من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال يزيد بن عمرو الطائي
أصاب الغليل عبرتي فأسالهاوعاد احتمام ليلتي فأطالها
ألا من رأى قومي كأن رجالهمنخيل أتاها عاضدٌ فأمالها
الغليل: حرارة الجوف، يقال به غلة. والاحتمام: القلق والانزعاج، يقال أحمنى الأمر إحماماً. والعاضد: قاطع النخل، والذي يقطع به يقال له المعضد. فيقول: تناهى حمى جوفي وغلة كبدي، فأسلت دمعي إطفاءً لنائرتها، وعاد قلق ليلتي، وطار النوم عني فطال له ليلتي. وقوله احتمام ليلتي أضاف الاحتمام إلى ليلته لكونه فيها، ولاجتماع الوساوس عليه، لتفرده عما يشتغل به. ويروى: احتمامى ليلتي، ويكون ليلتي في موضع الظرف، يريد احتمامى في ليلتي. وإنما قال احتمام ليلتي لما كان تقدم من مصائبه في عشيرته.
وقوله ألا من رأى قومي لفظه استفهام، والمعنى معنى التوجع. وقد يأتون به على الخطاب هل رأيت قومي؟ كأن هذه الرؤية مستنكرة فهو يستثبت. وقوله كأن رجالهم نخيلٌ شبههم وقد صرعوا بنخيلٍ معضودة. وهذا التشبيه ورد مثله في القرآن، في قوله تعالى: " كأنهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ ". وجملة المعنى كأنه ينكر أن يكون قومه بهذه الصفة، فقال مستثبتاً على طريق التحسر: من رأى قومي مقتلين مصرعين كأن فرسانهم نخيلٌ قصدها عاضدٌ فأمالها. وفائدة أمالها، على فصاحته في هذا الموضع، تصوير حالة الرجال حين تركوا بالعراء كيف تركوا.
أدفن قتلاها وآسو جراحهاوأعلم أن لا زيغ عما مني لها
وقائلةٍ من أمها طال ليلهيزيد بن عمروٍ أمها واهتدى لها
وصف حالته وما مني به في ذويه وعشيرته، وكيف تولى من المقتولين دفنهم، ومن المجروحين أسوهم، لأنه إذا احتاج إلى تولي ذلك منهم كان أشقى له وأعود
بالكمد عليه. وقوله وأعلم أن لا زيغ عما منى لها رضاً منه بمحتوم القضاء، وإظهارٌ للتصبر في البلاء، وتحسر على ما فاته من القوم في حالتي الشدة والرخاء. ومنى لها، يعني قدر لها، وأصله مني، فأخرجه على لغته، لأنهم يفرون من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فتنقلب الياء ألفاً. والزيغ: الميل والانحراف. وقوله أن لا زيغ أن فيه مخففة من الثقيلة، أراد أنه لا زيغ. والضمير في أنه للأمر والشأن، ولا زيغ في موضع خبر أن.
وقوله وقائلةٍ من أمها من في موضع المبتدأ، وطال ليله في موضع الخبر، كأنه قال: الذي أمها طال ليله. ويزيد بن عمرو مبتدأ آخر وأمها في موضع الخبر، وهو استئناف كلامٍ منقطع عما قبله. ويعنى بيزيد بن عمروٍ نفسه.
وروى الأثرم هذه الأبيات عن أبي عبيدة للنابغة الذبياني، وأثبتها في ديوانه وقد غير أبياته ترتيباً ولفظاً، وقال: إنما هو زياد بن عمرو؛ لأن اسم النابغة زياد، وزعم أنه قالها في وقعة طيئ يوم شراف، غزاهم حصن بن حذيفة ومعه النابغة، فالتفوا بشراف. والناسبون كالكلبي والشيباني واليربوعي والأصمعي، ذكروا أن النابغة هو زياد بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع ابن غيظ بن مرة. وأبو تمامٍ نسبها إلى يزيد بن عمرو الطائي. وفي ألفاظ هذه الأبيات على ما رواه أبو تمامٍ شاهد صدقٍ على أنه ليزيد لا للنابغة. والله أعلم.
ومعنى البيت: رب امرأةٍ قالت متوجعةً متحسرة: من قصد هؤلاء المقتولين، ووفق في الاهتداء فقد أطيل ليله، لأنه يرد منهم على ما يجرح القلب ويطيل السهر. ثم قال يزيد بن عمرو: أنا الشقي الذي أمها واهتدى لها، مجيباً للقائلة. وفائدة اهتدى أن الموضع الذي قتلوا فيه كان كالملتبس عليهم، فصار هو الطالب له، والمهتدي إليه، والمنبه عليه. وانجر وقائلةٍ بإضمار رب، وجوابه من أمها، والجملة في موضع المفعول لقائلة. وقد تعرى قائلة من صفةٍ لها، وأكثر ما يجيء المجرور برب يجيء موصوفاً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع