تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال شبيب بن عوانة (٢)

لتبك النساء المعولات بعولةأبا حجر قامت عليه النوائح
عقيلة دلاه للحد ضريحهوأثوابه يبرقن والخمس مائح
خدب يضيق السرج عنه كأنمايمد ركابيه من الطول ماتح

لتبك النساء أمر من فعل يدل على الحال. ألا ترى أنه وصف النساء المأمورات بأنهن معولات. والأمر وإن كان في الأكثر يبنى على المستقبل يصح أن يبنى على ما

للحال، ويراد به الاستدامة والاستمرار في الفعل. على ذلك قول الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ". وقوله بعولة تعلق الباء منه بلبتك، والمراد أن يكون بكاء المعولات أبا حجر بزيادة عولة. المعولات: الصائحات، والاسم العويل. وقامت عليه النوائح في موضع الحال وقد مضمرة، كأنه قال: لتبكه النساء فقد مات والنوائح ينحن عليه. وهذا كله تفظيع للرزيئة، وتنبيه على وجوب البكاء له، وأن الزيادة في العولات عليه مسوغة، لأن فقد اسمه غير مشاهد من قبل ولا معتاد.

وقوله عقيلة دلاه اقتصاص حال التجهيز والدفن، وأنها وقعت بمرأى منه ومسمع، فشقي بمزاولتها، وكمد لشاهدتها. وأراد بالأثواب أكفانه، فجعلها تبرق لبياضها. والمائح أصله الذي يدخل البئر فيغرف الماء في الدلاء إذا قل الماء. وها هنا أراد الذي يدخل القبر فينظفه ويصلح ما يجب إصلاحه منه. ودلى، أصله الإرسال، وتوسعوا فيه فقيل: دلاه بغرور، إذا خدعه. وتدلى على كذا بالحيل. فيقول: عقيلة هو الذي أرسله للحد القبر، وأكفانه لبياضها ونظافتها تلمع، والخمس هو الذي تولى من القبر ما تولى. وسوق كل هذا تفجع وتألم، وتذكر لما سخنت له العين، وأحرقت له الكبد.

وقوله خدب هو الكامل الخلق التام الأعضاء، القوي السوي. لذلك قال يضيق السرج عنه وقوله كأنما يمد ركابيه وصفه بامتداد القامة وطول البادين. ويحمد من الفارس ذلك. وقوله كان ماتحاً أي مستقياً، يمد ركابيه من بئر لطولهما. والخدب: الطويل. يقال: إن في ذلك لخدباً أي طولاً. وبعير خدب: ضخم شديد.

وقال:

أبا خالد ما كان أدهى مصيبةأصابت معداً يوم أصبحت ثاويا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لعمري لئن سر الأعادي وأظهرواشماتاً لقد مروا بربعك خاليا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فإن تك أفنته الليالي فأوشكتفإن له ذكراً سيفنى اللياليا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

خاطب المرثي فقال متلهفاً: ما أعظم مصيبة أصيبت بها قبائل معد يوم فجعت بك فأصبحت مقيماً في مكان لا تبرح منه. يشير إلى القبر. ويقال: ثوى بالمكان وأثوى جميعاً. وقوله أدهى يقال دهاه كذا يدهاه دهياً ودهواً، إذا أثر فيه تأثيراً شديداً وداهية دهياء ودهواء. والداهية: المنكر من الأمر. فيقول: إن المصيبة بك ما أعظمها وأنكرها، فيا لمعد فقد بليت بها.

وقوله لعمري مبتدأ وخبره محذوف، ولئن سر شرط، واللام موطئة للقسم، وجواب لعمري لقد مروا، وجواب الشرط ما دل عليه هذا الجواب. والمعنى: وبقائي لئن كان الأعادي مسرورين بموتك، شامتين بذويك وعشيرتك لفقدهم لك، فقد وقعت الشماتة في وقتها وحينها، ووافاهم السرور لحادث أمر عظم موقعه، لأنهم مروا بربعك خاليا. والمعنى: أن ما كان ممدودا على ذويك وأوليائك من نطاق الاعتزاز بمكانك، والاعتلاء بجدك وجدوه قاصراً زائلا منقطعا. وانتصب خاليا على الحال. وقوله فإن يك أفنته الليالي فأوشكت معنى أوشكت. أسرعت. كأنه استقصر مدة بقائه. ويجوز أن يكون استقصر مدة علته. والكلام في حذف النون من إن تك فقد تقدم في مواضع. وقوله فإن له ذكراً سيفنى الليالي يريد: إن كان عمره قد انقطع فإن ذكره متصل بالأبد، لا تفنيه الأيام ولا تقطعه الآماد، بل هو يفنى الأيام والآماد. ووشك البين: سرعة القطيعة. وتقول: لو شكان ذا، كما تقول: لعجلان ما كان كذا. ومثله قوله:

فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمهولا تسجنوا معروفه في القبائل
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.