تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال التيمي في منصور بن زياد

لهفي عليك للهفةٍ من خائفٍيبغي جوارك حين ليس مجير
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

لهفي مبتدأ، وهو لهفٌ مضاف إلى ضمير النفس، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفا. ولو روي لهفي عليك، لجاز، ويكون جارياً على أصله. وعليك في موضع الخبر. واللام من للهفةٍ متعلقٌ بما دل عليه لهفي. فيقول: لي عليك حسرةٌ شديدةٌ من أجل حسرة رجلٍ نابه من حوادث الدهر ما اختشي له فطلب جوارك، والاستعاذة بفنائك، وقت لا مجير له ثم لا يجدك. وقوله حين ليس مجير ظرفٌ ليبغي، ويبغي في موضع الصفة لخائف. وخبر ليس محذوف، كأنه قال: حين ليس مجيرٌ في الدنيا، أو ينعشه، أو ما أشبه ذلك. وأضاف حين إلى ليس فبناه لأن المضاف إليه غير متمكن، فاكتسب البناء من جهته، فالفتحة في حين إلى ليس فبناه لأن المضاف إليه غير متمكن، فكتسب البناء من جهته، فالفتحة في حين فتحة بناءٍ. ولا يمتنع أن يكون فتحة إعراب، كأنه أجرى حين على سلامته ولم يعتد بالإضافة فيه.

أما القبور فإنهن أوانسٌبجوار قبرك والديار قبور
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أما القبور فإنهن أوانس»
عمت فواضله فعم هلاكهفالناس فيه كلهم مأجور

يقول: فارقت الأحياء وفي كل فرقةٍ من فرقهم غمٌ شامل، وزفرةٌ متصلة، فاختلطت بالأموات، فالأنس الذي كان في الأحياء انتقل بانتقالك إلى الأموات، فديار الأحياء ذات وحشةٍ ونفور، فهي كالقبور لما حصل فيها من الفجع بك، وفارقها من نسيم الروح والراحة بفراقك. وقبور الأموات ذوات أنس وقرارٍ بمجاورتها لقبرك، ولما يغدو ويروح إليها من زوارك.

وقوله عمت فواضله فعم هلاكه يريد أن إحسانه عم الخلق، وصنائعه شملتهم، فبحسب ذلك عمتهم الفجيعة به، فالناس كلهم مصابون مأجورون، قد استوت أقدامهم وتناسبت أحوالهم فيما نالهم من الحسرة فيك، وأضر بهم من الخلل الواقع في عيشهم بك.

يثنى عليك لسان من لم تولهخيراً لأنك بالثناء جدير
ردت صنائعه إليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أما القبور فإنهن أوانس»

يقول: عرف الناس على اختلافهم وتباين أوطانهم، فضلك وفواضلك، فاتفقت ألسنتهم في الثناء عليك والحمد لك، فمن لم تسد إليه خيراً منك، ولم تشركه في النعمة عندك، صار مقتدياً بغيره في إطائك ومدحك، وتقريظك وتزكيتك، لأنك عندهم كلهم جديرٌ بذلك، لا لمكافأةٍ على إحسانك، ولا لشكرٍ وجب عليهم في تحمل أفضالك.

وقوله ردت صنائعه إليه حياته، يقول: تذاكر الناس بعوارفك لديهم، ونشروا محامدك فيهم، فكأنك حيٌ لم يوارك قبر، ولم يفز بك موت. ويقال أنشر الله الموتى ونشرهم جميعاً. وأنشر أفصح. وقوله من نشرها أي من نشر الناس لها، فأضيف المصدر إلى المفعول.

فالناس مأتمهم عليه واحدٌفي كل دارٍ رنةٌ وزفير
عجباً لأربع أذرعٍ في خمسةٍفي جوفها جبل أشم كبير

أصله المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر، وجعله ها هنا المصيبة نفسها. والرنين: الصوت. والرنة الفعلة منه. وانتصب عجباً على المصدر، والعامل فيه فعلٌ مضمر، كأنه قال: عجبت عجباً. وإنما قال أربع أذرع، لأن الذراع مؤنثة، وفي خمسة لأنه أراد الأشبار. والشبر مذكر. ويشبه هذا قوله:

بلى قد وسعت الجود والجود ميتٌولو كان حياً ضقت حتى تصدعا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لندبك أحزان وسابق عبرة»

والجبل الأشم: الطويل الرأس. ويقال عزٌ أشم، يراد به الارتفاع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.