تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الكروس بن زيدٍ

رأتين ومن لبسي المشيب فأملتغنائي فكوني آملاً خير آمل

يقول: رأتني هذه القبيلة، وقد قنعني المشيب بخماره، ونجذني الدهر بأحداثه ومصائبه، فعلقت رجاءها بغنائي وكفايتي، وشددت أزرها لما تفرست في نظري وشهامتي، فقويت أملها، وأكدت طمعها، وقلت: كوني آملاً خير آمل. وهذا الكلام يجوز أن يكون معناه دومي على أملك وكوني خير آملٍ، فأصدق ظنك وأحقق طمعك. ويجوز أن يكون دعاءً لها، كأنه قال: جعلك الله خير آملٍ. وخير الآملين من يبلغه الله ما موله، وينيله طلبته وسوله. وإنما قال " كوني آملاً " ولم يقل آملةً، لأن المراد كوني حياً آملاً، فلم يقصد قصدها.

لئن فرحت بي معقلٌ عند شيبتيلقد فرحت بي بين أيدي القوابل
للشاعر الكروس بن زيد الطائي، من قصيدة «لئن فرحت بي معقل عند شيبتي»
أهل به لما استهل بصوتهحسان الوجوه لينات الأنامل

يقول: إن كانت هذه القبيلة سرت بي عند كبرتي، واستكمال رأيي وتجربتي، فحق لها ذلك، فقد استبشرت بي عند ولادتي، وحين هنئت بقدمتي. والقوابل: جمع القابلة، وهي التي تقبل الولد عند الولادة. واللام من قوله لئن دخلت موطئةً للقسم، وجواب القسم المنوي لقد فرحت. وهذا خلاف قول الآخر:

وهنيء بي قومي وما إن هنأتهموأصبحت في قومي وليسوا بمنبتي

وقوله أهل به لما استهل بصوته نقل اللفظ إلى الغيبة بعد أن كان في حديث نفسه، على عادتهم في تصاريفهم. يقول: تباشرت نساء الحي عند ميلادي، فرفعن أصواتهن بالشكر لله والثناء عليه، كما يهل الملبي في الحج، والناظر إلى الهلال، حين وقعت عن أمي، واستهللت ببكائي. وإنما وصف النساء بحسن الوجوه ولين الأبدان، ليدل على أنهن ربائب نعمةٍ وذوات نعمةٍ، لم يقاسين شقاء عيشٍ، ولم يكتسين جلابيب فقر.

وقال قوالٌ:

قولا لهذا المرء ذو جاء ساعياًهلم فإن المشرفي الفرائض

قوله ذو جاء ساعياً ذو بمعنى الذي، وهي لفظةٌ طائيةٌ تجيء بهذه الصورة في كل حالٍ ولا تغير. وقوله هلم لهم فيه طريقان: منهم من يجعله اسماً للفعل فلا يغيره عن حاله في المؤنث والتثنية والجمع، وهم أهل الحجاز. وفي القرآن: " والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ". ومنهم من يجعله هاء التنبيه وقد ركب مع لم وهو فعلٌ، فيثنيه ويجمعه ويؤنثه. وعلى الطريقتين جميعاً يكون ميمه مفتوحة ولا يجريه مجرى رد وزر، فيكسر آخره ويضم وإن كان فعلاً، وذلك لأن التركيب قد غيره فسلب بعض أحكامه. ومعنى البيت: أبلغا المرء الذي جاء والياً للصدقات ومستوفياً لها: أقبل وتعال، فإن الذي تعطى بدلاً من الفرائض السيف. وهذا في جعله المشرفي هو الفرائض مجازاً، كما قال الآخر:

تحية بينهم ضربٌ وجيع

والفرائض: الأسنان التي تصلح لأن تؤخذ في الصدقات. والمشرفي: السيف نسب إلى المشارف: قرىً لهم كانت تطبع السيوف فيها. وقد حكي في المرء الامرؤ وقد بقى ألف الوصل مع دخول الألف واللام، إلا أنه قيل.

وإن لنا حمضاً من الموت منقعاًوإنك مختلٌ فهل أنت حامض

العرب تقول: " الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها ". ومعنى منقعاً ثابتاً، يقال " أنقع له الشر حتى يسأم " أي أدمه. والمختل: راعي الخلة، وكانت الإبل إذا بشمت الخلة وسئمته حتى اتخمت منه، نقلوها إلى الحمض لتشتهي الخلة ثانياً. وهذا مثلٌ ضربه لهذا الساعي. يقول: إنك مللت العافية والسلامة، فهلم إلى البلاء والشر من الولاية.

أظنك دون المال ذو جئت تبتغيستلقاك بيضٌ للنفوس قوابض

قوله دون المال تعلق بأظنك، ولا يجوز أن يتعلق بقوله جئت، ولا تبتغي، لأن ذو يطلب من الصلة ما يطلبه الذي وإذا كان كذلك فما في صلته لا يعمل فيما قبله. وقال ذو جئت وكان الأجود أن يقول: ذو جاء يبتغي، لأنه أجري مجرى الذي، فكما جوز أن يقال أنت الذي فعلت كذا، و:

أنا الذي سمتن أمي حيدره

جوز في ذو أيضاً، لأن المراد به المخاطب. والمال في الأكثر يطلقونه على الإبل، على هذا قولهم: المال في الرعي. والشاعر قصده في الكلام إلى التهكم والسخرية، وقد خلط به التوعد والاستهانة، لذلك قال أظنك. وقوله ذو جئت في موضع المفعول الثاني وتبتغي في موضع الحال، ومفعوله حذف. والمعنى أحسبك الذي جاء دون المال تبتغي صدقاته، سترى ما أعد لك من سيوفٍ تنتزع الأرواح والمهج. فإن قيل: كيف استجاز تكرير معنىً واحدٍ في بيتين على تقارب بينهما، وهلا اكتفى بقوله " هلم فإن المشرفي الفرائض "؟ قلت: إن قوله أظنك دون المال ذو جئت تبتغي، بما دخله من التهكم والوعيد، وتكشف فيه من الغرض المقصود، صار كأنه أدى غير ما أداه قوله هلم فإن المشرفي الفرائض. ومثله قول عيقمة بن عبدة:

فإن تسألوني بالنساء فإننيبصيرٌ بأدواء النساء طبيب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»
إذا شاب رأس المرء أو قل مالهفليس له في ودهن نصيب
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «رأي الجمهور»
يردن ثراء المال حيث علمنهوشرخ الشباب عندهن عجيب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

ألا ترى أنه لم ير المعنى متكرراً في البيتين، لما كان أحدهما يشتمل من الاستيفاء والبيان على ما لم يشتمل عليه الآخر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٩)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.