تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال قسام بن رواحة السنبسي

لبئس نصيب القوم من أخويهمطراد الحواشي واستراق النواضح
وما زال من قتلى رزاحٍ بعالجٍدمٌ ناقعٌ أو جاسدٌ غير ما صح

أخويهم يريد صاحبيهم. والعرب تقول: يأخا بكرٍ، يريد واحداً من بني بكر. والحواشي: صغار الإبل ورذالها. والنواضح: التي يستقى عليها الماء، واحدتها ناضحة. وسميت بذلك لأنه جعل الفعل لها كأنها هي التي تنضح الزراعات والنخيل. وهم يسمون الأكار النضاح. على ذلك قول الهذلي:

هبطن بطن رهاطٍ واعتصبن كمايسقى الجذوع خلال الدور نضاح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أصبح من أم عمرو بطن مر فأج»

فيقول: مذمومٌ في أنصباء القوم من صاحبين لهم يقتلان طرد الإبل وسوقها، وسرقة البعران التي يستقى عليها. وإنما جعل الطرائد حواشي الإبل ونواضحها إزراءً بها، كما قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب:

ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكرا

يعني في الدية. وهذا تعريضٌ بمن وجب عليه أن يهمه طلب دم صاحبهم فاقتصر من الأعداء على الغارة عليهم، وسرقة الإبل منهم. وفيه هزؤٌ أيضاً، وبعثٌ على طلب الدم.

وقوله وما زال من قتلى رزاح بعالجٍ دمٌ ناقع فالناقع: الثابت، مصدره النقوع. والماصح، قال الخليل: هو الراسخ في الثرى، وهو ها هنا الذليل، والدارس. يقال مصحت الدار إذا درست، ومصح الظل، إذا قصر.

قال الأعشى:

إذا الآل مصح

وهذا الكلام تذكير بدماء قتلاهم. ورمل عالج: موضع معروف. ورزاح: قبيلة. فيقول: ولا يزال من مقتولي هذه القبيلة بهذا المكان دم ثابت، أو يابس غير زائل. والمعنى أن دماءهم بحالها ما لم يثأروا بهم؛ لأن غسل تلك الدماء إنما يكون بما يصب من دماء أعدائهم.

دعا الطير حتى أقبلت من ضريةدواعي دم مهراقه غير بارح

لم يرض بما ذكره في البيت المتقدم من التذكير بدماء المقتولين حتى بسط القول فيه وجنحه بأن قال: دعا دواعي دمائهم طيور الأماكن النائية والجبال المطلة، حتى أقبلت من ضرية وهو اسم بلاد تشتمل على جبال عوافي سباعها وطيورها تستدل بها، فوقعت عليها تأكل من جيفها. ويجوز أن يريد بالدواعي الرياح الذاهبة في الأقطار. وقوله مهراقه غير بارح أي هو مصبوب موضعه لم يحل ولم يزل.

أعاد المعنى تفظيعاً، ويجوز أن يريد بقوله مهراقه الموضع المصبوب فيه الدم، كأنه يستشهد به فقال: هو غير بارح. وقال مهراقه والأصل مهراق فيه. وإنما قلنا هذا ليكون بين هذا وبين قوله دم ناقع أو جاسد غير ما صح فصل. والكلام يشتمل على ما يطرى المصيبة ويهيج الفجيعة، ويصور مصرع القوم بما يأتيه من عوافي الطير. وفيه بعث شديد وحض بليغ على طلب الدم.

عسى طيئ من طيئ بعد هذهستطفى غلات الكلى والجوانح

عسى لفظه ضعت للترجي والتأميل، إلا أنها تؤذن بأن الفعل مستقبل مطموع فيه، فيجب أن يستأنى له، وإن كانت من أفعال المقاربة. وبهذا يبين عن لفظة كاد لأن كاد لمشارفة الفعل فهو يلي الفعل بنفسه تقول كاد زيد يفعل كذا، وعسى يحول بينه وبين الفعل أن، يدلك على هذا أنه كاد زيد يفعل كذا، وعسى يحول بينه وبين الفعل أن، يدلك على هذا أنه قال ستطفئ غلات الكلى والجوانح. لما كان من شرط عسى أن يجيء بعده أن إيذاناً بالاستقبال جعل هذا بدل أن السين، لأنه أشهر في الدلالة على الاستقبال، وإنما قال عسى طيئ من طيئ لأن الجذاب الذي أشار إليه والقتال، كان بين بطنين منهما. وقوله بعد هذه أشار إلى الحالة الحاضرة، الجامعة لكل ما ذكره. والجوانح: جمع جانحة، وهي الضلوع القصار. والمعنى: المطموع فيه من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل، وإن كانوا أخروه إلى هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب. وقد آلم بهذا الكلام كل الإيلام، لما ختم به كلامه المتقدم.

وأبلغ من هذا قول الآخر، وهو في طريقته:

وإني لراجيكم على بطء سعيكمكما في بطون الحاملات رجاء
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.