من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال مسلم بن الوليد وماتت امرأته
حنينٌ ويأسٌ كيف يجتمعانمقيلاهما في القلب مختلفان
غدت والثرى أولى بها من وليهاإلى منزلٍ ناءٍ لعينك دان
فلا وجد حتى تنزف العين ماءهاوتعترف الأحشاء للخفقان
هذا الكلام شكوٌ من حاله فيمن أصيب به، فيقول: اليأس حاصلٌ منها إذ كان غائب الموت لا إياب له، والشوق إليها غالبٌ حتى كأني ما فقدتها؛ فيا عجباً كيف اجتمع مع اليأس رجاءٌ مع اختلاف مقرهما في القلب، ومع تنافيهما عند
التحصيل والكشف، وهل يكون الإنسان فيما اعتيد وعرف من أحوال الأزمان مبتلىً بأسباب الخيبة من الشيء، ومتردداً معها بين علائق الطمع فيه. والمقيل الموضع من قلت. وفي القرآن: " أصحاب الجنة يومئذ خيرٌ مستقراً وأحسن مقيلاً ".
وقوله غدت والثرى أولى بها من وليها تحسر، فيقول: ابتكرت وهي في ملكة التراب دون ملكة وليها، فالثرى صار أولى بها. والانتقال من بين الأحياء إلى الأموات أحق وأوجب في أمرها. وقوله إلى منزل ناءٍ لعينك دان مثل قول الآخر:
أما جوارهمفدانٍ وأما الملتقى فبعيد
وقد ألم قوله غدت والثرى أولى بها بقول الآخر:
صلى الإله عليك من مفقودةٍإذ لا يلائمك المكان البلقع
وقوله فلا وجد حتى تنزف العين ماءها يريد به: لا وجد يعتد به إذا ذكر الهلع على مثله حتى تستنفد العين دمعها، لاتصال البكاء بها، وحتى تستمر الأحشاء في خفقان القلب فتذل له وتصبر عليه، حتى يصير عادةً وسجيةً ويقال: عرف فلانٌ لكذا واعترف له، إذا صبر فيه واعتاده. على ذلك قوله:
على عارفاتٍ للقاء عوابسٍ
ويقال نزفت البئر وأنزفتها جميعاً، قال العجاج:
وأنزف العبرة من لاقى العبر
وفي المثل أجبن " من المنزوف قرطاً ".
وقوله لا وجد خبره محذوف، كأنه قال: لا وجد حاصلٌ أو موجود. والخفقان في القلب والجناح: الاضطراب، ومنه خفق البنود والأعلام، حتى سمى الأعلام خوافق. قال:
لقد تركت عفراء قلبي كأنهجناح عقابٍ دائم الخفقان
وقال مسلمٌ أيضاً:
قبرٌ بحلوان استسر ضريحهخطراً تقاصر دونه الأخطار
نفضت بك الأحلاس نفض إقامةٍواسترجعت نزاعها الأمصار
قوله استسر بمعنى أسر، ومثله استعجب بمعنى عجب. وأكثر ما ترى استسر يكون في معنى استخفى وتوارى. على ذلك قولهم في آخر الشهر استسر القمر ليلةً أو ليلتين، فهو من السرار، وهو آخر يومٍ في الشهر، والخطر: ارتفاع المكانة والحال في الشرف، ثم يقال في الشريف: هو عظيم الخطر. والضريح، أصله القبر يشق وسطه ولا يلحد. وارتفع قبر بالابتداء لأنه بصفته وهو بحلوان قرب من المعارف؛ واستسر في موضع الخبر. والمعنى: قبر بهذا المكان اشتمل جوفه على عظيمٍ من العظماء، رفيع المكانة جليل الخطر، يتقاصر عنه كل عظيمٍ جليل. وقوله خطراً أراد ذا خطر، فحذف المضاف، وكذلك الأخطار، أراد ذوو الأخطار. وقوله تقاصر يجوز أن يكون من القصور: العجز، أي تعجز أن تبلغ محله الأخطار. ويجوز أن يكون ضد تطاول فيكون من القصر.
وقله نفضت بك الأحلاس نفض إقامةٍ يريد أن العفاة قعدوا عن الاجتداء بعد موتك يأساً ممن يطمع فيه، أو يرجى خيره، فنفضوا أحلاس رواحلهم نفض من يقيم في بلاده ويطرح الترحال. وقوله استرجعت نزاعها ممن يتعطف عليهم، أو يصطنعهم وينظر لهم، فكأنهم كانوا ودائع الأمصار عنده مدة مقامهم ببابه فارتجعتهم. والنزاع: جمع نازع، وهو البعيد والغريب جميعاً، وكذلك النزيع والجميع النزائع. ويجوز أن يكون
من نزعت إليه نزاعاً، أي حننت. فيقول: المقيم في موضعه رفض الترحال، والمسافر عاد إلى مقره يأساً من كسب المال.
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍأثنى عليها السهل والأوعار
سلكت بك العرب السبيل إلى العلىحتى إذا سبق الردى بك حاروا
يقول: اذهب لوجهك وآلاؤك منشورةٌ، وصنائعك محمودةٌ مشكورة، وآثارك كآثار السحب وقد أغاثت الناس بأمطارها، فإذا أقلعت ترى أهل السهل والوعر يثنون عليها. والغوادي: السحابات التي تنشأ غدوةً، وكأنه أراد أقطاعاً منها، وأضافها إلى المزنة لأنه منها تجمعتن فكملت مزنةً. ويجوز أن يكون المراد بالغوادي أمطاراً تصوب غدوةً، وأضافها إلى المزنة.
وقوله سلكت بك العرب السبيل إلى العلى يريد أنك هادي العرب ودليلهم في اكتساب المعالي وابتناء المكارم، فأنت قائدهم وهم يطؤون عقبك، ويقتدرون بك، حتى إذا فقدوا إرشادك تحيروا فلم يهتدوا، وضلوا فلم يرشدوا. ومعنى سبق الردى بك كأنهم كانوا يتشبثون به ويلزمونه حافظين بقاءه فجاء الردى بطلبه ويختاره، فانتهز الفلاصة في السبق به واجتذابه من أيديهم، والفوز به من دونهم. ومفعول سبق محذوف، كأنه قال سبقهم الردى بك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع