تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال سليمان بن قتة العدوي

مررت على أبيات آل محمدفلم أرها أمثالها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلهاوإن أصبحت منهم برغمي تخلت

الآل عند أصحابنا البصريين والأهل واحد، ويدل على ذلك أن تصغير الآل أهيل، كما أن تصغير الأهل أهيل. وأخبرنا الفراء عن الكسائي أنه قال: سمعت أعرابياً فصيحاً يقول: أهل وأهيل، وآل وأويل، قال أبو العباس ثعلب: فقد صار أصلين لمعنيين، لا كما قال أهل البصرة؛ وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب أن الأهل القرابة، كان لها تابع أو لم يكن، والآل: القرابة بتابعها. قال: ولهذا أجود الصلوات على النبي ﷺ وأفضلها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد: وقد ورد فيه التوقيف. روي أن أمير المؤمنين ﵇ سأل النبي صلوات الله عليه: كيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ".

وقوله فلم أرها أمثالها يوم حلت، يريد أنها قد ظهر عليها من آثار الفجع والمصيبة ما صارت له وحشاً، فحالها في ظهور الجزع عليها ليست كحالها في السرور أيام حلوها. فهو مثل قول الآخر:

بكت دارهم من فقدهم فتهللتدموعي فأي الجازعين ألوم
أمستعير يبكي من الهون والبلىأم آخر يبكي شجوه ويهيم

وقد سلك محمد بن وهيب مثل هذا في مديحة في المأمون أولها:

طللان طال عليهما الأمددرسا فلا علم ولا نضد
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
لبسا البلى فكأنما وجدابعد الأحبة مثل ما أجد
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

وسلك أبو تمام هذا المسلك فزاد عليهم كلهم، لأنه قال:

قد أقسم الربع أن البين فاضحهأن لم تحل به عفراء عن عفر

وقوله فلا يبعد الله الديار وأهلها فيه دلالة على أنه جعل الدار وحالها كالمفقودين وأحوالهم، إذ كانت لفظة لا نبعد ولا يبعد الله يستعمل في الفائت. وقوله وإن أصبحت منهم برغمي تخلت تحسر على أهل الدار والدار جميعاً.

ألا إن قتلى الطف من آل هاشمأذلت رقاب المسلمين فذلت
وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزيةألا عظمت تلك الرزايا وجلت

قتلى الطف: الحسين ومن معه من ذويه ﵇. وقوله أذلت رقاب المسلمين فذلت كأنها لما أذلت، بأن بغى لعترة رسول الله ﷺ وولده ﵇ الغوائل، واستحل منهم المحارم، ونيل منهم ما كان محظوراً من غيرهم من المسلمين، فكيف منهم، وقهروا على حقوقهم واستبيحت دماؤهم وحرمهم التزمت رقابهم ذلك الذل فأقرت به وخضعت، ولبسته لبسة من كان ذلك نصيبه من مواليه، فصاروا كالراضين به وإن لم يكن ذلك رضاً. وقوله وكانوا غياثاً يريد أنهم كانوا للمسلمين غوثاً عندما ينزل بهم فلا يرجون لملمهم ديناً ودنيا غيرهم، فلما نيل منهم ما نيل صاروا رزيئة لهم كلهم، لأنه بحسب رجائهم كان فيهم، وعلى مقدار مكانتهم من قلوبهم صار نوازل الغم تنكى فيهم، وفواقر الرزء تكسر ظهورهم.

وقوله ألا عظمت تلك الرزايا وجلت التفات، كأنه أقبل مكبراً ومستفظعاً على من حوله فقال: ما أعظم هذه الرزايا وما أجلها، لقد بلغت مبلغاً شنيعاً، وافترت عن البلايا افتراراً قبيحاً، فيا لها ما أنكاها وأقرحها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.