ألا ترى أنه جعل له حجراتٍ، وهي النواحي، واحدتها حجرةٌ. وفي المثل " يربض حجرةً ويرتعي وسطاً " - وأن البلق من الخيل على شهرتها إذا ضلت عن أربابها فذهبت في جوانبه لم يهتد إليها. وقوله " بيثرب أخراه " يعني مدينة الرسول ﵇. يريد أن جيشه يأخذ من الأرض، لكثرته، ما بين المدينة إلى الشأم.
إذا نحن سرنا بين شرقٍ ومغربٍتحرك يقظان التراب ونائمه
لم يرض بما انتهى إليه من الوصف في كثرته، فزاد وقال: إذا سرنا بين مشارق الأرض ومغاربها طبقنا الأرض بكثرتنا، فتزلزل لنا الطريق المسلوكة وغير المسلوكة. واليقظان: ما وطئ بالأرجل وسلك، فكأن ترابه منتبهٌ. والنائم: الذي لم يوطأ ولم يسلك، فكأن ترابه نائمٌ. وقد أحسن ما شاء في الاستعارة، والطباق بالنوم واليقظة. فأما قول زهير:
يهد له ما دون رملة عالجٍومن أهله بالغور زالت زلازله
فقد حسنه التقسيم وإن كان شأوه مقصوراً عن شأو هذا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع