من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت قتيلة بنت النضر بن الحارث
وكان رسول الله ﷺ قتل أباها صبراً:
يا راكباً إن الأثيل مظنةمن صبح خامسة وأنت موفق
الأثيل: موضع كان فيه قبر النضر، وكان النبي ﷺ تأذى به فقتله صبراً، وكان من جملة أذاه أنه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على العرب، ويقول: محمد
يأتيكم بأخبار عاد وثمود، وأنا منبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة. يريد بذلك القدح في نبوته، وأنه إن جاز يكون ذلك نبياً لإتيانه بقصص الأمم السالفة فإني وقد أتيت بمثلها رسول أيضاً. وذكر ابن عباس في قوله تعالى: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث "، أنها نزلت في النضر بن الحارث الداري، وكان يشتري كتب الأعاجم فارس والروم، وكتب أهل الحيرة، فيحدث بها أهل مكة، وإذا سمع القرآن أعرض واستهزأ به. وقتيلة ابنته لما جاءت إلى حضرة النبي ﷺ وأنشدته هذه الأبيات رق لها النبي ﷺ وبكى. وقال: " لو جئتني من قبل لعفوت عنه "، ثم قال: " لا يقتل قرشي بعد هذا صبراً ". فأما قولها يا راكباً فإنها دعت واحداً من الركبان غير معين، فكل من كان يجيبها منهم كان هو المدعو. والمظنة: المنزل المعلم. وقولها من صبح خامسة تيريد من صبح ليلة خامسة لليلة التي تبتدئ في السير منها إلى الأثيل وأنت على الطريق غير عادل منها. وإنما تريد أن تقول: إذا كان ابتداء السير من موضعها يكون انتهاؤه في أثيل من سير يحصل في صباح ليلة خامسة لليلتها. ومن قولهم: إذا خرجت عن مكان كذا فموضع كذا منزل قمن منك ضحوة غد، وموضع كذا مظنة من عشية يوم كذا. وعلى هذا الوجه قول الآخر:
يسط البيوت لكي يكون مظنةمن حيث توضع جفنة المسترفد
وإن كان الأول في الزمان وهذا في المكان.
بلغ به ميتاً فإن تحيةما إن تزال بها الركائب تخفق
منى إليه وعبرة مسفوحةجادت لمائحها وأخرى تخنق
هذا هو الرسالة التي تريد أن تحملها الراكب، تريد: يا راكباً بلغ بهذا المكان، إذا أتيته، مقبوراً فيه تحيتي، فإن التحيات أبداً تخفق بها الركائب وتبلغ أربابها. والخفق. الاضطراب. ومفعول بلغ الثاني محذوف، لأن قولها فإن تحية يدل عليه.
وقولها منى إليه يتعلق بفعل مضمر قد دل عليه بلغ، كأنه قال: أوصل إليه مني تحية، وأد مني تحية، لأن جميع ذلك معناه بلغه عني. وقولها وعبرة مسفوحة
معطوف على المفعول المضمر الذي أظهرته. والمسفوحة: المصبوبة. وقولها: جادت لمائحها أي أجابت داعيها وساعدت مستقيها. وقولها وأخرى تخنق معطوف على عبرة، كأنها قالت: وأد إليه أيضاً عبرة قد خنقتني وهي في الطريق لم توجد. وهذا الكلام يشتمل على اقتصاص حالها، وعلى ما في نفسها من الحسرات والآلام الفجيعة. والركائب: جمع ركوبة، وهي مفردة عن الموصوف، لا يقال ناقة ركوبة، وكذلك حلوبة وقتوبة. وقولها جادت لمائحها في موضع الصفة لعبرة، كما أن تخنق في موضع الصفة الأخرى. والمعنى: بلغه عني تحية وأعلمه من حالي بكاء يتصل ولا ينقطع، ودمعاً يساعد ولا يخذل، فمن سائل مسفوح، ومن خانق مدفوع. وجادت من الجود. ولك أن تروى لماتحها ولمَائحها. والمائح أبلغ، لأن المتح الاستقاء، والميح أن تدخل البئر ليملأ الدلو إذا قل الماء. والذي يدل على قلة الدمع والجهد في إسالته يكون أجود في الرواية.
فليسمعن النضر إن ناديتهإن كان يسمع ميت أو ينطق
قولها إن ناديته شرط وجوابه ما دل عليه ليسمعن، وكذلك قولها إن كان يسمع ميت شرط ثان وجوابه يدل عليه ليسمعن. وترتيب الكلام إذا جاء على وجهه. إن ناديت النضر وقد أتيته عني فليسمعن نداءك وليجيبنك إن كان الميت يسمع أو ينطق. وقولها ليسمعن جواب يمين مضمرة ودل على ليجيبنك أيضاً، لأن من صح فيه السمع إذا دعى صح منه الجواب. وقد يقول الإنسان وقد سئل شيئاً: السمع والطاعة، والمفهوم فيه: إني أجيبك إلى ملتمسك. ويريد به الفعل لا سماع سؤاله من دون الفعل.
ظلت سيوف بين أبيه تنوشهلله أرحام هناك تشقق
أمحمد ولأنت نجل نجيبةمن قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربمامن الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من أصبت وسيلةوأحقهم إن كان عتق يعتق
قولها ظلت سيوف بني أبيه تنوشه تحسر منها لما جرى على أبيها، تريد: صارت سيوف إخوانه تتناوله بعد أن كانت تذب عنه، وتضع منه بعد أن كانت ترفعه،
وتبتذل حرماته بعد أن كانت تصونها. ثم قالت كالمستعطفة والمتعدبة. لله أرحام وقرابات في ذلك المكان قطعت أسبابها، وهتكت أستارها.
وقولها هناك ظرف، والكاف كاف الخطاب، ويشار به إلى مكان متراخ. وإذا قيل هنالك فزيد فيه اللام كان آكد، والمشار إليه أبعد. والعامل في هناك تشقق، وهو في موضع الصفة للأرحام. واللام من قوله لله لام التعجب. وهم إذا عظموا شيئاً نسبوه إليه تفخيماً لأمره جل شأنه.
وقولها أمحمدٌ نونت المنادى المفرد المعرفة ضرورة، ولو رد إلى أصله فقيل أمحمدُ لجاز. وسيبويه يختار تركه على البناء في هذا المكان وإن نونه للضرورة، لمشابهة البناء في هذا المكان الإعراب. ولذلك جاز حمل الصفة عليه. ومثل هذا قول الآخر:
لا نسب اليوم ولا خلةاتسع الخرق على الراقع
فنون خلة، والفتح فيه للبناء، لأنه مبني كمنصوب. وبعضهم روى: أمحمد ها أنت نجل نجيبة، فأدخل ها التنبيه على الجملة وقد تعرت من حرف الإشارة. وقد جاء مثله. قال النابغة:
ها إنها عذرة إلا تكن نفعتفإن صاحبها قد تاه في البلد
والواو من ولأنت عاطفة للجملة ومفيدة معنى الحال، وكذلك الواو من قوله والفحل فحل معرق. والمعنى: أنت كريم الطرفين معم مخول. واستعطفته مقرظة ومثنية والمدعو له قولها: ما ضرك لو مننت. وهذا الكلام فيه اعتراف بالذنب، والتزام للنعمة والمنة في العفو لو حصل. فتقول: أي شيء كان يصرك لو عفوت والفتى وإن كان مغضباً مضجراً، منطوياً على حنق وعداوة، قد يمن ويعفو. هذا إذا جعلت ما استفهاما. ويجوز أن تجعل ما نافية والاستفهام في مثل هذا الكلام يفيد معنى النفي.
وإنما قالت ربما لأن الحالة التي أشارت إليها بقولها المغيظ المحنق يقل فيها المن، ورب للقليل. وقولها والنضر أقرب من أصبت وسيلة تذكير منها بما يجمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وإياه من القربى والقرابة. وإنما يدل بذلك على وجه الاستحقاق للصفح عن الخيانة، لما يدل به من الأسباب المتواشجة، والأرحام المتشابكة. وقولها وأحقهم إن كان عتق يعتق أرادت: وأحقهم بأن يعتق إن كان عتق، أي إن وقع عتق، فحذف الباء، وحروف الجر مع أن تلغى كثيراً، ثم حذف أن ورفع الفعل، فهو كقوله:
ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغىوأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
يدل على أن من أحضر محذوف أنه عطف عليه بأن فقال: وأن أشهد اللذات. وجواب الشرط، وهو إن كان عتق، ما يدل عليه وأحقهم وأقرب من أصبت. وكان هذه كان التامة فلهذا استغنت عن الخبر. والمعنى: والنضر أقرب الأسراء الذين أسرتهم إليك، وأحقهم بالعتق إن وقع فكاك وعتق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع