من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال قراد بن غوية
ألا ليت شعري ما يقولن مخارقإذا جاوب الهام المصيح هامتي
ودليت في زوراء يسفى ترابهاعلي طويلاً في ثراها إقامتي
تقدم القول في ليت شعري وأن خبر ليت يحذف أبداً كما يحذف خبر المبتدأ بعد لولا، وأن شعري بمعنى علمي، ويصير ما بعده ساداً مسد مفعوليه كما يسد جواب لولا مسد خبر المبتدأ بعده. وإنما تمنى أن يعلم موقع مصابه من مخارق على حسن تربيته له، وحميد تعطفه عليه، وميله مدة عيشه إليه. وكيف يجزع له ويقلق لفراقه إذا حدث به قضاء الله ودخل في جملة الأموات، وجاوب صداه أصداءهم. وهذا على عادتهم فيما كانوا يقولونه من أن عظام الموتى تصير أصداء وهاماً؛ حتى قال النبي ﷺ: " لا عدوى ولا هامة ولاصفر ". ويقال صاح يصيح، فإذا أريد
المبالغة قالوا صيح. ويقال: سمعت الصيحة في الغارة وما أشبهها، وسمعت الصائحة، في صيحة المناحة. وقوله " ما يقولن مخارق " أدخل النون الخفيفة لتؤذن بالاستقبال، وموضع النونين الخفيفة والثقيلة الاستفهام وكل ما ليس بواجب، وإذا ظرف ليقولن، وجاوب جملة مضاف إليها وشرح إذا بها.
وقوله " ودليت في زوراء يسقى ترابها " أي أدخلت فأرسلت في حفرة معوجة، يعني اللحد، وقوله " يسفى ترابها علي " أي يهال ترابها عليه إذا دفن فيها. وقد مضى القول في السافياء والسوافي، إلا أنه يقال سفت الريح التراب سفياً، ثم قالوا: سفى التراب يسفى، والتراب ساف، وهو من باب فعل وفعلته. وقال بعضهم: كان يجب أن يقال في التراب مسفى فقيل ساف، كقولهم عيشة راضية وإنما هي مرضية. وقال الخليل: السفا: اسم ما تسفيه الريح من التراب وغيره. وطويلاً: انتصب على الحال، والعامل فيه دليت، وإقامتي في موضع الرفع على أنه فاعل طويلاً. والمقبور هكذا مقامه في الثرى. وهذا اقتصاص حاله عند ما تمنى معرفته من جهة مخارق إذا حصلت له من التلهف والتوجع. ثم استمر في ذكر الحال فقال:
وقالوا ألا لا يبعدن اختيالهوصولته إذا القروم تسامت
وما البعد إلا أن يكون مغيباًعن الناس منى نجدتي وقسامتي
يريد: وقال الناس مكبراً ما يقع بي، ومظهراً الفجيعة لي: لا يبعدن اختياله وصولته، يعني كبره وحميته، وبأسه وبطشه، إذا حصل بين الصفين، فتدافعت فحولة الرجال، وتزاحمت أركانهم في القتال أو الجدال. وقد تقدم القول في لا يبعدن وما أشبهه. والقرم: جمع القروم، وهو الفحل أقرم، أي ترك حتى استقرم، وهو المكرم لا يحمل عليه شيء، وإنما يترك للفحلة. ويقال قرم ومقرم. على ذلك قوله:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابهتخمط فينا ناب آخر مقرم
ومعنى تسامت تبارت في السمو ذكراً وحالاً.
وقوله وما البعد إلا أن يكون مغيباً يقول: إن الانتفاع بهذا القول إعظاماً للرزء ليس يقع، لأن البعد كل البعد في الموت، الذي يتغيب به عن الناس ما شملهم من
معونتي ومغوثتي، وإحساني وإفضالي، ويقال رجل نجد، وهو ظاهر النجدة. ورجل قسيم وسيم: ظاهر القسمة والوسامة. كأنه أراد بالقسامة ما قسم في الخلق من طوله. وكذلك قولهم: رجل مقسم الوجه، يرجع إلى هذا، لأن المعنى ما قسم في أعضائه من الحسن، فكل عضو يمت بمثل ماتة صاحبه. والقسامة: الجماعة يشهدون على الشيء ويقسمون مع الشهادة.
أيبكي كما لو مات قبلي بكيتهويشكر لي بذلي له وكرامتي
وكنت له عماً لطيفاً ووالداًرؤوفاً وأماً مهدت فأنامت
قوله " أيبكي " هو بيان ما تمنى معرفته من أحوال مخارق عند مفارقته له، فقال: ليتني علمت هل يوفى الجزع حقه، كما لو أصبت به كنت أوفيه، ويرثي لي بمثل ما كنت أرثيه؛ وهل يشكر آلائي لديه، وإقبالي عليه، وإحساني إليه مدة حياتي أم لا. فحذف لا لأن المراد مفهوم، أنه يريد أيكون ذلك أم لا. وعلى ذلك قول القائل: ليتني علمت أزيد في الدار إذا سكت عليه، فلا بد من أن تريد أم لا.
وقوله " وكنت له عماً لطيفاً "، أي كنت جمعت له مدة عمري وما اطرد في نفسي، بين حدب الآباء وشفقتهم، ولطف العمومة وتوفرهم، وتفقد الأمهات وإشبالهن. والمعنى: كنت أتنقل له في الأحوال بين ما يأتيه العم في وقت لطفه أو يأتيه الوالد وقت رأفته، أو الأم وقت تربيتها ولطفها. وقد سارت هذه اللفظة، وهي أم مهدت فأنامت مثلاً فيما ينشر من إحسان الغير إلى الغير. ويقال: ما امتهد فلان عندي مهد ذلك، أي ما وطد لنفسه. وقد أخرج في معرض آخر فقيل:
كما مهدت للبعل حسناء عاقر
وروى بعضهم: " ويشكرني بذلي له وكرامتي " على أن يكون بذلي بدلاً من المضمر في يشكرني.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع