تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال النابغة الجعدي

فتى كان يدنيه الغنى من صديقهإذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فتى كان يدنيه الغنى من صديقه»

هذا مثل قول الهذلي:

أبو مالك قاصر فقرهعلى نفسه ومشيع غناء
للشاعر المتنخل، من قصيدة «لعمرك ما إن أبو مالك»

وأحسن منهما قول الآخر:

إذا افتقروا عضوا على الفقر حسبةوإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر

وقال أيضاً:

فتى كان فيه ما يسر صديقهعلى أن فيه ما يسوء الأعاديا
للشاعر الجندل الفزاري، من قصيدة «فتىً كملت أخلاقه غير أنه»
فتى كملت خيراته غير أنهجواد فلا يبقى من المال باقيا

لما قال: كان فيه ما يسر صديقه وعلم أن في الناس من يجمع الخير خالصاً من دون الشر خشي أنه إن سكت على هذه الجملة ظن به القصور عن التمام، والوقوف دون الكمال، فلا يكون فيه النكاية في الأعداء والإساءة إليهم، وإذلالهم وإرغامهم. ثم وصفه بأن قال على أن فيه ما يسوء الأعاديا وهذا هو النهاية في الكمال؛ لأنه إذا عرف لأوليائه ما يوجب عليه التوفر عليهم، وجميل التفقد لهم، وعرف لأعدائه ما يوجب التنقص منهم وإذلالهم، كان في ذلك أكمل الكمال.

وقوله فتى كملت خيراته غير أنه جواد هذا استثناء في نهاية الحسن، فهو كالتأكيد لأول الكلام؛ لأن كونه جواداً لا يكون عيباً فيخرجه من قوله كملت خيراته، لكنه إذا كان عيبه المستثنى من الخيرات الجود الذي هو مؤثر عند الله تعالى وعند الناس، فخصاله المحمودة الباقية ماذا ترى تكون. فهو استثناء منقطع من الأول، كأنه قال: كملت خيراته لكنه جواد. وإذا تأملت وجدت البيت الثاني مثل البيت الأول، في أنه أتبع ثناء بثناء، وأردف مديحاً بمديح، فعجز كل واحد منهما يؤكد صدره، ويزيده مبالغة معنى وتظاهر مبدأ ومنتهى. ومثلهما بيت النابغة:

ولا عيب فيهم غير أن يسوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وموضع قوله فتى في البيتين جميعا نصب على الاختصاص، كأنه قال أذكر فتى هذه صفته. ولا يمتنع أن يكون موضعه رفعاً على أن يكون خبر مبتدأ محذوف. فإن قيل: ما موضع على أن فيه ما يسوء الأعاديا من الإعراب؟ قلت: هو يجري وإن كان جمعاً بين صفتين متضادتين على أن الثانية كالحال للأولى، كأنه قال: فيه ما يسر صديقه مركبا على ما يسوء الأعاديا. وقوله فما يبقى من المال باقيا تأكيد للجود. وانتصاب باقيا يجوز أن يكون على المفعول، ويجوز أن يكون على

المصدر، وقد وضعه موضع الإبقاء. ومثله:

كفى بالنأي من أسماء كاف

وضع كاف موضع كفاية، وهو مصدر منصوب، لكنه حذف فتحة الإعراب من آخره وإن كانت الفتحة مستخفة، على طريقة من قال:

أن أيديهن بالقاع القرق

وقال:

وأي فتى ودعت يوم طويلععشية سلمنا عليه وسلما
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «وأي فتى ودعت يوم طويلع»
رمى بصور العيس منخرق الصبافلم يدر خلق بعدها أين يمما
فيا جازي الفتيان بالنعم اجزهبنعماه نعمى واعف إن كان أظلما
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «وأي فتى ودعت يوم طويلع»

انتصب " أي " بودعت، والكلام فيه تعجب على طريق التفخيم للشأن، والتعظيم للأمر. وانتصب عشية على البدل من يوم، والمعنى: ما أجل شأن فتى ودعناه عشية شيعناه من يوم طويلع، وقضينا فيما بيننا وبينه بعد حق التوديع، بأن سلمنا عليه وسلم هو علينا، أي قلنا: أصحبك الله السلامة، وحفظك حيث كنت! وقال لنا مثل ذلك. وهذا كأنه كان تثنية للوداع حينئذ، وتذكرة من بعد من الشاعر. وإرسال القول فيه تحسر وتوجع. وقوله وسلما يريد وسلم علينا، فحذف علينا ويجوز أن يكون أراد بودعت الوداع الذي لا تلاقي بعده. ألا ترى أنه يقال للمفارق: غير مودع! أي جعل الله بعده التقاء. وقد كشف عن هذا المعنى طرفة حيث يقول:

قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالكوعوجي علينا من صدور جمالك
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك»
قفي لا يكن هذا تعلة ساعةلبين ولا ذا حظنا من نوالك

فإذا جعلت ودعت على هذا، انفصل معناه عن معنى سلمنا عليه وسلما. وهذا ظاهر.

وقوله رمى بصدور العيس مخرق الصبا يريد أنه توجه في المفازة حيث تنخرق الريح، ورمى بصدور رواحله نحوها، فلم يعرف له بعد ذلك خبر ولا أثر. وقوله أين يمما موضع الجملة من الإعراب نصب على أنه مفعول لم يدر، كأنه قال: لم يدر خلق ما يقتضي هذا السؤال. وهذا الكلام نهاية فيما يثيره الجزع من المشفق القلق، ويدور في شكوى المتوله الحدب، لأنه إذا لم يمكنه الرجوع إلى شيء بعد جولة الوداع والافتراق، إلا إلى صدمة اليأس والاكتئاب، فذاك أجلب للوادع الرزيئة، وأجمع لبوارح الشكية.

وقوله فيا جازي الفتيان بالنعم اجزه دعاء له، والمعنى أحسن إليه بدل إحسانه إلى خلقك، وجزاء على إنعامه في عبادك، وتجاوز عن سيئاته فيما كان فيه ظالماً، وعن الحق والنصف عادلاً. وقوله كان أظلما أي كان ظالما. وأفعل بمعنى فاعل جاء كثيراً. ومثله:

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

وجعل في الثاني شرطاً لأنه قال واعف إن كان وفي الأول لم يأت بمثله ليدل على سلامة طريقته من الجور والاهتضام، وبراءة ساحته في غالب ظنه مما يستحق به العقاب والانتقام. الكلام وإن كان فيه دعاء فهو تحسر وتوجع. وإنما قلت هذا لأن استعمال الدعاء بعقب ما ذكر طريق في إظهار الخيبة لا يكاد يعفيها تعاور الأحوال بالسلوة، ولا يحول عن سلوكها تعاقب الأرمان بالمساءة والمسرة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.