تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال نهار بن توسعة يرثي أخاه

عتبان قد كنت امرأً لي جانبحتى رزيتك والجدود تضعضع
قد كنت اشوس في المقامة سادراًفنظرت قصدي واستقام الأخدع
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة

يقول: يا عتبان، كنت رجلاً كان لي ملاذٌ ألوذ به، وجانبٌ أستنيم إليه، وأتعزز بعزه، إلى أن فقدتك، والجدود تنحط بعد الارتفاع، وتعوج عقيب الاستواء. فقوله والجدود تضعضع اعتراضٌ، لأن قوله كنت أشوس متصل بما قبله. والشوس هو النظر في اعتراضٍ كنظر الغضبان والكاره للشيء المعرض عنه والمقامة: المجلس. والسادر: الذاهب عن الشيء ترفعاً عنه. ويقال أتى فلانٌ أمره سادراً، إذا جاءه من غير جهته. والسدر: ظلمة تغشى العين، وكأن السادر منه. وقوله فنظرت قصدي أراد نظرت حين أقصد، ومكان قصدي. وإعرابه يجوز أن يكون نصباً على الظرف، وقد حذف اسم المكان معه، ويحوز أن يكون مصدراً، كأنه قال: فنظرت أقصد قصدي، أي قاصداً قصدى فدل المصدر على اللفظ بالفعل، والواقع موقع الحال هو الفعل. ومعنى البيت: قد كنت بما في نفسي من الكبر والتعلي على الناس أنظر إلى أهل المجلس نظر المعترض عليهم، المعرض عنهم المستهين بهم، المأخوذ عن قصدي فيهم عجباً واستغناء، فلما فقدتك زالت تلك الخنزوانة عني، واستقام عنقي من الصور العارض له، كما اعتدل نظري فزال عنه الشوس الذي كان فيه.

ويستحسن لأوس بن حجر قوله:

تشاوس يزيد إنني من تأمل

وفقدت إخواني الذين بعيشهمقد كنت أعطي ما أشاء وأمنع
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة

خاطب عتبان فيما تقدم، وشكا بثه إليه، على عادة الناس في إظهار التلهف عند مخاطبة المفقود، والجري في مباثته علي عادتهم معه في حياته. وفي الثاني أخبر عن نفسه بأنه مرزأٌ في إخوانه. كأن المصائب كانت متوافيةً إليه، ملحة في تكرير الفجائع عليه، فإخوانه تفانوا واحداُ بعد واحد، وتدانوا في التتابع سنداً بعد سند، فقال: ورزئت إخواني الذين كنت أعطي ما أشاء إعطاءه، وأمنع ما أشاء منعه، مدة عيشهم، وزمن بقائهم. ويقال: عشت عيشاً ومعاشاً. والمعيش والمعيشة والمعاش. اسم ما يعاش به. ويقال هو عائشٌ أي حاله حسنة.

فلمن أقول إذا تلم ملمةٌأرني برأيك أم إلى من أفزع
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة
فليأتين عليك يومٌ مرةًيبكي عليك مقنعاً لا تسمع
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة

قوله فلمن أقول إذا تلم ملمة كلام من سلبه القدر إخوانه، وقص جناحه فأعياه طيرانه، فمتى طرقه حادثٌ أو ألم بساحته من الدهر نائبٌ لم يكن له من يرجع إليه مستشيراً، أو يقتبس من نور رأيه مستضيئاً، ولا وجد من يستدفع به البلاء أو يستعديه على مهتضمه، فيصرف بقوته عن نفسه العداء فيبقى أسير الغبر، وقيذ الفكر. ومعنى أرني برأيك أرشدني برأيك، واهدني بنظرك. وقد حذف المفعول الثاني لقوله أرني، والمراد أرني الصواب أو وجه الأمر برأيك. ويقال: رأيت الشيء بعيني رؤيةً ورأيا، ورأيته بقلبي رأيا لا غير. فأما قول زهير:

فقال أميرى ما ترىرأى ما ترىأنختله عن نفسه أم نصاوله

فالمراد به ما ترى رأى أي الأمرين ترى. فما ترى سؤالٌ عن جملة الرأي ورأى ما ترى سؤالٌ على طريق التفصيل، وقد بينه بقوله أنختله أم نصاوله. وقوله إلى من أفزع يقال فزعت إلى فلان أفزع، إذا التجأت إليه؛ وهو لنا مفزع، أي نفزع إليه. وفي ضده يقال: هو لنا مفزعةٌ، أي نفزع منه. ويستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث.

وقوله فليأتين عليك يومٌ مرةً خطابٌ لنفسه. وقد ألم بقول الآخر:

وإخال أني لاحقٌ مستتبع

يريد أن أجله قد قرب ولا بقاء للروح على ما يمارسه ويزاوله. وأشاد بقوله يومٌ إلى وقت النازلة. ويقال فعل كذا مراً ومرين كما تقول مرة ومرتين، ومقنعاً انتصب على الحال من قوله يبكي عليك ومعناه مسجى مستور الوجه. ولا تسمع في موضع الصفة لقوله مقنعاً، أي مقنعا غير سامع عولة الباكي. وليأتين جواب يمينٍ مضمرة، ويبكي عليك في موضع الصفة ليومٌ، أي يومٌ يبكي عليك فيه، أو يبكاه

عليك إن قدرته تقدير المفعول به. ومثله: " واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً "، وقد مر القول فيه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.