من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ قيس بن الخطيم
ــ
جدير أَي خليق
وَابْن صبح كنى بذلك عَن ضيَاع نسبه وَإنَّهُ ابْن زنا حملت بِهِ أمه مِمَّن أغار على قبيلته وَإِنَّمَا نسبه إِلَى الصُّبْح لِأَن الْعَادة جرت بِأَن الْمَرْأَة إِذا ولدت من زنا طرحت وَلَدهَا فِي الطَّرِيق وَقت الصُّبْح والسادر اللاهي المتحير التائه فِي الغي وَقَالُوا فِيهِ إِنَّه يستهزئ بِهِ أَي يُغير وَقت الصُّبْح كَمَا يَفْعَله الشجاع فنسبه إِلَيْهِ كَمَا قَالُوا ابْن الْحَرْب وَابْن الفيافي والسادر الَّذِي يَجِيء من غير جِهَته
قيس بن الخطيم بن عدي بن عَمْرو بن سَواد بن ظفر شَاعِر جاهلي أَنْصَارِي أوسي جيد الشّعْر حسنه شهد لَهُ شعراء عصره بالإجادة والتقدم فِيهِ أَتَى إِلَى النَّبِي ﷺ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَام وتلا عَلَيْهِ شَيْئا من الْقُرْآن فَقَالَ إِنِّي لأسْمع كلَاما عجيبا فَدَعْنِي أنظر فِي أَمْرِي هَذِه السّنة ثمَّ أَعُود إِلَيْك فَمَاتَ قبل الْحول وَله فِي وقْعَة بُعَاث الَّتِي كَانَت بَين الْأَوْس والخزرج أشعار كَثِيرَة وفيهَا قتل وَكَانَ من خبر هَذَا الشّعْر أَن رجلا من بني عبد الْقَيْس عدا على أبي قيس فَقتله وَكَانَ قيس إِذْ ذَاك صَغِيرا وَكَذَلِكَ جده عدي عدا عَلَيْهِ رجل من بني عَمْرو بن عَامر فَقتله وَقتل الخطيم قبل أَن يثأر بِأَبِيهِ عدي فَخَشِيت أم قيس على ابْنهَا أَن يطْلب بثأر أَبِيه وجده فَيهْلك فَجعلت لَهما قبرين بِفنَاء الْبَيْت فَلم يشك قيس فِي ذَلِك وَنَشَأ قيس أيدا شَدِيد الساعدين فنازع يَوْمًا فَتى من فتيَان بني ظفر فَقَالَ لَهُ ذَلِك الْفَتى وَالله لَو جعلت شدَّة ساعديك على قَاتل أَبِيك وَجدك لَكَانَ خيرا لَك فَأتى أمه وألح عَلَيْهَا أَن تخبره فَلَمَّا رَأَتْ الْجد مِنْهُ فِي ذَلِك أخْبرته بِخَبَر
طعنت ابْن عبد الْقَيْس طعنة ثَائِرلَهَا نفذ لَوْلَا الشعاع أضاءها
ملكت بهَا كفي فأنهرت فتقهايرى قَائِم من دونهَا مَا وَرَاءَهَا
يهون عَليّ أَن ترد جراحهاعُيُون الأواسي إِذْ حمدت بلاءها
وساعدني فِيهَا ابْن عَمْرو بن عَامرخِدَاش فَأدى نعْمَة وأفاءها
وَكنت أمرأ لَا أسمع الدَّهْر سبةأسب بهَا إِلَّا كشفت غطاءها
ــ
أَبِيه وجده فَلم يزل قيس من ذَلِك الْعَهْد يطْلب بثأرهما حَتَّى ثأر لَهما فِي حَدِيث يطول ذكره
طعنه بِالرُّمْحِ ضربه بِهِ وَابْن عبد الْقَيْس هُوَ الَّذِي قتل أَبَا قيس وَقيل الثائر من يَأْخُذ بالثأر والنفذ مَا ينفذ من الطعنة وَالْجمع أنفاذ والشعاع المتفرق وَهُوَ هُنَا الْمُنْتَشِر من الدَّم وَمَعْنَاهُ طعنته طعنة من يطْلب بثأره فَلم أبق غَايَة
ملكت من قَوْلهم ملكت الْعَجِين إِذا بالغت فِي عجنه وَمعنى أنهرته أوسعته حَتَّى جعلته كالنهر والفتق الشق وَمن دونهَا أَي أمامها ووراء هَهُنَا بِمَعْنى خلف مَعْنَاهُ أَنِّي شددت بِهَذِهِ الطعنة كفي ووسعت خرقها حَتَّى يرى الْقَائِم من دونهَا الشَّيْء الَّذِي وَرَاءَهَا
قَوْله يهون أَي يسهل والجراح جمع جِرَاحَة وَهِي الْكَلم والأواسي النِّسَاء المداويات للجراح يَقُول لَا أُبَالِي إِذا نظرت الأواسي إِلَى هَذِه الطعنة فَردَّتْ عيونهن عَنْهَا لقبحها وَكَثْرَة مَا يخرج مِنْهَا مَتى حمدت أَثَرهَا وعاقبتها
ابْن عَمْرو هُوَ خِدَاش من بني عَمْرو بن عَامر وَإِنَّمَا اسْتَعَانَ بخداش لِأَن أَبَا قيس كَانَت لَهُ نعْمَة عِنْده فَأَعَانَ قيسا على أَخذ ثَأْره وَفَاء لتِلْك النِّعْمَة الَّتِي قبله وَهَذَا معنى قَوْله فَأدى نعْمَة وأفاءها أَي إِنَّه كافأني بأَدَاء تِلْكَ النِّعْمَة الَّتِي عِنْده وَرجع بهَا إِلَى أَهلهَا
السبة الْعَار وَمعنى قَوْله إِلَّا كشفت
فَإِنِّي فِي الْحَرْب الضروس مُوكلبإقدام نفس مَا أُرِيد بقاءها
إِذا مَا اصطبحت أَرْبعا خطّ مئزريوأتبعت دلوي فِي السماح رشاءها
مَتى يَأْتِ هَذَا الْمَوْت لَا تلف حَاجَةلنَفْسي إِلَّا قد قضيت قضاءها
ــ
غطاءها لَا أتركها ملتبسة على سامعها بل أكشفها لَهُ أَو مَعْنَاهُ أزيلها عَن نَفسِي يُشِير بذلك إِلَى مَا قَالَه بعض الفتيان لَهُ وَالله لَو شددت ساعديك على قَاتل أَبِيك وَجدك لَكَانَ خيرا لَك فَيَقُول لَا أرمي بنقيصة تحط من قدري وتغض من شأني إِلَّا أزلتها عَن نَفسِي أَو أبنت أمرهَا للسامع ليعلم أَنِّي مَكْذُوب عَليّ فِيهَا
الضروس الشَّدِيدَة وَفُلَان مُوكل بِكَذَا ملازم لَهُ ومقبل عَلَيْهِ يَقُول إِنِّي إِذا حمى الْوَطِيس وَاشْتَدَّ الْأَمر كنت موكلا بإقدام نَفسِي لَا أُرِيد بقاءها على الذل وَاحْتِمَال الضيم
الاصطباح شرب الصبوح وَقَوله خطّ مئزري أَي أثر فِي الأَرْض بسحبه عَلَيْهَا كنى بذلك عَن الْخُيَلَاء وَالْعَظَمَة وَقَوله وأتبعت دلوي إِلَى آخر الْبَيْت أَي تممت مَا بَقِي عَليّ من السماح حَال الصحو وَهَذَا الْكَلَام يجْرِي مجْرى الْمثل فِي قَوْلهم اتبع الْفرس لجامها أَي تمم مَا بَقِي عَلَيْك من أَمرك والرشاء الْحَبل يُرِيد أَنِّي إِذا سكرت داخلني الْعجب والزهو وَأَتْمَمْت مَا بَقِي قبلي من الْحُقُوق وَأعْطيت مَا يَسْتَوْفِي بِهِ صَاحب الْحق حَقه وَهَذَا الْكَلَام جرى على عَادَة الْعَرَب فِي الزَّمن الْقَدِيم
لَا تلف حَاجَة أَي لَا تُوجد وَمعنى قد قضيت قضاءها أَي فرغت مِنْهَا يَقُول لَو أدركني هَذَا الْمَوْت الَّذِي لَا بُد مِنْهُ لأدركني وَلم يكن فِي نَفسِي حَاجَة إِلَّا وَقد فرغت مِنْهَا وخلت نَفسِي من التَّعَلُّق بهَا يُرِيد أَن لَهُ همة كَبِيرَة يدْرك بهَا كل مَا يَطْلُبهُ
ثأرت عديا والخطيم فَلم أَضَعولَايَة أَشْيَاخ جعلت إزاءها
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع