من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الربيع بن زياد العبسي (٢)
في مالك بن زهير العبسي:
إني أرقت فلم أغمض حارمن سيئ النبأ الجليل الساري
من مثله تمسي النساء حواسراًوتقوم معولة مع الأسحار
يقول: لما تساقط الخبر الموجع الساري بليل، والعظيم في شأنه، الفظيع عند وقوعه إلى، سهرت فلم أغمض يا حار. كأنه ذكر ابتداء حاله لابتداء نعيه. والأرق: السهر. ويقال غمضت عيني بالتشديد، وغمضتها، واغتمضت. وأضاف السيئ إلى النبأ لأنه جعل النبأ للجنس، فهو كإضافة البعض إلى الكل. ويقال: أساء ما صنع، فهو سيئ، وساءني الشيء مساءة، وسؤتني بما فعلت مساءة ومسائية. ويقال السيئ والسيئة والسوءى. والسيئة كالخطيئة، وهو بإزاء الحسنة، والسوءى بإزاء الحسنى. والسوء: الاسم الجامع للآفات والأدواء. وقوله من مثله تمسي النساء حواسرا أي يأتي عليهن المساء وقد طرحن خمرهن فهن كاشفات الرءوس، مسبلات الشعور، لا يكتسين ولا يستترن، ويقمن مع السحر صائحات عائدات إلى عادتهن من النياحة والبكاء. وقيل الإمساء من الظهر إلى المغرب، وقيل بل إلى نصف الليل من الإمساء. وروى بعضهم: " تمشي النساء " أي يمشين متبرزات لا يدفعهن عن ذلك حشمة ولا يحجزهن رقبة. والأول أجود، حتى يكون المساء في مقابلة الصباح، ويكون الشاعر قد ذكر طرفي النهار من أوقاتهن.
أفبعد مقتل مالك بن زهيرترجو النساء عواقب الأطهار
ما إن أرى في قتله لذوي القوىإلا المطي تشد بالأكوار
هذا فيه ما في قول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهمدون النساء ولو باتت بأطهار
وإلى هذا أشار أبو تمام في قوله:
لبيت صوتاً زبطرياً هرقت لهكأس الكرى ورضاب الخرد العرب
وقوله أفبعد لفظه لفظ الاستفهام، والاستفهام يطلب الفعل، فكأنه قال: أترجو النساء عواقب الأطهار بعد مقتل مالك؟ وهو ينكر أن يكون ذلك أو يستجاز وقوعه. والمراد بعواقب الأطهار مراجعة البعولة إلى مضاجعة النساء بعقب أطهارهن والتمتع بهن. والمعنى أن الأمر أفظع من أن يتوهم ذلك، والخطب في المصاب به أنكى في القلوب والنفوس من أن يتذكر لذات، أو يتحدث بتناسل وولادات. وقوله ابن زهير جعل عروض الضرب الثاني من الكامل مقطوعة، ولو قال زهير لاستفام له وكان يكون متفاعلن. وهم يدخلون على الأعلام التغيير كثيراً، لكنه مال إلى هذا وجعله فعلاتن. وقد فعل في أول المقطوعة مثل ذلك، لكنه في ذلك أعذر لأنه جعلها مصرعة، ولم يرض بأن جعله فعلاتن حتى سكن العين منه وجعل مفعولن، ويسمى مقطوعاً مضمراً. وفعل أيضاً مثله في قوله:
ومجنبات ما يذقن عذوفاً
والعذر فيه كالعذر في قوله " أفبعد مقتل مالك بن زهير " ولو قال " عذوفة " لاستقام له. وربما مالوا إلى المزاحف من غير ضرورة. على ذلك قول المتنخل في الطائية:
أبيت على معار فاخراتبهن ملوب كدم العباط
رووا أن كل العرب ترويه معار فاخرات بالتنوين، وإنما هو من الضرب الأول من العروض الأولى من الوافر: مفاعلتن مفاعلتن فعولن، فجعل مفاعلتن الثاني مفاعلين بالعصب، وهو في زحاف هذا البحر جائز، لكنه لو روى معارى بفتح الياء لسلم، ولم يفعل. وقوله " ما إن أرى في قتله لذوي القوى " أضاف المصدر إلى
المفعول والمراد في قتلهم لمالك، ويعنى بذوي القوى ذوي الرأي والفعل، والعدد والعدة، فيقول: لا أرى لمن كان هكذا من أولياء دمه وطلاب ثأره، إلا امتطاء الإبل وتجنيب الخيول، وركوب كل صعب وذلول، إلى أن ينال من العدو مثل ما ناله منهم، فإن في ركوب الجد مساعدة من الجد، ولن ترى العزم أصرخ بالفعل إلا وثم مطاوعة من القدر. وقوله تشد بالأكوار يريد تشد الأكوار عليها، فرمى بالكلام.
ومجنيات ما يذقن عذوفاًيقذفن بالمهرات والأمهار
ومساعراً صداً الحديد عليهمفكأنما تطلى الوجوه بقار
عطف قوله ومجنبات على إلا المطي والمراد أرى لهم أعدادهم مطايا مرحولة، وخيلاً مجنوبة. وكذا كانت عادتهم في مقصدهم الغارات، وركوبهم إلى الوقعات، أن يركبوا الإبل ويجنبوا الخيل إلى أن ينتهوا إلى موضع الغارة، أو ملتقى القوم للمحاربة، فحينئذ ينيخون الإبل ويركبون الخيل وهي وادعة لم يلحقها كبير تعب، ولم يمتلكها سآمة ضجر، فيعلمونها كما يحبون.
وهذا كما قال النابغة يصف خيل عمرو بن هند:
مقرنة بالأدم والعيس كالقطاعليها الخبور محقبات المراجل
ويقذفن بالأولاد في كل منزلتشحط في أسلائها كالوصائل
ومعنى ما يذقن عذوفاً أي أدنى ما يؤكل. وقال الخليل: يستعمل في الطعام والشراب. ويقال: ما ذقت عذفاً ولا عذوفاً ولا عذوفة ولا عذفاً أي ذواقاً. والفعل منه قد يبنى فيقال تعذفت عذوفة. وقوله بالمهرات والأمهار أي لما يلحقهن من الكلال، والتحامل عليه في طي المنازل بها والترحال والمساعر: جمع المسعر، وهو كأنه آلة في إسعار نار الحرب وإيقادها. وإنما قال صدأ الحديد عليهم لاتصال لبسهم الدروع، وكأنما تطلى الوجوه بقار لأن المراد أن السموم والحرور قد لفحت وجوههم، وغيرت ألوانهم، لأنهم تعودوا قصد الغارات، وقطع المشاق. وجعل الخيل كالفرسان والفرسان كالخيل في الصبر والثبات.
من كان مسروراً بمقتل مالكفليأت ساحتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنهيلطمن أوجههن بالأسحار
كانت العادة مستمرة مستحكمة فيهم، أنهم لا يندبون القتيل أو يدرك ثأره. فيقول: من كان فرحاً بمقتل مالك، شامتاً بأوليائه، فلينزع ملابس المسرة وليطرح أردية الشماتة، فقد أدركت الأثار وأريقت الدماء، وشفيت الأدواء، وليحضر ساحتنا في أول النهار، ليرى أن ما كان محرماً من الرثاء قد حل، وأن الحظر الواقع ببكائه قد رفع، ويجد النساء مكشوفات الرءوس يذكرنه بما كان من فضائله، ويندبنه بأشهر أوصافه، وأعلى مراتبه ومحاله، فإن ذلك متصل من فعلهن غير منقطع في أطراف الليل والنهار، والآصار والأسحار، وبعضهم يرويه:
من كان محزوناً بمقتل مالك
والمراد الموالون، كما كان المراد بالأول المنابذين. وأكثر من رأيناه كان يروى فليأت نسوتنا ورأيت الأستاذ الرئيس أبا الفضل ابن العميد يقول: إني لأتعجب من أبي تمام مع تكلفه رم جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن بشع الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله فليأت نسوتنا. وهذه لفظة شنيعة. وكيف ذهب عليه تأمل قوله:
قلت لقوم في الكنيف تروحواعشية بتنا عندما وان رزح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكمإلى مستراح من حمام مبرح
حتى جمع بين كنيف ومستراح في بيتين. وتأمل أمثال ما ذكره وبينه من شرائط الاختيار.
قد كن يخبأن الوجوه تستراًفاليوم قد أبرزن للنظار
يضربن حر وجوههن على فتىعف الشمائل طيب الأخبار
يصفهن بأنهن ابتذلن أنفسهن للمصيبة وقد كان من قبل ستر الصيانة مسبلاً عليهن، لا يظهرن المعاري من الوجوه وسائر الأعضاء لأحد من الناس، لتسترهن وارتفاع محالهن ومناصبهن عن التبرز والتبرج، إذ كن بيضات خدور وربات حجال وستور. وقوله فاليوم قد أبرزن للنظار يريد الوجوه. وهن وإن رمين قناعهن،
وأظهرن محياهن فإن أحداً لا يطمع في الدنو منهن، والنظر إليهن، فيخرج إلى حد المنكر. وقوله يضربن حر وجوههن على فتى يريد ما ينلن من أنفسهن بالضرب والإهانة، إجلالاً للرزيئة، وافتداء للمرثى. والعف: العفيف، ومصدره العفة والعفاف. والشمائل: خليقة الرجل وطبيعته، واحدها شمال. وقولهه طيب الأخبار أي حديثه حسن في الناس لا يؤبن بدنية، ولا يوسم بنقيصة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع