تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ إِيَاس بن مَالك بن عبد الله بن خيبرى الطَّائِي

ــ

الْفَحْل الهائج وبربر صَاح وَالْمعْنَى أَن تِلْكَ الأَرْض أَكثر بيضًا وبقرا ترعى فِي الخصب وَهِي آمِنَة من الصَّائِد وحماية الْمعِين تدل على حسن المعاشرة

الحدوج مراكب النِّسَاء جمع حدج وَتقول الْعَرَب نوى قذف وَنِيَّة قذف وفلاة قذف إِذا كَانَت بعيدَة وَقَوله قبل الْفساد أَي قبل حَرْب الْفساد والتدير نزُول الدّور وَالْمعْنَى إِذْ كُنَّا قبل حَرْب الْفساد الَّتِي كَانَت فِي طيىء إِلَى خمس وَعشْرين سنة فِي أَمن ودعة لَا نَخَاف النَّوَى ومفارقة الأوطان وهجوم الْعَدو فِي هَذِه الْمنَازل الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَسميت بِحَرب الْفساد لِأَن بَعضهم كَانَ يشرب فِي قحف رَأس صَاحبه إِذا قَتله ويخصف نَعله بأذنيه إِظْهَارًا للتشفي

هُوَ شَاعِر إسلامي تَابِعِيّ وَكَانَ من خبر هَذِه الأبيات أَن نجدة ابْن عَامر الحروري الْحَنَفِيّ كَانَ لَهُ جَيش يُغير على الْعَرَب فِي جَمِيع الْجِهَات فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَلأ يَدَيْهِ وَفعل ذَلِك ببني أَسد وطيىء حَتَّى مر ذَلِك الْجَيْش ببني معن وفعلوا بهم مَا فعلوا ومضوا ثمَّ إِن بني معن تذامروا وحرض بَعضهم بَعْضًا على الْقَتْل والقتال وَأخذُوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ من السِّلَاح ثمَّ أَقبلُوا فِي أثر الْقَوْم فَلَمَّا رَآهُمْ أَبُو عَمْرو وَكَانَ رَئِيس الْقَوْم قَالَ لِقَوْمِهِ إِن بني معن قد أَقبلُوا وأيم الله إِن صدقوكم الْقِتَال إِنَّهُم لخلقاء أَن يظهروا عَلَيْكُم وَقد كَانَ من بني معن كتاب من النَّبِي ﷺ فَلَمَّا دنوا مِنْهُم أخرجُوا الْكتاب واستقبلوا الْقبْلَة وحملوا عَلَيْهِم وهزموهم وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة حَتَّى إِن الرجل من بني معن كَانَ يَنْتَهِي إِلَى الرجل مِنْهُم فَيَأْخُذ السَّيْف

سمونا إِلَى جَيش الحروري بَعْدَمَاتناذره وأعرابهم وَالْمُهَاجِر
بِجمع تظل الأكم سَاجِدَة لَهُوأعلام سلمى والهضاب النَّوَادِر
فَلَمَّا أدركناهم وَقد قلصت بهمإِلَى الْحَيّ خوص كالحني ضوامر
أنخنا إِلَيْهِم مِثْلهنَّ وزادناجِيَاد السيوف والرماح الخواطر

ــ

مِنْهُ فَيضْرب عُنُقه فَذَلِك حَيْثُ يَقُول إِيَاس هَذِه الأبيات

سمونا أَي علونا والحروري المُرَاد بِهِ أَبُو عَمْرو أَو نجدة بن عَامر والحروري نِسْبَة إِلَى حروراء قَرْيَة كَانَت فِيهَا الْخَوَارِج وَقَوله بَعْدَمَا تناذره أَي بعض مَا خوف بَعضهم بَعْضًا بِهِ والأعراب سكان الْبَوَادِي إِلَى وَالْمُهَاجِر الْمُنْتَقل من الْبَوَادِي إِلَى الْأَمْصَار وَالْمعْنَى نَحن سرنا إِلَى الْخَوَارِج المتحزبين بَعْدَمَا خوف أهل الْبَوَادِي والأمصار بَعضهم بَعْضًا بهم

تظل الأكم الخ الأكم جمع إكام وَهِي الرملة وسلمى جبل طيىء وأعلامه الْجبَال الْمُتَّصِلَة بِهِ والهضاب جمع هضبة وَهِي التلال وكل شَيْء زَالَ عَن مَوْضِعه فقد ندر وَمِنْه نَوَادِر الْكَلَام وَالْمعْنَى تخففنا إِلَى الْخَوَارِج بِجمع صَارَت الأكم موطأة لَهُم حَتَّى أَنهم وضعُوا حوافر خيلهم على جبال سلمى وَمَا حوله من الهضاب فَكَأَنَّهَا سَاجِدَة لهَذَا الْجمع

أدركنا لُغَة فِي أدركنا وَقد قلصت بهم أَي ارْتَفَعت وأسرعت بهم والخوص الْإِبِل الغائرات الْعُيُون والحني جمع حنية وَهِي الْقوس والضوامر المهازيل وَالْمعْنَى فَلَمَّا جعلناهم قيد أبصارنا وأدركناهم وَقد أسرعت بهم دوابهم الَّتِي لحقها الكلال إِلَى الْحَيّ وَجَوَاب لما أول الْبَيْت بعده

يجوز أَن يكون معنى إِلَيْهِم عِنْدهم وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ الِانْتِهَاء وَيكون المُرَاد أنخنا إِلَى فنائهم وَإِنَّمَا قَالَ وزادنا جِيَاد السيوف الخ إِشَارَة إِلَى أَنه لم يكن لهَؤُلَاء

كلا ثقلينا طامع بغنيمةوَقد قدر الرَّحْمَن مَا هُوَ قَادر
فَلم أر يَوْمًا كَانَ أَكثر سالباومستلبا سرباله لَا يناكر
وَأكْثر منا يافعا يَبْتَغِي الْعلَايضارب قرنا دارعا وَهُوَ حاسر

ــ

الْأَعْدَاء عِنْدهم إِلَّا الْقَتْل بِالسَّيْفِ والطعن بِالرِّمَاحِ والخواطر المضطربة وَالْمعْنَى فَلَمَّا أدركناهم أنخنا فِي فنائهم من الدَّوَابّ مثل مَا لَهُم مِنْهَا واعتمادنا فِي ذَلِك الْوَقْت على السيوف الجيدة والرماح الَّتِي لَهَا اللمعان والخطران

كلا ثقلينا أصل الثّقل مَا يكون مَعَ الْإِنْسَان مِمَّا يثقله من حشمه ومتاعه ثمَّ استعاره هُنَا للجيش لِأَنَّهُ ثقيل الْوَطْأَة وَقَوله بغنيمة أَي فِي غنيمَة وَالْمعْنَى لما التقى الْجَمْعَانِ جَمعنَا وَجمع الْخَوَارِج طمع كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي سلب الآخر وَكَانَ الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى لم نظفر إِلَّا بِمَا قدره لنا

كَانَ أَكثر سالبا وَقع صفة للْقَوْم وَفِي الْكَلَام حذف كَأَنَّهُ قَالَ من ذَلِك الْيَوْم ومستلبا أَي مسلوبا وسرباله مَفْعُوله الثَّانِي وَلَا يناكر أَي لَا يقدر أَن يدافع سالبه وَالْمعْنَى لم أر يَوْمًا بلغ الْغَايَة فِي إثخان الْعَدو وسلبهم كَيَوْم حَرْب الْخَوَارِج فَلم يقدر مسلوبهم على أَن يمْنَع سرباله من سالبه

اليافع الْغُلَام الَّذِي راهق الْعشْرين وَفِي هَذَا الْكَلَام حذف أَيْضا وإيجاز كَأَنَّهُ قَالَ وَلم أر يَوْمًا كَانَ أَكثر شَابًّا يَبْتَغِي الْعلَا من قَومنَا وَقَوله يَبْتَغِي الْعلَا ويضارب قرنا صفتان ليافع والدراع الَّذِي عَلَيْهِ درع والحاسر من لَا مغفر لَهُ وَلَا درع وَلَا جنَّة تقية يَقُول وَلم أر يَوْمًا أَكثر شَابًّا يطْلب الصيت وَالذكر من قَومنَا يضارب الْقرن الدارع وَهُوَ حاسر لَا درع مَعَه وَلَا مغفر يُرِيد أَنهم كَانُوا أشداء أقوياء فِي ذَلِك الْيَوْم

فَمَا كلت الْأَيْدِي وَلَا أنأطر القناوَلَا عثرت منا الجدود العواثر

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.