تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال مسجاح بن سباع

لقد طوفت في الآفاق حتىبليت وقد أنى لي لو أبيد
للشاعر المسجاح الضبي، من قصيدة «لقد طوفت في الآفاق حتى»
وأفناني ولا يفنى نهاروليل كلما يمضي يعود
للشاعر المسجاح الضبي، من قصيدة «لقد طوفت في الآفاق حتى»
وشهر مستهل بعد شهروحول بعده حول جديد
للشاعر المسجاح الضبي، من قصيدة «لقد طوفت في الآفاق حتى»
ومفقود عزيز الفقد تأتىمنيته ومأمول وليد
للشاعر المسجاح الضبي، من قصيدة «لقد طوفت في الآفاق حتى»

يقول: جلت في نواحي الأرض شرقها وغربها، عافياً وطالباً بما يطلب به مثلي المال والجاه، والعز والفخر، إلى أن مسني الكبر، وتسلط علي البلى والهرم، وضعف الأمل في البقاء بحسب قوة الخوف من الفناء، فقد آن لي أن ألحق السابقين إن قدر لي ذلك. وقوله أنى لي يقال أنى وآن بمعنى، وفاعله ما دل عليه لو أبيد، والمعنى أنى لي البيود إن كتب وقضى علي.

وقوله وأفناني ولا يفنى نهار جمع بين فعلين، على قوله نهار، لكنه أعمل الثاني، وهو المختار. المراد: أُثر في قواي مضى نهار لا يتقضى، وتجدد ليل لا يتصرم، بل كلما يمضي واحد عاد بدله آخر، وكذلك أفناني، أي أفنى جدتي وغنائي، شهر ينسلخ بعد استهلاله، إلى وقت استكماله، وسنة يتبعها مثلها، فلا يعرف قضاؤها. ثم ما يلحقني في أثناء تلك الليالي والأيام، والسنين والأعوام، من فقد من أعتمده ليومي وغدي، وخلافتي بعد موتي وأستكفله ولدي، وأسترعيه هملي. هذا مع كماله في فضله، وبراعته وطوله، والإشادة بالتنويه إليه من كل جانب، والشهادة له بالتبريز من كل فاضل. ومن ولادة طفل يعلق الرجاء بنشئه، وتجمع أسباب الطمع في حياته، ويشغل الوقت بتربيته والترفرف عليه عوضاً مما كان له من كاسبه وكافله، ورحمة لبقائه بعد من كان يعز عليه، وعقب من هنئ فيه فلم يهنأه.

وإذا تأمل الناظر ما اقتصه هذا الشاعر في هذه الأبيات على قلتها، من امتحانه بالكبرة والسن، وتراجع القوة بمآخذ الدهر، ومع التجوال في البلدان، ومقاساة الشقاء في الحل والترحال، والتنقل في الأحوال، ثم مرور الأيام وكرورها بما لا يسر عليه، إلى أن رفع الطمع عما كان تجمعه يده ونفض اليد مما كان يشده قبضه، ثم المصاب

في الكامل البارع، وتعليق الرجاء بالطفل الدارج وجد عيشه على العكس مما وصفه امرؤ القيس في قوله:

ألا أنعم صباحاً أيها الطلل الباليوهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وهل ينعمن من كان أقرب عهدهثلاثين شهراً أو ثلاثة أحوال
وهل ينعمن إلا خلي مخلدقليل الهموم ما يبيت بأوجال

فتأملها فإنها عجيبة.

؟؟؟؟؟؟؟؟ //وقال حران بن عمرو بن عبد مناة يرثى زيد الفوارس وغيره من أبناء عمومته:

تبكي على بكر شربت بهسفها تبكها على بكر
هلا على زيد الفوارس زيد اللات أو هلا على عمرو
تبكين لارقأت دموعك أوهلا على سلفى بنى نصر

هذه امرأة ضايقت الشاعر - وهي من بطائنه - في بكر باعه واشترى بثمنه خمراً، فأخذ يذكر حالها وينكر بكاءها، فقال: تبكي هذه المرأة على بكر شربت به، أي شربت خمراً سبأت بثمنه. ويروى (شربت به)، ويكون أظهر.

ثم قال، بعد أن أخبر عنها بما أخبر، كالمتلفت إلى إنسان بحضرته: سفها تبكيها على بكر. فانتصب سفها على المصدر، وهو المفعول له. وتبكيها في موضع رفع بالابتداء، وعلى بكر في موضع الخبر، أي لسفها فعلت ذلك، لأنه لم يبلغ من قدر بكر ماتكلفته. ولو روى: سفه تبكيها على بكر، فجعل التبكي هو السفه لم يمتفع، وكان خبراً مقدما، وعلى بكر يكون لغواً.

قوله (هلا زيد الفوارس) إلى آخر البيت، هلا حرف تحضيض وهو يطلب الفعل، وذلك الفعل هو تبكين. يخاطبها، أي هلا تبكين على هؤلاء الجبال التي انهدت، والبحور التي غاضت بزيد الفوارس أو عمرو. ثم دعا عليها فقال: لاأرقأ الله دمعك، أم هلا تبكين على سلفى بني نصر. وإنما ثنى السلف لأنه أراد العمومة والخؤولة.

خلوا على الدهر بعدهمفبقيت كالمنصوب للدهر
إن الرزيئة ما أولاك إذاهز المخالع أقدح اليسر
أهل الحلوم إذا الحلوم هفتوالعرف في الأقوام والنكر

يقول: مضوا لسبيلهم، وانتقلوا إلى جوار من هو أملك بهم، وتركوا أعباء الدهر على ظهري، فهي تثقل علي وتعرضني لنوائبه وأحداثه، فأنا كالغرض المنصوب له، ليس لي من يتحمل عني، ولا من يؤازرني أو يشد أزرى. ومعنى (خلوا على الدهر) أي صرت فريسة للدهر، فكأنهم هم الذين أغرزوه بي لما ذهبوا عني وأفردوني. وهذه اللفظة تستعمل في إغراء الجوارح على الصيد.

وقوله (إن الرزيئة ما أولاك) إلى آخر البيت، يريد: المصيبة كل المصيبة هم أولاك إذا اشتد الزمان وأسنت الناس، واحتيج إلى مجامع الآيسار، لإصلاح أمر الفقراء والأيتام، فلم يوجد من يرجع إليه أو يعتمد على إفضاله وتفقده. وقوله (ما أولاك) ماصلة. ومعنى هز أجال. والمخالع: المقامر. والمخالعة: القمار. وقيل إنما سمى مخالعاً لأنه هو المولع باليسر، فهو الذي يخلع مال غيره وينخلع هو أيضاً من ماله، منافسة وحرصاً على الميسر واكتساب الحمد فيه وله. وقوله (إذا هز) هو ظرف لما دل عليه (ما أولاك).

يريد أن الرزيئة افتقار الناس إلى أولئك في مثل هذا الوقت فلا ينالون. وقوله (أهل الحلوم إذا الحلوم هفت) بصفهم بالرزانة فيقول: إذا دهم من الأمر ما تهفو فيه العقول وتزل فيه الأقدام، فهؤلاء لأصالة آرائهم يثبتون عند المزاولة، ويداوون الأمور بدوائها من غير طيش ولا سفه، ولا تجاوز حد وعنت. وقوله (والعرف في الأقوام) أراد: وهم أهل العرف والنكر في الأقوام. يعنى أنهم ينزلون الأقوام منازلهم من الموالاة والمداجاة، فمن داجى كان له النكر منهم، ومن والى كان له العرف.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٣٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.