من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ابن عنمة الضبي
في مقتل بسطام بن قيس:
لأم الأرض ويل ما أجنتبحيث أضر بالحسن السبيل
يعظم شأن الارض كيف ترشحت لستر بسطام فيها، ومن أين صارت يتسع بطنها له ميتاً وهي تضيق عن أفعاله وذكره حياً. وقال الأصمعي في تفسير ويل إنه قبوح. ولك أن تقول لإم تتبع حركة الهمزة حركة اللام. وارتفع ويل بالابتداء وإن كان نكرة، لأنه علم أنه دعاء، فحصل به مثل فائدة المعارف. ومعنى لام الأرض ويل، فهو في لفظ ما وقع. وقوله " ما أجنت " ما استفهام، وموضعه مفعول أجنت. يقول: سترت رجلاً وأي رجل، أي سترت جليلاً من الأملاك رفيع بناء العز، واسع باع الفخر. وقوله بحيث أضر جعل حيث اسماً. ومعنى أضر: دنا. والحسن، حتى نكون مثلناه على المذهبين جميعاً.
نقسم ماله فينا وندعوأبا الصهباء إذ جنح الأصيل
يقول: نقسم فواضل ماعندنا من غنائم غزواته وما بقاه ولم يقسم فينا لوقت يختاره له، فبقى بعده. وفي اقتسام تلك الأموال ما يهيج الحسرات، لأوقات الغارة في البكرات. ثم قال وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل يشير إلى وقت الأضياف، وأن الحي في ذلك الوقت يصير ضجة واحدة، تلهفاً في إثر الفائت، وتذكراً له، وتوجعاً لما فقد من المستانف من تلك الرسوم واستمرارها. ومعنى ندعوه نندبه
ونقول: وابسطاماه! وإنما قال ماله لأن ما اجتمع بسعيه وحده، وبأسه وسطوته، كان له. ومعنى جنح مال. والأصيل العشية. وأبو الصهباء: كنية بسطام.
أجدك لن تراه ولن تراهتخب به عذافرة ذمول
ألم في هذا بقول النابغة:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم
كأنه لشدة الأمر عليه يكذب المشاهدة ويدع التصديق بها في الوقت بعد الوقت، إما استعظاماً للحال، وإما لآفة تلحق العقل، وضعف يتخلل التحصيل، فكأنه بعدما اقتص من الحال ما اقتص، وشرح من الفجع ماشرح عاودته تلك الحالة وعادته، فاقبل على نفسه يستثبتها وقال: أعلى جد منك، وانجد جدك، أنك في مستقبل الأوقات لا تراه متمكناً منه قريباً، على عادتك في حال الأمن معه، ولا تراه أيضاً من بعيد في الغزو وتسير به الخبب راحلة قوية خفيفة.
وقد ظهر بما ذكرته فائدة تكرار حرف النفي في كلامه، لأن لن نفى قول القائل أسيفعل كذا زيد؟ فيقول: لن تفعل. فقوله لن تراه نفي الرؤية في حال السلم، ولن تراه نفى لها في حال الغزو. وتخبء به في موضع الحال.
حقيبة رحلها بدن وسرجتعارضها مريبة دؤول
إلى ميعاد أرعن مكفهرتضمن في جوانبها الخيول
يقول: تخب به ناقة بهذه الصفات وقد شد في الحقيبة التي ارتدفها درع قدر ما يستر البدن، وسرج لما جنب معه من فرس تعارض هذه الناقة في السير؛ وهي لعزها وكرمها على ربها، ربت في البيوت ولم تترك هملاً، وسيرها الذميل. ويقال رببته بالتشديد بمعنى. والدألان: ضرب من السير. والاحتقاب: شد الحقيبة من خلف، وكذلك الاستحقاب.
وقوله: إلى ميعاد أرعن يعنى به جيشاً كانه رعن جبل. وقيل: جيش أرعن: له فضول. والرعن: أنف يتقدم من الجبل، والجميع الرعان والرعون. مكفهر، أي مرتفع عال. وقوله تضمن في جوانبها الخيول أي تقرن الخيل بالإبل في جوانبها، إذ كان لكل رجل راحلة وفرس يقوده معه.
ومثل هذا قوله:
خصفن بآثار المطي الحوافرا
يقول: تسير به راحلة معها جنيبة، إلى ميعاد أرعن، أي جيش كثير ضمن جوانب رواحلها الخيول. ويروى: (تضمر في جوانبها) بالراء، والمعنى تصنع الخيول وتعدى في القرتين في جوانبها. والمراد أن فرسان هذه الكتيبة دأبهم ذلك.
لك المرباع منها والصفاياوحكمك والنشيطة والفضول
أقبل يخاطب المرثى بعد الإخبار، على عادتهم في الكلام.
وقال أبو عبيدة: كان رئيس القوم في الجاهلية إذا غزا بهم فغنم أخذ من جماعة الغنيمة ومن الأسرى والسبى على أصحابه المرباع، وهو الربع، فلذلك قال (لك المرباع منها) فصار هذا الربع الذي كان في الجاهلية للرئيس في الاسلام خمساً. وكان له الصفى: واحد الصفايا من جماعة الغنائم والأسلاب والكراع قبل القسمة، وهو أن يصطفى لنفسه شيئاً: جارية أو سيفاً أو فرساً أو ماشاء، وبقى الصفى على حاله في الإسلام: اصطفى النبي ﷺ سيف منبه ابن الحجاج ذا الفقار يوم بدر، واصطفى جوير ية بنت الحارث من بني المصطلق يوم المريسيع، فجعل صدقتها عتقها وتزوج بها، واصطفى صفية بنت حي ففعل ذلك بها.
وقال أبو عبيدة: وكان له النقيعة أيضاً، وهو بعير ينحره قبل القسمة فيطعمه الناس كذلك. قال:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهمضرب القدار نقيعة القدام
قال: وسقط في الإسلام النقيعة.
قال: وله حكمه، وهو أن يبارز الفارس فارساً قبل التقاء الجيشين فيقتله ويأخذ سلبه. والحكم فيه إلى الرئيس، إن شاء نفله وإن شاء رده إلى جملة المغنم. وهذا باق في الاسلام.
وله أيضاً (النشيطة) وهو ما انتشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب. فبقيت في الإسلام. وفدك من ذلك، لم يوجفوا عليه فكان للنبي ﷺ خاصة.
قال: وكان للرئيس البسيطة، وبعضهم يسميها البسط، وهي الناقةأو الحجر معها ولدها، فتجعل هي وولدها في ربع الرئيس ولا يعتد عليه بالولد.
وقال: وسقط البسيطة في الاسلام.
وكان له (الفضول) وهو ما فضل بعد القسمة ويعجز عن عدد الغزاة، أو لا يتناوله القسم، وهذا سقط أيضاً في الاسلام. قال أبو عبيدة: غير أني حدثت عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول)، قال: هو ما شذ من الغنائم، كالفضول. وقيل إنها منسوخة.
أفاتته بنو زيدبن عمروولا يوفى ببسطام قبيل
فخر عللا الألاءةلم يوسدكأن جبينه سيف صقيل
قوله (أفاتته) فات يتعدى إلى مفعول. تقول: فاتني الشيء، فإذا أدخلت عليه حرف التعدية تعدى إلى مفعولين. فإذا كان كذلك فأحد المفعولين محذوف، كأنه قال: أفاتت الناس بنو زيد بن عمرو بسطاماً، أي الانتفاع ببسطام. وقوله (ولا يوفي ببسطام قبيل) بالباء يروى، والمعنى لا يوفى بدمه قبيل، كأن القبيلة بأسرها مطالبون بدمه ووافون به إذا أتى بهم كلهم. وهذه الرواية أقرب إلى مايدل عليه صدر البيت وأشبه. ويروى (قتيل) بالتاء، ويكون الكلام تحسراً، والمعنى لا يوفى بدم بسطام دم قتيل. ويقال وفى وأوفى بمعنى واحد.
وقوله (فخر على الألاءة)، معناه سقط. والألاءة: شجرة ولم يوسد، يستعملونه كثيراً في القتيل، وليس ذلك لأن القتلى بعضهم يوسدون. وقد يقال (وسد يمينه في ضريحه)، وهذا أيضاً مثل؛ لأن الميت لا يوسد يمينه، وإنما
يراد: تجافى المكان به في حالتي الدفن والقتل، وقوله (كأن جبينه سيف صقيل) يريد وجهه وإشراق لونه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع